الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 218الرجوع إلى "الثقافة"

قضية شهر زاد :، شهر زاد الحكيم

Share

لست أدري لم خلق الله الأدباء . فهل خلقهم لهداية البشر ، ام خلقهم لتحييرهم والعنف بهم . أم لقد خلقهم لأنفسهم لكي يهيموا حيث شاءوا مع فنهم ، لا يعبأون بشيء إلا بهذا الفن الذي يطلقونه على الناس يعبث بهم إذا شاء ، ويسرهم او يحزنهم ، ويضحكهم او يبكيهم ، ويسخر منهم او يزهيهم ، إذا بدا له شئ من هذا او من ذاك ، كما توحي إليه نزعته المتقلبة ، أو كما يوسوس إليه شيطانه الزئبقي .

والناس المساكين من أمثالنا يقرأون لأنهم لا يستطيعون إلا أن يقراوا ، وهم في مرة يفهمون ، وإذ فهموا فقد يرضون وقد يسخطون ، وهم في مرار اخري يفهمون ، وعند ذلك لا يتهمون في قلة الفهم إلا انفسهم . إننا لا نستطيع أن نقول للأديب إنك غير مفهوم ، وإلا تعرضنا إلي ضحكته العالية ، فإذا به وقد أشار باصبعه إلينا ساخرا وهو يقول " : هؤلاء الأدميون لا يفهمونني فليس أهون على الناس إذا هم لم يفهموا الأديب من أن يداروا ويغالطوا انفسهم وامثالهم من القراء ، فيقولون احيانا لقد فهمنا ، ويظهرون الاعجاب ، أو يجهرون بالسخط والأزدراء ، وقد يلجأون احيانا إلي الأغراق والتعمق ، لكى يستخرجوا من قول المؤلف الأديب معاني عجيبة ومقاصد غريبة يزعمون أنه يقصدها ثم يدفون طاسات البشائر لأنهم قد فازوا بالمعرفة و كشفوا الطلسم ، وأماطوا القناع عن الأسرار العميقة

ولست أدري بعد هذا كله ما هو واجب الأديب ؛ هل هو ان يكون واضحا يصور لإنسان للانسان قائلا : ها هو الإنسان ؟ أم هو ان يصور المعاني البعيدة فيقربها ويوضحها

ويقدمها للناس قائلا لهم : " افهموا ما أقول فهذه هي المعاني الغامضة قد قربتها إلي أفهامكم ؟ لست ادري إن كان للأديب واجب مثل هذا يتقيد به ( أم انه دون خلق الله لا يستطيع أحد أن يقيده بواجب ؟ مهما يكن من الأمر فانني لا استطيع ان اهتدى إلي جواب سؤال من هذه الأسئلة ، ولهذا فأنا قانع بأن أدع الأديب في برجه العاجي الذي اتخذه لنفسه لا يسمح لأحد بأن يزعجه فيه ، واحاول بقدر الاستطاعة أن أداري عجزي بأن أحاول أن أفهم .

لقد قرأت شهر زاد الأستاذ الحكيم مرة فلم أفهمها ، وخرجت من القراءة بما يخرج به القارئ الذي لم يفهم . فكرهت وسخطت وازدريت ، ولم اتكلم . ثم اتهمت نفسي فقراتها مرة ثانية ومرة ثالثة ، ولكنى لم افهم أيضا . ما هذا ؟

لقد عرفنا شهر زاد في قصة ألف ليلة وليلة ، فهي ابنة الوزير الذي كان ينصح الملك شهريار وبنتقد تصرفه في قتل بنات الرعية ، بعد ان يتمتع بكل منهن ليلة ، ولكنه كان لا يستطيع أن يجهر بنقده في وجه الملك المثائر المحنق . وهل كان في استطاعة الوزير ان ينكر ما أصاب الملك المسكين في إيمانه بالنساء ، وانه قد طعن في قلبه وشرفه منذ رأى زوجتة تعانق العبد الوضيع ، وتسلم نفسها إليه !

تقدمت شهر زاد ابنة ذلك الوزير متطوعة لكي تحمي بنات الشعب من فتك الملك السفاح . وتردد ابوها في ان يعرضها للقتل وهي فلذة كبدة ، ولكنها أصرت - وتم لها ما أرادت ، ودخلت وهي واثقة بنفسها إلى الملك ، ثم عمدت إلي الحيلة فأفلحت ، وجعلت تقص عليه من احاديثها قطعا ليلة بعد ليلة ، حتى مضت الليالي الألف والحادية بعد الألف . فإذا بها قد غيرت الملك ، وأبدلته شخصا آخر ، فصار إنسانا عاطفا يعرف معني الزوجة والأبناء والرحمة والسعادة ، فهذه هي شهر زاد الكريمة المقدامة ، الذكية

الظاهرة ، ذات العقل والحكمة والخيال المبدع ، وهذا هو المعنى واضح لا يحتاج إلى كد ولا تعمق ، وهذا هو قصصها رائع مختلف الألوان فيه التسلية ، وفيه الموعظة ، لا يغتر ولا يبرد ، ولا يمل

فما بال الأستاذ الحكيم يأخذ هذه الصوة فيجعل منها شهر زاد جديدة عبرة على الفهم ، وإن كان أسلوبها هينا سهلا ؛ مضطربة غريبة ، وإن كان فيها حلاوة

تبدأ قصة شهر زاد الحكيم بمنظر فيه حديث عن الملك وتغيره وانصرافه إلى ملاحظاة النجوم ، كانما قد اصابه خبل ثم يعرض الملك ذاهبا إلي بيت ساحر قد حبس آدميا في دن مملوء بدهن السمسم وابقاه فيه اربعين يوما حتى ذهب لحمه ولم يبق فيه شئ سوي عروقه وعظام رأسه ، فإذا ما مضي عليه الزمن المقدور كان ذلك الآدمي العجيب قادرا علي أن يجيب الملك عن أسئلته

فكرة عجيبة ! وما هو قصدها ؟ ما هو قصد المؤلف من هذه الصورة ؟ إنها ليست من تلك الصور الإنسانية التي يكون جمالها في نفسها وصدقها او عاطفتها ، فهي إذن صورة رمزية لابد أن يكون لها قصد وإلا فقدت قيمتها . فما هي فكرتها ؟

ثم لا يجد الملك جدوي في ذلك الساحر ، ولا في الأدمي الذي حبسه في الدن ، فينصرف حانقا بعد أن يقتل فتاة مجنونة أسمها زاهدة . ولست أدري لم قتلها ؟

ثم يصور لنا المؤلف شهر زاد في الفصل الثاني وهي تغري الوزير قمرا وتستدرجه إلي إعلان حبه لها ، فإذا ما قابلت الملك بعد ذلك كان بينهما حوار اشبه شئ بعراك الديكة أو مصارعة أشخاص ) القرء جوز ( صراع يختلف فيه الأشخاص بين الرضا السريع والغضب السريع ، والسخرية يعقبها الاعجاب ، والجفاء يعقبه الحب العنيف ، وتظهر فيه شهر زاد وكل ما فيها ينطق قائلا : " أنا غامضة

فهل تريد أن تعرفني ؟ " في لهجة المباهاة والتظاهر

ثم يسافر الملك مع وزيره قمر ، فيضرب في بلاد الأرض طالبا أن يعرف - ولكنا لانعرف ماذا يريد أن يعرف ، حتي ييأس ويمل فيعود . ثم يذهب إلي حانة الحشاشين ، يريد فيها ان يهرب من جسمه . ثم لا يستطيع فيعود إلي شهر زاد بعد أن يسمع من اقوال جلاد كان في الحانة أن الملكة قد اتخذت عبدا دنيئا قذرا وجعلته عشيقا .

لم كل ذلك ؟ لم استطع أن أفهم .

فإذا ذهب الملك إلي قصره ورأي العبد أخيرا في حجرة الملكة مختفيا وراء الستار لم يفعل شيئا غير أن ينصرف . ولم يعبأ بالوزير ) قمر ( المسكين الذي قتل نفسه عندما رأي عار شهر زاد ، فلم يستطع أن يقاوم الصدمة التي أصابته من ذلك .

ما كل هذا ؟ ولم يصور الحكيم شهر زاد العزيزة مثل هذه الصورة ؟ وماذا يقصد ؟ لم استطع أن افهم

ومع ذلك فقد قرأت شهر زاد مرة رابعة لعلني استطيع أن أجد فيها ما يمكن أن يزيل على القلق والاضطراب ، فاني والحق اعترف بأن قلبي امتلأ قلقا واضطرابا في كل مرة قرات فيها شهر زاد الحكيم . ولم أعرف سر ذلك القلق . فقد كانت كلماتها تبعثه في نفسي ، وكان حوارها يملأني به ، مع أنني ثم افهم المقصود منه . حقا إنه لشئ جدير بأسرار ألف ليلة وليلة .

ومن أعجب العجب أنني بعد القراءة الرابعة هبط على نور جديد ، أو هو وهم جديد ، جعلني أظن انني فهمت شيئا وألح بي هذا النور حتي ملأني ، فتبدل السخط رضي ، والانكار إعجابا والقلق سلاما

ولست أزعم كما قلت في أول هذا الحديث إن المؤلف قد قصد مافهمت ، فاني لا أزال أعجب من هؤلاء ، الأدباء ومن مقاصدهم ، ولا أزال انكر أن يكون الأديب

مطلقا من كل واجب ، فيترك قراءه يكدون أنفسهم ، حتى يستخرجوا شيئا يظنون أنه يقصده ، كانما هو موكل باثارتهم ، والعنف بهم ، وتكليفهم اعظم المشقة وهو ينظر إليهم هادئا

بدا لي أخيرا أن الأستاذ الحكيم لم يصور في شهر زاد امرأة ، ولم يصور في شهريار رجلا من بني الإنسان ، ولم يرد بالساحر ساحرا ، ولا بالعبد عبدا ، ولا بالوزير وزيرا ، لم يرد من ذلك كله احد الأدميين ؛ وإنما اراد ان يتخذ من كل هؤلاء رموزا . وما علينا أن نناقشه هل ينتقل الأديب القصصي إلي عالم الرموز ، أم يترك ذلك العالم للشعراء ؟ لا علينا من ذلك فان الأديب لا يقبل مناقشة ، ولا يحتمل القيود ، ويجد في هذا الناس كثيرا ممن يصفقون له كلما أبى الخضوع للقيود والحدود والواجبات .

أقول إنني فهمت أن الحكيم أراد أن يرمز بشهر زاد إلي هذه الحياة . هذا المعنى الذي نسميه الحياة .  مادة الطين التي تلبسها الحياة وتنعكس عليها صور الحياة ويري الإنسان فيها صورة نفسه ولا يستطيع ان ينزع نفسه فيها أو ينزعها من نفسه . هذه المادة الطينية التي يسعي إليها دائما ويرتبط بها دائما ما دام على هذه الأرض ، والتي يتمثل فيها ما يسميه الناس غني وفقرا ، وخمولا وجاها ، وذلا وعزا ، وضعفا وقوة وفناء ، وخلودا ثم التي يتمثل فيها ما يسمونه حبا ، أراد الحكيم أن يرمز بشهر زاد قاصدا هذه الطبيعة المادية بكل صورها

وأما شهريار فقد جعله رمز العقل المتنبه الذي يريد المعرفة ويزعم أنه يستطيع السمو فوق هذه المادة الطينية . وأما قمر فهو رمز للإنسان الذي يعيش في هذه المادة وهو يغالط نفسه عنها ، وينكر الحقيقة عليها . وأما العبد فهو الذي يعيش فيها وهو قانع بها حريص عليها ، لا يجد معنى في الحياة غيرهم . وهكذا ، وهكذا كل أشخاص

القصة قد اتخذها الأديب - كما بدا لي - رموزار لا حقائق إنسانية

فشهر زاد الرمزية غامضة بلا شك . لم يعرف العقل عنها إلا ما تبديه له ، وهي دائمة تبدو له في صورة نفسه .

قال الوزير قمر لشهر زاد في خلوتهما

- هذي ابتسامة ترجح ظني ، لكنها ابتسامة غامضة لست أدري أمعناها الاستهزاء أم الرثاء ؟

فقالت شهر زاد : انت مخطىء

قال الوزير : ثم هذه النظرة المبهمة - مولاتي - لم لا تأذنين لي في أن أجن - أنا أيضا ؟

ثم قال لها بعد حين - إن عقلي يقصر عن إدراك ما تفعلين .

فأجابت شهر زاد متخلصة من سؤاله :

- إن جسدي جميل ، أليس لي جسد جميل ؟

فقال الوزير يغالط نفسه كلا   كلا

فقالت شهر زاد : ألا تري لي جسدا جميلا ؟

فقال الوزير : بلي يا مولاتي ولكن أتوسل إليك ) ويهم بالإنصراف ( .

فإذا قال لها الوزير بعد مجادلة متعبة :

- كلا ، ما أنت إلا قلب كبير

قالت له : إنك تراني في مرآة نفسك

فيقول الوزير : إني أري الحقيقة

فتقول له شهر زاد ساخرة : الحقيقة

فإذا ما حضر الملك شهريار بدأت مناقشة تشبه المصارعة التي ألمعنا إليها في أول هذا الحديث ، حتى تقول له شهر زاد :

ألا تزال بك رغبة في أن أبوح لك ؟

فيغضب شهريار وقد علم أنها تعبث به . فتقول له بعد حين

تريد أن تعرف مني ماذا ؟

شهر يار : أنت لا تجهلين ما أريد .

شهر زاد : تريد أن تعرف من أنا ؟

شهر يار : نعم .

فتأخذ في العبث به ، حتى يقول لها :

- أنت امرأة خادعة

فلا تزيد على أن تستمر على عبثها به ، وتقول له أخيرا :

لماذا ؟ لم لا تريد أن تري في امرأة ككل النساء ؟

ثم تقول : وهل تحسبك لو زال هذا الحجاب تطيق عشرتي لحظة ؛

فيلح عليها شهريار لكي تكشف له من حقيقتها وهي تدوره وتسخر به ، فيقول شهريار :

- ما أنت إلا عقل عظيم

شهر زاد : أنت يا شهريار تراني في مرآة نفسك

شهر يار : إني أري الحقيقة

فتقول شهر زاد ساخرة : دائما الحقيقة

ثم تنصح له أن يذهب لينام كي يستريح . وتأخذ في مداعبة شعره ، ولا تزال به حتي يغازلها ، ويتوسد حجرها ويطلب منها ان تطوقه بذراعها وتنشده شعرا وتغنيه اغنية ، فتغنيه :

نم نم نم  ، أيها الطفل الذي اتعبه اللعب

إذن فشهر زاد هذه ليست إحدي من نعرف من النساء ، ولا صورة أخري من النساء ، بل هي الحياة المادية وهي على هذه الصورة لا تعرف ما تواضع عليه الناس وما امتلأت به صدورهم من العواطف . وكذلك شهريار ليس هو من نعرفه ، وليس رجلا آخر من هؤلاء الرجال .

شهر زاد لا تبالي بحب ، ولا تعرف واجبا فيه . هي تحرض قمرا الوزير على حبها ، وهي تسلم نفسها للعبد ، بل تراوده وتدعوه إلي نفسها فالحياة لا تتعفف على العبد الخسيس إذا هو طلبها ، بل ترتاح إلي طلبه ، لأنها تجد فيه مستقرا لها .

لا تعرف شهر زاد الحكيم عارا ولا خجلا ، لأنها ليست امرأة من النساء ، وهي غامضة ساخرة متلونة ، يري كل فرد فيها صورته هو ، ولا يعرف عنها شيئا

وشهريار الرمزي يتوزع بين الرغبة في شهر زاد هذه وبين رغبته الملحة في المعرفة والسمو . ولكنه أخيرا لا يهتدي إلى المعرفة ، ولا يستطيع السمو ، ثم لا يزال يلح في محاولته حتى ينصرف عن شهر زاد ، ويتركها مع العبد الخسيس

هذا ما بدا لي ، ولست أدري هل قصد الأديب الحكيم شيئا مما تصورت ؟ أم هي محاولة مني لستر عجزي عن الفهم ؟

لا يري الأديب من بأس إذا هو لم يقصد شيئا أو قصد شيئا غير ما نفهم فليس يهمة الفهم ، فما دام قد بعث في الناس القلق ، واثار في نفوسهم المعاني . واستطاع أن يحرك . وليبق هو في برجه كما يبقي سائر الأدباء والشعراء ، لا يبالون شيئا مما يصيب الناس من النصب علي أيديهم ، فانهم ما خلقوا إلا ليشيعوا القلق والاضطراب ، ما داموا لا يرضون ان تقيدهم الحدود والقيود والواجبات .

اشترك في نشرتنا البريدية