الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 220الرجوع إلى "الثقافة"

قضية شهر زاد :، شهر زاد دى رينييه

Share

لم يكن الأستاذ الأديب الكبير توفيق الحكيم أول من فطن إلي بعث شهر زاد من مرقدها في قصة ألف ليلة وليلة ، فقد كان أهل الغرب يعجبون بها وبقصصها منذ مئات من السنين ، وكان اسمها عندهم تحيط به هالة متلالئة من نسج الخيال وجعلوها رمزا لما في الحياة الشرقية من أسرار غامضة ، ومن نعيم حسى ، ومن جمال جسدي .

ومن بين المؤلفات التي ظهرت تحمل اسمها قصتان قصيرتان من تأليف الشاعر والقصصي الفرنسي هنري دي رينييه ، وهو الذي ذكره الأديب الجليل الدكتور طه حسين في قصته ) القصر المسحور ( .

أورد الدكتور اسم ذلك الشاعر عرضا في أول صفحات ) القصر المسحور ( فكانت هذه إشارة كريمة فيها معني الإنصاف ومعنى الاعتراف ، وفيها معني التكريم ، واسنن بذلك للأدباء سنة نبيلة ان يعترفوا لمن يجب لهم الاعتراف بالفضل من زملائهم ، وكافي به، كذلك يقوم بأداء الواجب عن زميله وصديقه الأستاذ الحكيم الذي ألف شهر زاده بعد ظهور شهرزاد رينييه .

لسنا نريد أن نزعم هنا أن هناك شيئا من الشبه بين فكرة دي رينييه وفكرة الأستاذ الحكيم ، ولسنا نزعم أنه كان من الواجب المحتم أن يشير الحكيم إلي فضل الشاعر الفرنسي في أول قصته . بل إننا لا نعرف إذا كان الحكيم قد قرأ قصتي دى رينييه قبل أن يؤلف شهر زاده أو لم يقراهما ولكننا على أي حال لا ننكر اننا شعرنا بأعظم لارتياح عندما رأينا طه يذكر الشاعر الفرنسي ويترجم عليه بكلمة كريمة .

وإنا نري من الخير أن نلخص القصتين الفرنسيتين لكي يري القارئ لنفسه رأيا فيهما ويتبين لنفسه اي سبيل سلك الشاعر الفرنسي في فنه وأي سبيل اختط لنفسه الحكيم

أما القصة الأولى من قصتي دي رينييه ، فهي قصة ترمل شهر زاد ، وفيها صورة لشهر زاد بعد ان انتهت من قصصها إلى الملك شهريار ، واطمأنت إلي ان ذلك الملك السفاح قد تغير وعدل عن حنقه ، ودخلت إلي قلبه الرحمة

الإنسانية . وهاك مجملها :

" قضت شهر زاد ليلة مؤرقة ، وكان اليوم الذي تلاها تنقله الشمس بحرها الموقد الذي كان ينفذ في الهواء ، ويشيع فيه حتى صارت أنفاسه كما تكون انفاس اللهيب ، ولم تكن من حيلة تجدى في تخفيف بلواه كانت ارق الشفوف في هذا الحر كأنها ثقل بنوء يحمله الجسم ، وكانت المراوح تداعب بأجنحتها الهواء ، ولكنها لم تقد شيئا في تلطيف حر الظلال اللاقح . .

تجردت شهر زاد من ثيابها لتخفف من حملها حتى لم يبق عليها إلا ما بقي بالستر ، حتى قلائدها وخواتمها وأساورها قد خلعتها جميعا ، ثم ذهبت بعد ذلك إلي ) جوسق ( اختارته في حدائقها ، وكان جوسقا عجيبا من البلور تتلاعب حوله فوارات تقذف المياه فتجعل منها له ناجا لينا له بريق وتلألؤ ولكنها مع كل ما أحاط بها من جمال المنظر وعناء الطير لم تجد هناك مايزيل عنها ضيق ذلك اليوم وحر انفاسه .

وزاد ضيقها بما وجدته في نفسها فوق ذلك كله من أن الملك شهريار لم يستمع في ذلك اليوم إلي قصتها كما اعتاد أن يستمع إليها ، فقد كان ثائرا منصرفا عنها غائبا في تأمل ما في نفسه هو من الأفكار مستغرقا فيها ، فكان مطرفا وهي تقص عليه من بدائعها يبعث بلحيته التي لاحت فيها خيوط من الشيب ، وكان في منظره ما ينم عن هموم مبرحة تفعم قلبه . فلما انتهت شهر زاد من حديثها لم يتنبه ولم يشكرها ولم يطرفها بما اعتاد أن يقدمه إليها في مثل تلك الساعة من علامات الرضا ، فكان ذلك كله دليلا واضحا على ما في صدره من الهموم والشواغل العظمي . وقد تأثرت شهر زاد من ذلك أيما تأثر ، وأحست من إهمال الملك وإطراقه لذعة ألم أصابتها في عزتها وكرامتها ، وهي من هي في أعين العالم كله وفي أعين النساء من أهل هذا العالم خاصة . أليست هي التي خلصتهن من فتك الملك وعسفه وبطشه

وكان من أشد ما آلم نفسها من أثر انصراف شهر يار عنها انها عندما انتهت من قصتها لم يلق إليها تلك الاسئلة التي ما فتئ منذ عرفته يلقيها إليها كلما انتهت من قصة يومها يستوضحها بها عن شخوص حديثها ، وعن حوادث حكايتها . إنه لم يفعل شيئا من ذلك ، بل انصرف إلي نارجيله ، فاثار دخانها وهو لايزال مطرقا صامتا . وبعد حين أتى إليه الوزير ) كرتدار ( .

وكانت شهر زاد تكرهه لما كان يعاندها به ويفسد به الملك عليها من نصحه وعدله . فقد أتي إليه الوزير في ذلك اليوم وجعل يصف له ضيق الشعب به ، لما نزل به من شدائد بعثها عليه حروبه الشديدة كما بعثها إسرافه واستهتاره غلاذه ، وكانت شهر زاد تكره ذلك الوزير لأنه كان يراقبها ويحيطها بعيونه ، ويبعد عنها كل من قد ترتفع عينه إلي التطلع إليها مع أنها امرأة ، والمرأة تحب أن تري نفسها مرموقة بنظرات ثم عن الإعجاب بحسنها ، فقد كان وجه شهريار جاهما لا يبعث فيها مثل تلك اللذة والسرور .

وجعل ) كرندار ( يحدث شهريار بما يثور في نفوس شعبه من ألم وغضب واستياء ، وشهر زاد تسمع قوله مع انه كان يقوله همسا ، فهي ككل النساء مرهفة السمع لا تفوتها كلمة وإن كانت همسا ، وكان شهريار في أثناء حديث وزيره مطرقا يعبث بأطراف لحيته حتى انتهي ) كرندار ( من مساررته ، فخرج الملك معه متكئا بيده على كتفه بغير أن يلتفت التفائة إلي شهر زاد ، فقامت هذه محنقة حزينة عائدة إلي مكانها من القصر .

وجاشت الهموم والأفكار في رأسها ، وهي في وحدتها وعادت إليها الذكريات البعيدة ولا سيما ذكري حداثتها وهي لا تزال ابنة ذلك الإسكاف نعم فقد جعل دي رينييه شهر زاد ابنة إسكاف مع أنها ابنة الوزير الخطير . ذلك الإسكاف الذي كانت له مهارة في فن الحديث والقصص ، فعلمها من ذلك ما أنمي فيها تلك المقدرة العجيبة علي ابتداع الحوادث ورسم الأشخاص .

واستمرت شهر زاد في تأملاتها وذكرياتها ، حتى اثقل النوم جفنيها ، وذهبت في نوم كان قد استعصى عليها ، وخيل إليها وهي في نومها انها تسمع ضجة غريبة ، ووقع أقدام في حدائق القصر وعلي سلاليمه . ودارت في خيالها ظنون ومخاوف ، فهل ثار أهل بغداد بملكهم ؟ أم هي نار قد اندلعت في جوانب القصر ؟ أم هو زلزال هز أركانه ؟ أم هم الأعداء قد أغاروا فجأة على العاصمة فرجوها رجا ؟ أم . هي بقية من بعض قصصها ، لا تزال تضطرب بها وهي نائمة لا ، لم يكن هذا ولا ذلك ، ولكنه رجل هناك كان واقفا حيال سريرها ، قدخلعت عمامته ورفع يديه امامها تقطر دما ولم يكن شبحا ولا روحا ، بل هو رجل قد عرفته بصفرة وجهه وطول أنفه وعينيه المائلتين . فهو الوزير الأكبر ) كرندار (

جاء إليها بيدين تقطر منهما الدماء ، لكي يقص عليها نبأ مقتل شهريار ، ثم قص عليها مأساة الملك ، ووصف لها مقتله الذي لم يعرف أحد شيئا من أسبابه ولا أشخاص مقترفيه ، ثم عرض عليها أن تكون ملكة بعده وان تجعله هو وزيرها إذ شاءت أن تنفي النفي من بغداد ، أو كانت حريصة على الحياة وهكذا صارت شهر زاد ملكة في بغداد بعد ترملها . فلما صارت شهر زاد ملكة اعتراها من السأم والضجر مثل ما كان يعتري شهريار ، ولم تجد حيلة في ذلك السام إلا أن تفعل مثل شهريار فتدعو أصحاب القصص إلي تسليتها على أن تقطع آذان من لا يعجبها قصصه منهم ، فإنها :لم تستطع أن تجاري شهريار في قطع الرؤوس .

وهكذا كان وارتجت بغداد لندائها ، وازدحم أهل القصص على أبوابها وكم ثارت فيهم الامال ، وكم قطعت بعد ذلك منهم الأذان حتي ملت شهر زاد من قطعها ، فعدلت عن سماع القصص ، وجعلت تلتمس التسلية عبثا من مفاتن حياتها ومباهجها وترفها ، بل لقد فكرت في بعض الاحيان بالسفر والترحال طلبا لتلك الراحة ، حتى إذا كان يوم وهي جالسة على سطح قصرها المشرف على دجلة والفضاء من ورائه ، جاءتها انباء قافلة اتت إلي العاصمة ، وفيها رجل يريد أن يتقدم إليها بقصصه كما فعل الآخرون من قبله .

وأخيرا دخل ذلك الرجل إلي حضرتها ، وكان نجدا طويلا قوي البنية ، جميل الهيئة انيق الملبس يلوح عليه أنه من بيت إمارة ومجد ، وكان يغطي وجهه بقناع كما يفعل النساء . ولما دخل لم يركع عند اقدامها بل وقف أمامها رافع الراس ، فتأملته الملكة في تعجب وأسف ، فإنها قد كانت اشترطت عليه ان تقطع رأسه بدل اذنيه إذا هو لم يعجبها قصصته عقابا له على جراته .

ولكنها ما لبثت أن أحست أن الوسائد التي تحتها تفوح بعبير رطب ، وان النجوم تلمع ببريق بديع ، وان القمر الفضي أسطع نورا ، وأن خرير الفوارات أكثر تناسقا في موسيقاه ، وان الورد قد صار اعطر طيبا ، وإذا بها تنظر إليه صامتة وقلبها خافق ، ثم تقضي عينيها

فلما رفعت إليه الطرف بعد ذلك ، كان قد أماط عن وجهه القناع فرأته مثل الفجر جمالا ، أو مثل السعادة . ولم ينطق هو بكلمة بل وقف حيالها يضع إصبعه على فمه ، ولكنها سمعت من ذلك الفم الصامت الفاظا خرساء تقص

أعجب القصص - تلك التي يقصها الحب بغير صوت ؛ والتي تحوي كل جمال الموت والحياة . أما القصة الثانية فلها حكاية

سبق للمؤلف هنري دي رينييه أن ألف قصة قصيرة اسمها " السعادة الحقيقية " صور فيها امرأة اسمها مدام ) جيا ندر ( قضت فترة من الزمان أيما لا زوج لها ، وكانت فتنة لمن حولها وانسا لهم ، ولكنها لم تفتح قلبها يوما للحب ، حتى رأت شابا صغيرا أغرمت به غراما أنساها كل شئ ، وبعدت به  إلى إيطاليا لتنعم بالحياة معه ، واقامت معه في سعادة أنستها كل شئ في الحياة ، وكان فتي جميلا ، ولكنه كان جميلا كالنساء ، يميل إلي مثل دلالهن وزينتهن حتى إذا كان يوم من الأيام نظرت حولها فلم تجده ، والتمسته فلم تستطع أن تهتدي إليه - فقد كان اختفي بغير أن يقول كلمة كأن الأرض قد انطوت عليه . وأخذ معه جواهرها ، وعقدا من الؤلؤ كان اعز الأشياء عندها بعد هذا الحبيب الشارد وقد علم فيما بعد انه قد هرب منها بعد أن مل وسئم واكتفي . ثم عرف بعض أصحابها مكانه واستردوا  منه حليها ، وعرفوا سر هروبه وهو انه قد كتفي منها . وقد صور المؤلف هذه المرأة تذهب لزيارة شهر زاد في قصرها العجيب في بغداد ، وهذه هي قصتها هناك .

كانت شهر زاد في جوسقها البلوري العجيب في بغداد وقد عرفناه فيما سلف من قصتها الأولى . وهناك دخلت عليها مدام ) جيا ندر ( بعد أن قطعت إليها المفاوز في طيارة سريعة . ولما استقر بهما المجلس جرت بينهما محاورة شائقة ، وجعلت كل منهما تقص على الأخري حديث نفسها وهمومها .

وجري بينهما حديث الشاب الذي احبته مدام جيا ندر ثم هرب بجواهرها وعقدها ، وكان ذلك العقد لا يزال بحلي جيد السيدة الزائرة بعد أن استردته من الحبيب الشارد فتأملته شهر زاد وجعلت تعجب به" وتقضي إلي السيدة بما في قلبها من مواساة وإعجاب .

قالت السيدة جيا في ندر بعض حديثها تخاطب شهر زاد : " هل تستطيعين يا سيدتي الحكيمة أن تخبريني هل فينا معشر النساء سر يجعلنا في وقت من الأوقات بغيضات إلي من نحب ، فيهجروننا ويخونوننا وينسوننا ؟ لقد سألت نفس هذا السؤال غير مرة . . فهل نحن اللاتي يفسدن

الحب الذي نثيره أم هم الرجال الذين لا يستطيعون عصيان ما في قلوبهم من حاجة ملحة إلى النكران والخيانة ؟ . .

فأجابتها شهر زاد بأن قصت عليها نبأ ذلك الحبيب الغريب المقنع الذي وفد عليها في قصرها وقالت لصاحبتها إن طباع الناس واحدة سواء اكانوا في باريس أم في بغداد .

فالرجال يهجرون النساء اللاتي يحبنهم في الشرق كما يفعلون في الغرب . ثم جعلت تقص عليها كيف احبت ذلك الشاب الغريب حتى كادت تتخذه ربا وكيف أسلمته نفسها وخزائنها وقصرها وحدائقها وكل ما هو عزيز غال عندها . وكيف تغالت في فتنتها بحبه فتجردت له عارية وابدت له حقيقتها الحية فقد كان سيد جسمها وفكرها معا . ولكنه ما لبث واأسفاه حتى خان ومان وغدر وفجر ، فرأته ذات يوم في أحضان سوداء قبيحة كان لونها الليل البهيم من ليالي الشتاء غير أنها لم تفاجئه وهو في جريمته بل لم تطلعه على انها قد عرفت خيانته .

ولشد ما بكت وتألمت وهي صامتة . ولكنها وياللعجب لم تلبث إلا أياما بعد ذلك حتى جاء إليها الشاب الحبيب الغادر يستأذنها في السفر وسار بعيدا فلم تره منذ ذلك اليوم وعاشت من بعده وحيدة تناجي وحشتها في قصرها

واستمر المؤلف دي رينييه بعد ذلك في وصف ما بين المرأتين من الحديث عن الحب وتحليله وما يقترف فيه الرجال أو النساء . وانتهي وصفه بمنظر لا يتمالك المرء أن يضحك منه بملئ شدقيه . فقد جعل المرأتين تتحابان وتتغازلان كأنهما تريدان ان تستغنيا بنفسيهما عن الرجال .

هكذا كان هنري رينييه الفرنسي سابقا إلي شهر زاد في نحو السنة الثلاثين من سني هذا القرن العشرين فألف فيها ورسمها رسما جديدا يتحدث على لسانها بمعني من معاني الحب ، ولكنه لم يبعد بشهر زاد عن الأرض ، بل أحياها امرأة من النساء ، لا يجد أحد فيما تقوله غموضا ولا غرابة ، بل يجدها امرأة طبيعية وإن كانت شاذة بين النساء ، امرأة عجيبة وإن كانت من هذا الطين المعتاد الذي تزدحم به ارجاء العالم ، ولم يجعلها رمزا لغير هذه الإنسانية المسكينة الضالة التي تحتاج إلى أن تفهم وأن تتعظ

اشترك في نشرتنا البريدية