تكون الصدفة أحيانا سببا للنتائج الخطيرة . هذا امر مسلم به قد عرفته الإنسانية في اقدم عصورها كما عرفته في عصرها الحديث ؛ ويلذ للناس يتحدثوا بهذا المعنى ويتفكهوا به احيانا ، ولهم العذر كله في ذلك ، فقد تكون للصدفة آثار لو تتبعها العقل بمنطقه لوجد فيها كثيرا من وجوه العجب والفكاهة . قال قوم في مثل هذا التفكه في الحديث ؛ إنه لولا أن الصدفة جمعت أنطون وكيلوباتره لكان تاريخ العالم كله قد اتجه وجهة غير وجهته ، ولما حدثت أمور قد حدثت ، ولاستحال وقوع أمور أخري قد جرت . ويبالغ بعضهم في التفكه فيقولون : لو أن الصدفة جعلت ألف كليوبتره اطول قليلا مما كانت لجرت الحوادث في مجري غير الذي اتجهت إليه .
ولو شئنا أن نضرب الأمثال علي الصدفة وأثرها وما تفتحه الأحاديث عنها من صنوف الندر والفكاهة ، لطال بنا القول وتشعب . وقصاري ما نرمي إليه من كل هذا أن الصدفة قد جمعت يوما من الأيام بين الأديبين الجليلين الدكتور عله حسين والاستاذ توفيق الحكيم في فصل من فصول الصيف في إقلم الجبل بفرنسا ، كما يفعل المنعمون جميعا من سادة هذا الناس ، وكان لهذه الصدفة من الأثر ما يمكن ان يذهب معه الخيال مذاهب شتي ، فإنهما منذ اجتمعا خلا لهما الجو ، وأتيا بشيء يشبه ان يكون اعجوبة من الأعاجيب الأدبية ، إذ ألفا معا كتابا أوقصة تحمل اسميهما جنبا إلي جنب ، وهي قصة " القصر المسحور " فكانا فيما نعلم أول أديبين انتاجا قصة واحدة بقلميهما مجتمعين ، وصورا صورة واحدة بريشتين مختلفتين ، ولكنها مع ذلك كانت
تحفة منسجمة لا يبصر فيها القارئ موضعا يظهر فيه نفور في الفكرة او اضطراب في التصوير ، بل يري فيها قطعة فنية محكمة لايدري كيف اتفقت فيها الملكتان ، ولا كيف اطمأن فيها الأسلوبان .
وميما يكن من الأمر فقد كان هذا وحدث فعلا ، ولا حاجة بنا إلي التماس أسبابه ولا تخليل كنهه ، فإنما هي الصدفة تأتي بالمعجزات ، وعلينا ان نراها ولا نزيد على أن نتعجب ، ونحن إذا دققنا النظر لم نجد في ذلك إلا امرا يراه أهل المنطق طبيعيا ، فكل ما هو موجود يعتبر في نظر المناطق طبيعيا . هذه القصة العجيبة في خلقها ، كانت بغير شك في نظرنا من أجل ما قرأناه في أدبنا العربي ، فهي خيال منسجم واضح يعبر عن فكرة رائعة ، وينتقل بالقارئ من منظر بارع إلي حديث شهي إلي رأي سديد ، ويسود عليها جميعا روح وديع من المرح العذب الهادي ، كأنما تسري فيها نسائم الجبل في آصال الصيف . ولكن هذا الفن الرائع ليس هو الذي نقصد إلي التحدث عنه في هذه الكلمة ، فإنما تريد ان نتحدث عما في القصة من معان متصلة بالأديبين المؤلفين ، ومعان اخري متصلة بقضية شهر زاد ، وبالمبادئ التي رسمت فيها للأدباء عامة
تحدث عله في هذه القصة عن توفيق وصور له صورة من أحب ما صور به الآديب صاحبه الأدب ، فهذا هو توفيق يملأ الجو حوله مرحا ، وقد يملؤه احيانا قكاهة ، يطلع أحيانا بخواطره العجيبة يسوقها في صوت تملؤه حماسة تشبه حماسة الطفولة البريئة ، وينظر إلي العالم وما فيه نظرات ساذجة هي في حقيقتها عميقة معقدة . وهذا هو طه تري ابتسامته العاطفة ، وتحس جيشان نفسه بالعطف والمحبة ، وشوقه إلي لقاء صديقه والائتناس به وطلب الراحة في صحبته . حقا إن توفيقا يستطيع احيانا ان يكون عنيدا ، وقد يبلغ به العناد أن يحملق بعينية الواسعتين ، وان يثبت
رجليه وعصاه في الأرض أو يخبط بها أديمها غاضيا ، وقد يحزن كما يحزن الفرس الأصيل ، وقد يحجم أحيانا ، ويرفع صوته مهاجما ، ولكنه مع كل هذا لا يستطيع ان يثير كراهة ولا عداوة ، بل قد يزيد العطف عليه والحب له من اجل ثورته وعناده وقد كان هنا علي الاقل ما احسه الدكتور طه نحوه مع كل عناده وجموحه . أليست هذه صورة بديعة يصورها الأديب لصديقه الأديب الذي يحبه في ذات الأدب ، ويجد منعه نفسه في حديثه ومشاركته الجد واللهو ؟ الا تذهب مثل هذه الصورة بكثير مما آلم نفوسنا من عداوات الأدباء ومشاحناتهم ومهاجاتهم ومنافساتهم ؛ لاشك في أن الأفق الأسمي يستطيع أن يجمع أهل الأدب على العواطف التي تجدر بشرف الأدب والأدباء
ولم يكن هذا الوصف البديع هو كل ما بعثته المودة بين الأديبين ، فإن القصة كلها مع تنوع صورها ولطف خيالها وبراعة اسلوبهما ترمي إلي غاية لا تخفي علي قاريء عند أول قراءة لها ، فقد قصد بها طه ان تكون دفاعا عن صديقه توفيق وانتصارا له ، وإشادة بفضله في تأليف ) شهر زاد
كان القراء قد قابلوا قصة ) شهر زاد ( بكثير من الاضطراب فلم يستطع الكثيرون منهم أن يقبلوا الشخصية الجديدة التي خلقها لهم توفيق في شهر زاده . وقد كان هذا ما شعرنا به نحن عند قرائتها للمرات الثلاث الأولى ، كانت شهر زاد التي يعرفها الأدباء في ألف ليلة وليلة امرأة ذكية فاضلة ، فيها شجاعة وكرم ، وفيها تفنن وحكمة فرأوا الحكيم يبعثها امرأة باردة غامضة لعوبا فاجرة . وكان شهريار الذي يعرفوه ملكا عسوفا سفاكا مخنقا ثائرا بفهم الناس سر عسفه وثورته ، وقد يعطفون عليه من اجل ذلك كله عطفا عظيما ؛ فقد كان من قبل ملكا عادلا كريما وديعا ، حتى رأي خيانة زوجه فامتلأ قلبه حقدا علي النساء جميعا
وهل من عجب في أن ينقلب مثله وهو في سلطانه ومجده ، فيكون ذا سطرة في الانتقام الهائل الهائج ؟ ولكن شهريار الذي بعثه الحكيم كان رجلا خفيفا متقلبا غير موفق . يتدني إلي مواطن لا يتدنى إليها الملوك ، ويصير أمره إلي ان يكون مثلا للرجل الساقط النذل الذي لا يعرف كرامة الملوك ولا شرف الرجال . فكان لمن أنكر من القراء كل العذر في ان ينكر ، ولمن كره منهم كل العذر في ان يكره .
ولا شك في أن طه فهم من شهر زاد الحكيم ما فهم سواء من الأدباء ، ثم لاشك في أنه قد تعمق في الفهم فأدرك منها أكثر مما فهمه الكثيرون . لا شك في أنه أدرك ما يمكن أن يكمن تحت شخوصها من رموز ومعان خفية ، ولكنه لم يقف للناس ليقول لهم ما فهم أو يدافع عن صاحبه بإبراز ما يقصده من قصته ، بل ضرب بكل ذلك عرض الأفق ، ووقف إلي جنب صديقه يقول للناس أن ليس لهم أن يؤاخذوا ولا أن ينكروا ، فإن الأديب في رأيه غير مسئول عن شيء إلا أن يطلب السمو والكمال الفني . لقد تكلف طه في سبيل هذا الصديق شيئا كثيرا ، فإنه نقل شهر زاد من أجله إلي فرنسا وجعلها تقيم في ) قصرها المسحور ( في جبال ) الفوج ( ، ثم ما زال بالملكة حتي جعلها ترضي عن توفيق وكانت غاضبة عليه فيمن غضب عليه من أجل تشويهه لصورتها ، ثم حملها بالحاحه على أن تقبله سميرا لها ، مع أن ذلك الصديق كان عنيدا فلم يرض بذلك الحظ السعيد ، وتحمل في سبيل عناده مشقة عظمي ، وحمل صديقه طه مشقة مثلها عظمي من أجله . ثم لم يقنع الدكتور بهذا كله ، بل حرك الدنيا وأقامها وأقعدها حتى عقد لصديقه محكمة فذة ، وحشد فيها جمعا خطيرا من ملوك ووزراء وحاشية وجعل الزمان قاضيا فيها ، وما زال حتي أنطق الزمان بحكمه الذي يقضي ببراءة توفيق من كل جرم ، لأنه أديب مجتهد يسلك السبيل إلي الكمال .
حقا لقد كان طه صديقا محبا ، وهو رجل إذا أحب لم يقف شيء في سبيل حبه . ولكننا نحن معشر الناس لم نحب توفيقا بعد مثل ذلك الحب العظيم ، وإن كنا نحبه حقا ، ولهذا لا نستطيع إلا أن نقول ما يبدو لنا نحن . لقد أنطق طه لسان الزمان قبل أن ينطق ، وليست لنا مثل هذه القدرة على إنطاق الزمان ، فلا نملك إلا أن ننكر إذا أنكرنا ، وان نتناقش إذا لم نفهم ، وأن نقف في الحكم عندما نفهم من معناه ؛ ولا نستطيع فوق ذلك ان نملك أنفسنا من مؤاخذة الأديب غير معتذرين عنه بأنه يقصد إلي الكمال ، فنحن نريد الأديب لأنفسنا ولعقولنا ولحياتنا لا لكي يسيطر علينا ويعش لنفسه ولفنه منقطعا عنا ؟ فإذا فهمنا منه ما أعجبنا دافعنا عنه بما فهمنا ، وأن فهمنا ما أنكرناه وخفناه على حياتنا ومثلنا ثرنا به وحاسبناه أعسر الحساب ، ولم نكن لنسلطه علينا ذلك السلطان المطلق الذي يجعله هناك عاليا فرف متناول حسابنا
لقد بدا لنا أن الأدب الجليل طه قد قرر مبدأ خطيرا ونصره بسلطانه الأدبي العظيم ، ولعله يكون بذلك مسئولا على كثير من التحرر أو التحلل الذي يعتز به ناشئة الأدباء في وقتنا هذا ، فإن السعي إلي الكمال الفني معنى يسهل علي كل من شاء أن ينفذ منه إلي الخروج من كل قواعد الأدب الصحيح
إنه من الحق أن يتجرد الأديب للدفاع عن صديقه . بأن يبرز معناه ويقول للناس إنه قد خدم لهم الأدب والفكر ، وإنه يعمل على السمو بهم إلي آفاق غريبة عنهم ، وإنه يتخذ من الوسائل إلي ذلك ما يوافق فنه ، ويصدر عن وحيه وإن ارتكب في سبيل فنه مشقة وأركب الناس معه المشقة ، وكلفهم كثير العناء في فهمه .
للأديب أن يدافع عن صديقه بمثل هذا ، وقد حاولنا
نحن أن نظهر ما ينطوي عليه فن الحكيم في شهر زاد من المعنى العميق ، وما أردنا بذلك إلا أن يؤيده ، وندعو الناس إلي التماس المعنى السامي من تحت مظهر اللفظ الذي يخفيه .
ولكنا لا نستطيع أن نقبل نظرية طه في أن يسلبنا حق مؤاخذة الأديب ، ويجردنا من كل سلطان عليه ، بحجة أنه يقصد إلي الكمال . فليقصد الأديب إلي الكمال الفني وليحتفظ بكل حرية في تفكيره وأسلوبه ، ولكنا نحن القراء لسنا حجارة أو حديدا ، بل نحن جمهور الإنسانية لنا ما نعتز به من مثل عليا ، وما نحيا من أجله من معان في الحياة ، ولنا حق في الحرية لا يقل عن حق الأديب في حريته ؛ قلنا أن نعلن إنكارنا إذا أنكرنا ، ولنا أن نجهر بالإعجاب إذا أعجبنا ، وما صوت الزمان إلا صوتنا إذا تجردنا من الغايات السخيفة في أحكامنا علي الأدباء
