الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 460الرجوع إلى "الثقافة"

قضية فلسطين فى مرحلتها الحاسمة

Share

ما أجدرنا اليوم أن نوجه كل جهودنا وتفكيرنا إلى قضية فلسطين، وألا يشغلنا عن ذلك أمر من الأمور، مهما جل وعظم. فإن أقل تقصير أو تراخ فى شأن هذه القضية اليوم، جدير أن يجر على العالم مشاكل وكوارث تعانيها الأجيال دهرا طويلا، فإن برنامج الصهيونيين كبرنامج هتلر ليس سرا مكتوما، بل امتلأت به كتاباتهم وأقوالهم. وهو برنامج استعماري صريح، يشمل العالم العربى من الفرات إلى النيل. وليس الاستيلاء على جزء من فلسطين سوى الخطوة الأولى التى تمكنهم من الوثوب مراراً لتحقيق سائر الخطوات. وهذا الأمر يدركه الصهيونيون مع الأسف أكثر مما يدركه أبناء البلاد العربية، ولذلك نراهم يبذلون الجهود الجبارة اليوم لتحقيق تلك الخطوة الأولى، ولا يدخرون فى سبيل ذلك مالا أو جهدا أو تضحية مهما جلت.

دخلت قضية فلسطين مرحلتها الحاسمة، يوم أن تقدم الإنجليز إلى هيئة الأمم المتحدة يلتمسون منها حلا يخرجهم من الورطة التى أوقعوا أنفسهم فيها. واختارت تلك الهيئة لجنة تحقيق، لم تلبث أن تعرضت لضغط الصهيونيين وتهويشهم، وأ كاذيبهم وتضليلهم. وأصدرت تلك اللجنة تقريراً لا يمكن أن يصدر إلا من جماعة قد اضطربت

عقولها، واختل تفكيرها، أو فسدت ذمتها، وباعت ضميرها. ونحن لا ندرى أى هذين الاحتمالين أدنى إلى الحقيقة، ولكن ليس من شك فى أن هذه التوصيات لا يمكن أن يمليها العقل أو الضمير السليم.

فقد أوصت تلك اللجنة بتمزيق أوصال فلسطين، وبتقسيمها بين العرب والصهيونيين، وغلت حتى فى هذه الفكرة الطائشة الجنونية غلوا يحقق أبعد ما يحلم به الصهيونيون من الآمال. فقد أوصت بأن يمنحوا ٦٢ % من أرض فلسطين، وأن يكون هذا الوطن الصهيونى مشتملا على أغنى بقاع فلسطين، وعلى الأقاليم الساحلية كلها؛ عدا جزءاً ضيقاً فى الجنوب تركوه للعرب، وبينما الوطن الصهيونى المقترح كتلة متلاصقة من الأراضى الغنية، نرى الوطن العربى الضئيل مقسما إلى ثلاثة أقسام أكثرها فى الأقاليم الجبلية الداخلية، ذات التربة الفقيرة، وهذه الأقسام الثلاثة، تتصل بدهاليز ضيقة تخترق القطر الصهيونى، ورأت تلك اللجنة المجيبة أن من المناسب أن تترك فى هذا القطر الصهيونى نصف مليون من العرب، لكى يكونوا رعايا الدولة الصهيونية، ولم تتورع تلك اللجنة عن أن تضم إلى ذلك القطر الصهيونى مدينة يافا، وهى

أعظم المدن العربية ومركز من أهم مراكز الحركة الوطنية الفلسطينية.

هذه خلاصة التوصيات التى سولت لأغلبية اللجنة نفوسهم أن يتقدموا بها إلى القلم الأسمى لهيئة الأمم المتحدة، التى تعقد اجتماعاتها اليوم فى ولاية نيويورك، مركز القيادة العليا للصهيونيين، ومبعث نفوذهم وقوتهم، وأخذت كل دولة تدلى برأيها فى تلك التوصيات بما يلائم ميولها ونزعاتها، وما قد تجنيه من غنم أو تكتسبه من نفوذ.

فأما السياسة البريطانية فلا شك أنها ارتاعت لتوصيات لجنة التحقيق. فإن فى خلق دولة صهيونية تمكينا للنفوذ السياسى الأمريكى من التوغل فى الشرق الأوسط، بعد أن كان هذا النفوذ مقصورا على المسائل الاقتصادية، مثل التكالب على البترول. ولذلك بادر مندوبها بأن أنذر بأن بريطانيا لن تقبل البقاء فى فلسطين إذا لم توفق الأمم المتحدة إلى حل يقبله اليهود والعرب، فإذا عجزت عن ابتكار حل كهذا، فإن بريطانيا ستسحب قواتها العسكرية كلها من فلسطين.

كانت بريطانيا ترجو بعد أن أدلت بتصريح خطير كهذا أن تعيره حكومة الولايات المتحدة بعض الاهتمام، وأن تبدى عطفها على ما قاسته بريطانيا فى فلسطين من المحن والآلام فلا تبدى موافقتها على سياسة التقسيم، لأن معنى هذا أن أمريكا لا ترى بأسا فى أن تنسحب بريطانيا، وأن تخرج من فلسطين بجيوشها وطائراتها وسفنها وأن تذهب إلى غير رجعة.

لم تعبأ الولايات المتحدة بشعور صديقتها وحليفتها، ووقف المندوب الأمريكى، فى غير حياء ولا خجل، ينادى بأن دولته تؤيد مشروع التقسيم، وترى أنه حل عادل لقضية فلسطين، وأن من الواجب أن يظل البريطانيون هناك يحافظون على الأمن حتى يتسنى لهيئة

الأمم المتحدة أن تؤلف قوة دولية من المتطوعين لكى تتسلم الأمن والنظام من البريطانيين.

كان الخطاب الأمريكى تأييدا خالصا للمشروع الصهيونى، ولم يحاول المتكلم أن يلطف من حدة تقرير اللجنة إلا فيما يختص بمدينة يافا العربية التى لم يستطع حتى الضمير الأمريكى أن يهضم ضمها إلى القطر الصهيونى. ولكن السياسة الأمريكية أدلت ببدعة جديدة لا شك أن الذكاء الأمريكى يهنئ نفسه على ابتكارها. ألا وهى تلك القوة الدولية التى تتسلم السلطة فى فلسطين، وهى قوة تؤلف على مبدأ التطوع. فأى تطوع هذا الذى يريده الأمريكيون ؟ هل يسمح فيه بتطوع اليهود الصهيونيين ؟ وماذا يكون موقف أمريكا إذا "تطوع" مليون من الروس فى هذه القوة الدولية ؟ وماذا يكون الجواب إذا تطوع مليون آخر من أبناء مصر والعراق وسائر الأقطار العربية ؟ وعلى فرض أن العرب واليهود سيحرمون هذا التطوع، وأنه سيسمح بالتطوع فقط بنسبة عدد سكان كل دولة من الأمم المتحدة، فهل استطاع الذكاء الأمريكى أن يدرك أن روسيا وأنصارها فى شرق أوربا سيكون متطوعوها أكثر عددا من كل دول أمريكا مجتمعة ؟.

الراجح أن الذكاء الأمريكى لم يدرك شيئا من هذا. ولكن روسيا لم تلبث أن أدركت أن فرصتها قد سنحت وأن الأمر الوحيد الذى يضمن لها التدخل المباشر فى الشرق الأوسط - وفى أشد الأقطار العربية خطرا، وهو فلسطين - أن تقف من فكرة التقسيم موقف المؤيد المناصر. لأن هذا يضمن لها ولجيوشها الاشتراك المباشر فى كل حل لقضية فلسطين يتطلب استخدام القوة، وسيكون لروسيا وأنصارها فى هذه القوة نصيب الأسد. والروس أذكى عقلا وأدق إدراكا من أن يتوهموا أن لهذه القوة وظيفة مؤقتة تنتهى بعد عدد قليل من السنين. فإن حالة الأمن والنظام بعد التقسيم ستتطلب حتما بقاء هؤلاء

"المتطوعين" ردحا من الزمن أطول بكثير مما يتوهمه ساسة أمريكا، الذين لا يزالون فى حالة من الغفلة وقلة النضج تستدعى الرثاء.

وقد اغتبط الأمريكيون بتأييد الروس لفكرة التقسيم، ولكن المندوب الروسى لم يذهب فى تأييده إلا إلى مدى محدود. فقد انتقد التوصيات فى تفاصيلها وحفظ لروسيا حقها فى إبداء رأيها فى الوقت المناسب فى معظم المسائل التى اشتمل عليها تقرير اللجنة.

لا شك أن موقف كل من أمريكا وروسيا قد أملته الشهوات الاستعمارية، والرغبة فى إخراج الإنجليز من فلسطين. وامتداد النفوذ إلى قلب الشرق الأوسط وإلى ركن خطير من أركان البحر المتوسط، حيث تلتقى طرق الملاحة والخطوط الجوية، وحيث المخارج الرئيسية لأعظم موارد البترول فى العالم. ولئن أتيح للروس أن يرسلوا "متطوعيهم" إلى هذه البقعة ذات الخطر الجسيم، فإن من السذاجة المشرفة على البلاهة أن يتوهم إنسان أن فى العالم قوة سوى الحرب الشعواء تستطيع إخراجهم منها.

فى هذا الجو الذى سادته الشهوات الجامحة، وقف مندوبو الدول العربية يدلون بحججهم، ويقتدون أقوال الطغاة، التى أملاها الجشع والغباء. ولا شك أن أقوالهم قد ظفرت بنصيب وافر من الإعجاب، ولكنها لم تظفر بما تستحقه من التأييد. ومن أهم البيانات التى أدلت بها الوفود العربية، إعلانها أن هيئة الأمم المتحدة ليس لها الحق فى أن تصدر حكما بتقسيم قطر من الأقطار. وأن الميثاق نفسه لا يخولها مثل هذا الحق.

وهنالك حجج أخرى كان يرجى لها أن تنال التأييد الكامل من أكثر الوفود، لو أن هذه الوفود كانت تتوخى العدل، وتصدر فى أعمالها عن رأى منزه عن الغرض. ولكن وفود الأمم المتحدة مع الأسف الشديد، يجرى بعضها فى ركاب بعض. ويمشى بعضها وراء بعض حذوك

النمل بالنمل. ولذلك لم يكن هنالك بد من أن تتخذ الدول العربية إجراءً حاسماً بصون حقوقها، ويثبت للعالم أنها ليست عابثة عندما تنادى بأنها لن تقبل تمزيق الوطن العربى، وإقامة دولة صهيونية فى أرض فلسطين..

إن مشروع التقسيم لا يمكن أن يفرض إلا بالقوة، ولا يمكن أن يتم إلا بعد سفك دماء الآلاف المؤلفة من عرب فلسطين. وليس من العقل أن ينتظر العرب حتى تسفك دماؤهم، أو حتى ينزل المحظور، ويتعذر دره الخطر. وما دامت التضحية بالنفس والمال خطة لا مفر منها، فما أجدر الدول العربية أن تبادر منذ الآن باتخاذ الأهبة لها ... لذلك لم يكن مستغرباً أن يعقد مجلس جامعة الدول العربية اجتماعه الخطير فى لبنان، وأن يتخذ فى يوم الخميس  ٩ أكتوبر هذه القرارات الثلاثة الخطيرة :

أولا: أن قرارات مؤتمر بلودان السرية لا تزال قائمة، واجبة التنفيذ فى حالة تطبيق أى حل من شأنه أن يضر بحق فلسطين فى أن تكون دولة عربية مستقلة.

ثانيا: بالنسبة لما قررته الحكومة البريطانية من عزمها الانسحاب من فلسطين، ونظراً لوجود القوات الصهيونية ومنظماتها الإرهابية التى تهدد سلامة العرب فى فلسطين، يرى المجلس أن يوصى حكومات الدول العربية بأن تبادر باتخاذ احتياطات عسكرية على حدود فلسطين.

ثالثا: يوصى المجلس، تنفيذاً للقرارات السابقة، بأداء المعاونة الفعلية لعرب فلسطين، حكومات دول الجامعة بالمبادرة إلى أداء المساعدات المادية والمعنوية للعرب فى فلسطين وتقويتهم وتعضيدهم للدفاع عن أنفسهم وعن كيانهم، وأن ترصد فوراً دول الجامعة الأموال اللازمة لذلك.

هذه القرارات التى اتخذها مجلس الجامعة ليست سوى توصيات، ومن المهم أن تبادر حكومات الدول العربية إلى إعلان موافقتها التامة عليها، وأن تتخذ الخطوات اللازمة لتنفيذها.

وهنالك احتمالات عديدة لا بد للدول العربية أن تحسب لها حسابها. فمن الجائز ألا تكون بريطانيا جادة فى قرارها الانسحاب من فلسطين. ومن الجائز أن تخضع لرغبات أمريكا فتظل مرابطة فى فلسطين إلى أن تجىء تلك الجيوش "المتطوعة" التى اقترحها المندوب الأمريكى. وليس من العقل ولا من الحزم أن تنتظر البلاد العربية حتى تجىء هذه الجيوش الدولية. وهى فى الغالب ستكون أوفر عدة وأكثر عدداً من الجيش البريطانى الذى يرابط فى فلسطين اليوم. وليس من الضرورى، بل لعله من الخطأ، أن تعلن الدول العربية الحرب على دولة من الدول، أو على تلك الجيوش الدولية بفرض تكوينها ومن الممكن لشباب العرب أن يجاهد من أجل فلسطين دون إعلان حرب رسمية. فقد استطاعت كل من إيطاليا وألمانيا أن تحارب بقواتها فى أسبانيا دون أن تكون مشتركة فى أية حرب بصفة رسمية.

من أجل هذا كان القرار الثالث الذى أصدره مجلس الجامعة، ببذل "المساعدات المادية والمعنوية للعرب فى فلسطين وتقويتهم وتعضيدهم للدفاع عن أنفسهم وعن كيانهم" من أهم القرارات، وأجدرها بأن يحتل المكان الأول من عناية الدول العربية.

إن كلا من القوات الصهيونية والعربية له نواح من القوة والضعف، فللصهيونيين جيش منظم قوامه نحو ثمانين ألفا من الجنود المنظمة. وكثير منها قد مارس الحرب فى بعض الميادين. ولكن أكبر نقطة ضعف فى الصهيونية منشآتها ومستعمراتها المبعثرة فى جميع أنحاء فلسطين، فإن الدفاع عنها سيتطلب مجهوداً كبيراً يستنفذ الشطر الأعظم من القوات الصهيونية.

أما القوات العربية فينقصها التنظيم والتسليح والتدريب وواجب الدول العربية الأول أن تبادر فتسد

هذا النقص. وليست العبرة فى الحروب الحديثة بكثرة العدد ووفرة المحاربين، بل العبرة فى الأسلحة والعتاد والمقدرة على استخدامه. وفى الأقطار العربية المجاورة لفلسطين ميادين يستطيع الشباب الفلسطينى أن يتدرب فيها بعيدا عن رقابة الصهيونية ودولة الانتداب.

ولئن رضيت بريطانيا أن ترجىء انسحابها من فلسطين فان هذا لن يجديها نفعا، لأنه إذا اصطدمت القوات العربية والصهيونية، فان السلطات البريطانية ستقع فى ارتباك شديد. وقد أثبتت عجزها مرارا عن كبح جماح القوات الإرهابية. وسيزداد عجزها ظهورا إذا اشتبك الفريق العربى والصهيونى فى قتال مستمر. وقد يترتب على هذا الارتباك نتائج لا تجد الدول العربية معها مناصا من أن تتخذ إجراء تساهم به فى المحافظة على الأرواح العربية.

إن قرارات مجلس الجامعة على أكبر جانب من الخطر؛ وجدير بحكومات الجامعة أن تبادر فتتخذ عدتها لما تفرضه عليها هذه القرارات من خطط سريعة حازمة، حرصاً على كيانها، ودرءا لما ينطوى عليه الخطر الصهيونى من الويلات للعالم العربى بأسره.

اشترك في نشرتنا البريدية