كانت نتيجة الاقتراع في مجلس الأمن على ما اقترحته البرازيل لحل النزاع المصري البريطانى مفاجأة لم تكن متوقعة . فقد امتنعت كولومبيا عن التصويت في جانب المقترح، وبذلك لم يظفر بالأغلبية الضرورية لإقراره. أما التعديلات التى كانت قد اقترحتها بلجيكا وأستراليا، فقد رفضت قبل النظر في المقترح.
وقد قدمت كولومبيا مقترحا جديدا ليحل محل مقترح البرازيل، وهو موضع نظر المجلس. وإلى وقت كتابة هذه السطور لم يكن المجلس قد قطع فيه برأى. ويتفق مقترح كولومبيا مع مقترح البرازيل في أنه يدعو الطرفين للمفاوضة، ولكنه يختلف معه في أنه يوضح بعض أمور غامضة في مشروع البرازيل، ويفصل الأهداف التي يجب أن تتوخى المفاوضات الوصول إليها، ويشير بالرجوع للمجلس إذا تعذر الاتفاق، وكان من الطبيعي أن يكون موقف ممثلى مصر ضد الاقتراح الجديد، كموقفهم من الاقتراح البرازيلى؛ فهما متفقان في الجوهر، وهما متعارضان مع ما تراه مصر من عدم جدوى المفاوضات. والنتيجة المتوقعة للإقتراح لا تخرج عن أمرين: أن
يظفر الاقتراح بالأغلبية الضرورية ، فيصبح قراراً واجب التنفيذ، أو لا يظفر فتصبح المسألة معلقة لم يبت فيها. وفي كلتا الحالتين لابد للطرفين من إعادة النظر في موقفهما واتخاذ خطة جديدة في تحديد العلاقات بينهما.
فأما بريطانيا فلا بد أن تكون قد أدركت مبلغ ما جره عليها عنادها ، وجمود سياستها في القضية المصرية ، فقد تعرضت لحملات شديدة كشفت عن تنكرها لمبادىء الميثاق الذي اشتركت في وضعه وبشرت به ، وبعد أن كانت في كل مجلس تظهر بمظهر الناصر لمبادئ الحرية والعدل المقاوم لأعمال العدوان والعنف ، وتتولى قيادة الحملات على غيرها من الدول الكبرى التي تمس حقوق دول صغيرة ، أو تبسط عليها نفوذا مقدما ، اصبحت هي موضع الشكوى والاتهام ، وأصبحت عاجزة عن تبرير مسلكها إلا بالتنرس خلف نصوص معاهدة فرضتها على مصر ، قد استنفذت أغراضها وأصبحت غير صالحة للتنفيذ، لمخالفتها الصريحة لميثاق هيئة الأمم المتحدة ، وقد كان لبريطانيا مندوحة عن هذا الموقف البغيض الذي مس مكانتها الدولية لو أنها تحرت الإنصاف مع مصر ، ولم تصر على سياستها
الاستعمارية التي تأبى التخلي عن ميزة اغتصبتها إلا إذا أرغمت عليها إرغاما.
وقد كان مندوب بريطانيا فى غنى عن تبرير السياسة الاستعمارية والتمسك بشرعية معاهدة ظالمة ، لو أن الحكومة البريطانية كانت حقيقة جادة في تحقيق المثل العليا التي يهدف لها ميثاق هيئة الأمم المتحدة ؛ فقد كان بحسبه أن يقول إن نظرة بريطانيا قد تغيرت وإن عقليتها قد تطورت وإنها لم تعد تبغي نفوذا أو سلطانا ، بل تنشد السلام بين الدول ، وإنها لهذا لن تتمسك بمعاهدة سنة ١٩٣٦ ، لأنها معاهدة فيها كثير من الغين والحيف بالطرف الآخر ، وأنها لا تأبى إعادة النظر في الأمر كله بما يحقق العدل والانصاف ، وأنها تود أن تعطى فرصة أخرى للمفاوضة تبرهن فيها لمصر على حسن نيتها وعلى تشربها روح العصر الجديد ، روح هيئة الأمم المتحدة وميثاقها . لو أن مندوب بريطانيا سلك هذا المسلك لقطع على مصر الطريق ، ولما كان باستطاعتها أن ترفض الرجوع للمفاوضة ، وأن تجد كثيرا من أعضاء المجلس يؤيدونها في الرفض ، لأن الرجوع للمفاوضات إضاعة وقت فيما لاطائل تحته ، ولكن الكبرياء الدولية والروح الاستعمارية الكامنة أبت إلا الإصرار على الموقف وتبرير الخطأ ، وهو موقف أضعف مركز بريطانيا وأبان للناس أن تأييد من يؤيدها إنما هو من باب المجاملة وستر الموقف لدولة كبيرة تعد ركنا هاما من أركان النظام الدولى الحاضر .
ولا ندرى كيف يكون مسلكها بعد ذلك . ولكن نظن أنها تحسن كثيرا لو انها بادرت منذ الساعة بإعلان جلاء جنودها عن مصر في موعد قريب ونفذت ذلك سريعا .
بهذا تصلح كثيراً من سمعتها الدولية التي تعرضت الكثير من الأذى في مناقشات مجلس الأمن ، وبهذا تقيم
الدليل على حسن نيتها ، وبهذا وبه وحده تمهد السبيل لمفاوضات جديدة بينها وبين مصر ، وهي مسألة جديرة بأن تجعلها موضع اعتبارها ، إذا أرادت بحق أن تقوم علاقات الدولتين على أسس سليمة .
لقد أعلنت الأمة بجميع هيئاتها وأحزابها أنه لا يجوز لأى فرد أن يفاوض انجلترا باسم مصر بعد أن ثبت للجميع ان المفاوضات قد اصبحت عقيمة لا تؤدى إلى نتيجة بسبب عناد بريطانيا وعدم تزحزحها عن موقفها ، ولا سيما فى أمر السودان . وعاد الجميع إلى رأى الحزب الوطنى بأنه لا مفاوضة إلا بعد الجلاء ، وقد ثبت للجميع أن بقاء القوات المحتلة وسيلة للتهديد والمساومة ، فلا يمكن إجراء مفاوضة يرضى عنها الشعب المصرى إلا إذا سبقتها خطوة أساسية تبين حسن نية بريطانية وهي خروج قواتها من مصر . إنها إن قامت بهذه الخطوة ذللت كثيرا من الصعاب التي تعترض اتفاق الطرفين .
أما موقف مصر فمما لا شك فيه أن مجلس الأمن ومناقشاته قد أتاحت لنا فرصة ذهبية لعرض قضيتنا وبسط حججنا في الدفاع عنها ، ومكنتنا من إسماع العالم صوتنا وإطلاعه على الحقائق التي كان الاستعمار الأجنبي يطمسها ويشوهها ؛ وبالإجمال كانت مناقشات مجلس الأمن دعاية قوية لمصر وقضيتها ، لو بذلت الملايين لإحداث ما أحدثته من اثر لــكان قليلا . وقد برهن وفد مصر فى المجلس على كفايته ويقظته وثبات جنانه واستمساكه بالحق مما رفع قدر مصر وأعلى مكانتها الدولية.
ولقد ظفرنا بعطف صريح على قضيتنا من جانب كل مندوبي الدول وإن كانت الاعتبارات السياسية لم تجعل لهذا العطف نتيجته الطبيعية ، وهي التأييد الكامل لمطالبنا ؛ هذا المكسب خليق ان يقدر تقديراً طيبا،
وألا يكون في بعد القرار هما كنا نأمله مثبط لهممنا أو مخيب لآمالنا .
فإذا جاء القرار داعيا للمفاوضة فيجب أن ننتظر الخطوة التي أشرنا إليها من جانب انجلترا ، وإلا كان إقدامنا عليها عبثا أو على أقل تقدير مغامرة
وعلى كل حال لا يصح أن يفلت زمام الأمور من أيدى القادة ، وتتحرك الخلافات الحزبية بصورة تلهينا عن الموقف، كما لا يجوز أن يلجأ الشعب للتعبير عن سخطه بتلك المظاهرات الصاخبة التي لا فائدة منها ، وقد يكون من نتائجها خسارة في الأرواح والأملاك . إن التظاهر الآن لن يمس الإنجليز لأنهم بعدوا عن القاهرة والإسكندرية ، وإنما يعطل مصالح الشعب ويمس أفراده وممتلكاتهم ؛ والموقف بحاجة إلى ما هو اكثر من التظاهر ، إذا كنا لا نريد المفاوضات ولم يتقدم خصمنا بما يمهد لها. الموقف بحاجة إلى خطة عملية تشعر بريطانيا بأننا نستطيع أن نضرها إذا أردنا، ونقنعها بشراء صداقتنا بكل ثمن؛ وهذه الخطة لا ترتجل ، وإنما يضعها مفكرون يزنون الأمور بميزان العقل ، ويقدرون لكل خطوة نتائجها .
إننا بانتظار ما تتمخض عنه الأيام المقبلة ، وليس اشهي إلي نفوسنا من أن ترجع بريطانيا إلى الحق ، وتعدل عن سياستها الاستعمارية . عند ذلك لن تجد منا إلا الصداقة الأ كيدة والمودة الخالصة والتعاون في السراء والضراء . والله ولي التوفيق. (...)
