نشرت "المصور " منذ أيام كلمة لذلك " الراجل " الذي يحرر باب "النسائيات" قال فيها تحت عنوان " غريزة خبيثة " ما يأتي :
" من غرائز المرأة الخبيثة أنك إذا لاحظت عليها " " شيئا - أو شخصا - قادتها غريزتها إلي التعلق بهذا " " الشئ أو بهذا الشخص . وقد تكون في البداية بريئة " " منهما معا . وتسألني عن المنطق فأقول لك : أين كان" " لغريزة المرأة منطق ؟ . . في هذه الدنيا أشياء ونتائج " " لا تظفر لها بسبب أو مبرر أو منطق . ومن هذه " " الأشياء هذا الشئ " .
والواقع أن هذا " الراجل " أستاذ عظيم . وذلك على الرغم من أنه لم يستطع رد هذه الظاهرة إلى أسبابها النفسية . وكفي بأستاذيته عظمة أنه لمح هذه الحقيقة في الأوساط التي يغشاها ، في حين لم يستلفت نظر غيره ممن يغشونها معه إلا أشياء أخري . أو علي الاقل في حين لم يستلفت نظرهم شئ بالمرة .
أما هذه الظاهرة في ذاتها : وهي ظاهرة جموح المرأة في يد من يحاول قيادتها إلي طريق الهداية ، فلها تعليلها في ميدان البحوث النفسية ... ...
وذلك أن بعض الناس يشبون وفيهم من خصال الطفولة شئ كثير . وهذا الأمر في النساء أغلب منه في الرجال . وتلك الخصلة التي حدث عنها صاحبنا باسم " غريزة خبيثة " هي من خصال الطفولة العادية ، وليست من الغرائز الخبيثة في شيء . فإن من خصال الطفولة أن يقوم الطفل بتجاربة في هذه الحياة ، لا يريد أن يتدخل معه
فيها متدخل ، ويسوءه كل الإساءة أن يري من يقحم نفسه عليه وهو يقوم بهذه التجارب ، وهذا الكلام يقتضينا أن تستطرد استطرادا بسيطا نستأذن القارئ . فيه . .
فإن أول ما يسترعي انتباه الطفل مثلا في حركاته التشنجية الأولى عقب مولده ، هو أنه يستطيع أن يحرك يده ، وأنه قادر على أن يوجهها ذات اليمين وذات الشمال . ولما كانت متعة الطفل في هذا الدور من أدوار حياته لا تحصل إلا عن طريق فمه ، فإنك تراه يركز كل جهوده في توجيه قبضته نحو فمه ، ثم ما يزال يحوم بها حوله حتى يهتدي إلي فتحته فيدفع بها فيه . ومن الأطفال من يريد ذلك أحيانا فلا يوفق ؛ فتدرك أمه مرماه وتشفق عليه من إخفاقه المتكرر فتساعده في توجيه قبضته إلي فمه . فيأخذ في البكاء والعويل للإعراب عن استيائه من هذا التدخل غير المشروع . ولكن أمه تفسر بكاءه بأنه جائع فتلقمه ثديها ، فينسى الطفل في متعة التقامه ما كان يسعى إلي تحقيقه من وضع قبضته في فمه . ومثل هذا التصرف من جانب الأم خطأ مزدوج . لأنه يقتل في نفس طفلها روح السعادة الحقة سعادة " التحصيل " - ويعينه على تلك السعادة الزائفة الأخرى - وهي سعادة " الحصول " - وتكون نتيجة هذا التصرف الخاطئ أن الطفل يشب بل يلتمس الأشياء فلا يأخذها إلا " سؤالا " - ولا يعرف قط كيف يأخذها " غلابا " .
فانظر أي أثر خطير تخلفه في نفس الإنسان وفي أخلاقه مثل تلك الحركة الهينة اليسيرة ! وتأمل مقدار مسئولية الوالدين في عدم فهمهم لهذه الحقائق وأمثالها قبل أن يلقوا بنسلهم في خضم هذه الحياة !
ونعود إلي الطفل فنستعرض بعض تجاربة الأولى لما
فى هذا الدور من حياته من أثر بالغ فى مستقبل عمره . فإن الرأى المعول عليه الآن هو أن الطفل يبدأ فى تكوين أخلاقه منذ العشر دقائق الأولى من حياته .ولذلك وجب على من يريد أن يشرف إشرافا حقيقيا على تكوين ولده ألا تأخذه هوادة فى مراقبة كل حركة من حركاته , وفى الوقوف منها ذلك الموقف السليم الصحيح الذى تمليه المبادئ النفسية الحديثة , فإن الطفل إذا ما سلخ شهرين أو ثلاثة من عمره ,وفرغ من تجربته الأولى , زهد فيها , ولم يعد يرى فى وضع قبضته فى فمه ذلك المتاع القديم الذى كان يبكيه أن يشركه أحد في تحقيقه . وانتقل من تلك المرحلة الي مرحلة أخري هي أنه يمسك ألاشياء ويلقيها علي ألارض ليسمع صوتها وهي تصطدم بها ؛ وهو يري في هذا الصوت ألذي استحدثه مظهراَ من مظاهر سلطانه علي الأشياء التي تحيط بها .
ومن الأمهات أيضا من تتصدى لطفلها في مثل هذه الحركات فتمتعه من هذا الضجيج الذي قد يزعج سمعها " بعض " الإزعاج ولكنه يدخل على نفس طفلها " كل " السرور ، وتكون النتيجة أن يحرم الطفل من هذا الإحساس الجميل : إحساس السلطة والقوة فيكبت في أعماق نفسه هذه الرغبة الملحة في استحداث تلك الأصوات ، وينقلب في مستقبل أيامه إلي صخاب عظيم ذي ضحيح وعجيج . ولن تجد تعليلا لمن يصادفك اليوم من كبار الصخابين الذين يتخذون من صخبهم وسيلة للإعراب عن قوتهم واقتدارهم ، إلا أن هؤلاء المساكين حرموا في طفولتهم التعسة سعة الصدر التي كان يقتضيها المقام إذ ذاك حتى يستنفذوا حاجتهم من التجربة التي كانت تشغل بالهم في ذلك الحين .
وإن المدرسين خاصة من بين قراء هذه الكلمة ليجدون فيها ما يذكرهم ببعض تلاميذهم الذين عرفوا فيهم
ولعاً خاصاً بإلقاء كتبهم علي الأرض أثناء الدرس ، أو إسقاط أدواتهم عن غير عمد ، وهم لا يشعرون . كل ذلك في الواقع تلبية لذلك النداء الخفي الذي ينبعث من أعماق نفوسهم المكظومة ؛ والتماساً للتنفيس عن تلك الرغبة القديمة المحبوسة من أثر ذلك التصرف الخاطئ الذي يجني به الآباء في جهلهم على نزعات أطفالهم البريئة .
ونعود فنقترب من موضوعنا الأصلي فنقول : إن المدرس الذي يأخذ أمثال هؤلاء التلاميذ بالعقاب ، إنما يضاعف من قوة هذه الميول في نفوسهم ، فان القاعدة النفسية المستقرة هي أن العادة السيئة لا تكون محاربتها في نفوس الناس باستعمال العنف معهم لكي يبتعدوا عنها ، فإن العنف في أمثال هذه المواقف لا يأتي بخير . والناس يعتقدون خطأ أن أطفالهم يكونون العادات السيئة إذا هم تركوا يمارسونها . ولكن الحقيقة هي أنهم يكونونها إذا نحن منعناهم من ممارستها .
هذه حقيقة يغفل عنها كثيرون . . وهذه الحقيقة ليست صحيحة بالقياس إلي الأطفال في دور طفولهم فحسب . ولكنها صحيحة أيضاً بالقياس إلي من يستبقى في خلقه بعض خواص الطفولة ، حتى بعد أن يجتاز أدوارها الأولى بمراحل كثيرة . ولقد بينا في صدر هذه الكلمة أن هذا الأمر كثير الحدوث مع النساء . ولهذا الظاهرة سرها الذي قد نعود لبحثه في فرصة أخري .
والخلاصة : أن الشائبة التي قد تشوب الخلق لا يجوز التفكير في إصلاحها " بالهجوم الأمامي " وبإبداء " الملاحظات " فإن هذا أدني أن يزيدها رسوخا في نفس صاحبها ، ويزيده بها تعلقاً ، وليس سبيل الدعوة إلي مقاومتها إلا باستعمال الحكمة والموعظة الحسنة ، وتقديم القدوة الصالحة ، وعدم مواجهة الناقص بنقصه . ولكن
بلفت نظره بطريقة ضمنية - خالية من التعريض - إلي كمال غيره ممن لا يعانون هذا النقص .
ويهمني أن أنوه بصفة خاصة إلي أنه ليس أضيع في هذا المقام من " النصيحة " والوقوف من المخطئ موقف المرشد والمهذب ؛ فإن النصيحة لن تزيد أمثال هذه المواقف إلا تعقيداً ، وتحضرني بهذه المناسبة أبيات من الشعر أثبتها هنا على سبيل التفكه ، فإن ظاهرها يدل على أنه إنما قصد بها الدعاية ، وإن كانت عباراتها تنطوي على شيء كثير من الحق : قال قائلها غفر الله - لنا - وله :
إن " النصيحة " تغلو عند بائعها
وليس أرخص منها عند شاريها
فهي التراب إذا ما جئت تأخذها وهي النضار إذا ما رحت تعطيها
سوق الجهالة تأبي أن تروج بها
بضاعة العقل - خذ عني خوافيها
إني نصحتك : لا تنصح فتي أبداً
خل النصيحة للمخدوع يزجيها
ونحن بعد هذا الاستطراد الطويل - إذا أردنا أن نعود إلي ذلك " الراجل " الذي استأذناه حتى نفرغ من هذا الكلام - قلنا إن المرأة تمتاز - بحكم جنسها - بشيء من الغرور ؛ وهذا الغرور يصور لها أنها محل كل كمال ، وفوق مستوى كل نقص ، فكيف يسمح لنفسه إنسان بأن يأخد عليها شيئاً ، أو يلفت نظرها إلى شئ ؟ إن من يفعل ذلك لن يكون جزاؤه عندها إلا التحدى ، وإلا أن يشهد من تصرفاتها " الحرة " ما يلقمه الأحجار الكبار . .
هذا - أيها " الراجل " العزيز - جواب ماتساءلت عنه ، وهذا تأويل ما لم تستطع عليه صبراً !

