قرية بين بغداد وعكبرا، تنسب إليها الخمور وتكثر فيها المعاصر والحانات لكثرة ما فيها من الكروم. لذلك أمها المجان، وطلب أهل الفتك، وتطرح فيها الخلعاء، حتى فتنوا بغلمانها، وشغفوا بظبائها، فكثر ذكرها في شعرهم، ودار اسمها في قصصهم.
كانت في أنزه موضع وأجمل موقع، تركب كاهل دجلة، وتحاذي الصراة الذي يفصل بينها وبين بادوريا، هي في غربة وبادوريا في شرقه.
جمالها الضاحك الطروب جذب قلوب الشعراء فمالوا إليها، واحتفظت بالمجان حتى عكفوا يرتضعون در الكأس، وينزفون النفس في صبوح ضاحك، وغبوق دافق بالمتع واللذاذة، فطوراً هم بدجلة يصطبحون، وطوراً بالصراة يغتبقون.
ولقطربل أخبار، وفيها أشعار-كما يقول ياقوت - فى وسعه أن يجمع كتاباً في أجلاد يسجل أخبار الخلعاء والمجان والشعراء والبطالين والمتفجرين في هذه المدينة (١) .
تشوق إليها إبراهيم المدبر، وطرب لذكراها قائلاً:
طريت إلى قطربل وبلشكر وراجعت عما لست عنه بمقصر (٢)
وحن لها البحتري فاهتز لمنظرها وقد بدت له مع الشروق، فقال في مدح ابن المدبر:
وقد ساءني أن لم يهج من صبابتي سنا البرق في جنح من الليل أخفر
وأني بهجر للمدام وقد بدا لي الصبح من قطربل وبلشكر (١)
ووصفها الببغاء الشاعر، ذاكراً مواطن الغزل والصبابة، ومنازل اللهو والبطالة، ومعاهد الأنس واللذة، فقال يذكرها ويذكر كلواذي، هي شمال بغداد، وكلواذى في جنوبها:
كم للصبابة والصبي من منزل
ما بين كا واذي الى قطريل
راضعت فيه الكأس أهيف ينثنى
نحوى بجيد رشاً وعيني منزل (۲)
ذكرها جحظة البرمكي، وما فيها من الخمور التي تعطر في كل حين بقوله:
قد أسرفت في العدل مشغولة
بمذل مشغول عن المذل
تقول هل أقصرت عن باطل
أعرفه عن دينك الأول
فقلت : ما احسبني مقصراً
ما أعصرت خمر بقطريل
قالت : فأين الملتقى بعد ذا
فقلت : بين الدن والمنزل (۳)
أما الحسن بن هانئ فقد أكثر من ذكرها، وأطال من حديثها، لأنها كانت مسارب لهوه، ومواطن خلاعته. فوصف حاناتها ورياضها، وخمرها وسقاتها، وذكر صحابته فيها. بل إنه أراد أن يدفن فيها.
خليلي بالله لا تحفرا
لى القبر إلا بتطريل
خلال المعاصر بين الكرو
م ولا تدنياني من السنبل
العلى أسمع في حفرتي
إذا عصرت ضجة الأرجل (٤)
كان الكرخ مصيفه ، وقطر بل مربعه ، ترضعه درها ،
وتلحقه بظلها .
قطربل مربعي، ولي بقرى الكر خ صيف، وأمى العنب
ترضعني درها وتلحفني بظلها، والهجير يلتهب (٥)
وهو في القصيدة الآنية يبدع في وصفها، فيذكر حانته بين الجنان الحدائق، في تلك الرياض المحفوفة بالشقائق، وندمانه الغر السكماة الذين ذل لهم الدهر، وساقيه الغرير المتوج بالريحان:
ومجلس خمار إلى جنب حانة بقطربل بين الجنان الحدائق
تجاه ميادين على جنباتها رياض غدت محفوفة بالشقائق
أقمنا بها مع فتية خضعت لهم رقاب صناديد الكماة البطارق
بمشمولة كالشمس يغشاك نورها إذا ما تبدت في نواحي المشارق
يدور بها ظبي غرير متوج بتاج من الريحان ملك القراطق
إذا ما جرى فيه تغنى وقال لي بسكر: الآهات اسقنا بالدوارق (١)
وقد كان أبو نواس معجباً بخمارها (ابن أذين)(٢) لأن هذا الخمار كان ظريفاً لبقاً مساعداً، عنده شراب عتيق ،وغلمان صباح (٣) . وقد ذكره في شعره قائلاً:
اسقنى و ابن أذين
من سلاف الزرجون (٤)
اسقنى حتى ترى بي
جنة غير جنون
عتقت في الدن حتى
هى في رقة دينى
ولنا ساق عليه
حسلة من ياسمين (٥)
ويجمل الشرب في قطربل على الورد في نيسان، لأن شرابها عتيق، وليشرب الأغمار من العسل:
شرب على الورد في نيسان مصطبحاً
من خمر قطريل حمراء كالكاذي
واخلع عذارك لا تأتى بصالحة
ما دمت مستوطناً أطراف بغداد
نعم شبابك بالخمر العتيق ولا
تشرب كما يشرب الأغمار في ماذى (٦)
وما كان يطيب المقام لأبي نواس في موضع من مواضع القصف والفتك على كثرتها إلا بقطربل فإنها كانت منقلبه ومرجعه.
ذكر ياقوت في الكلام على القفص (١) بعد ما عرف بهذا الموضع، وذكر ما قيل فيه من الأخبار والأشعار قصيدة لأبي نواس هي :
رددتني في الصبي على عقبي
وسمت أهلى الرجوع في أدبى
لولا هواؤك ما أغتربت ولا
حطت ركاني بأرض مغترب
ولا تركت المدام بين قرى السكر
خ فبورى فالجوسق الحرب
ويا طرنجي فالقفص ثم إلى
قريل مرجعي ومنقلبي
ولا تخطيت في الصلاة إلى
تبت يدا شيخنا أبي لهب (۲)
-
لولا هواؤك ما اغتربت ولا ولا تركت المدام بين قرى السكر وباطر نجى فالقفص ثم إلى
وذكر ياقوت هذا الموضع في الكلام على (بنا) وأورد قصيدة لأبي نواس فيها وصف جميل لخمر قطربل يجمل أن نضعها بين يدي القراء هي (٣) :
قيا لبنا (٤) ولا سقيا لعانات
سقياً القطريل ذات اللذاذات
وإن فيها بنات الكرم ما تركت
منها الليالي سوى تلك الحشاشات
كأنها دمعة في عين غانية
مرهاء رقرقها ذكر المصيبات
تنزو إذا مسها قرع المزاج كما
تنزو الجنادب أوقات الظهيرات
و تكتسى اولؤات من تعطفها
عند المزاج شبيهات بواوات
مر ذكر هذه القرية في مواطن كثيرة من شعر أبي نواس غير ما ذكرنا. ويجمل بنا أن نثبت أخيراً هذه القصة التي ذكرها الصولي عن بعض بني نوبخت ورواها ياقوت في معجمه (٥) قال: لما انصرف أبو نواس من مصر في طريقه إلى العراق، اجتاز بمدينة حمص، فرأى كثرة خماريها وشهرة شرابها. فأقام بها مدة يغتبق ويصطبح، وكان بها خمار يهودي اسمه (لاوى) فقال لأبي نواس: كيف رأيت مدينتنا هذه؟ فأجابه: حدثنا بعض
رواتنا أن هذه هي الأرض المقدسة لبني إسرائيل. فقال له الخمار: أيما أفضل هذه أم قطربل؟ فقال: لولا صفاء شراب قطربل، وركوبها كاهل دجلة، ما كانت إلا بمنزلة حانة من حاناتها.
ثم مر أبو نواس بمدينة عانة فسمع اصطخاب الماء في وجداولها فقال: أذكر في هذا قول الأخطل:
من خمر عانة ينصاع لبفؤاد لها بجدول صخب الآذى موار
فأقام فيها ثلاثاً يشرب. ثم قال لولا قربها من قطربل ومجاذبة الدواعي إليها لأقمت بها أكثر من ذلك. فلما دخل الأنبار تسرع إلى بغداد وقال: ما قضيت حق قطربل، فعدل إليها وأقام ثلاثاً أتلف فضلة كانت معه من نفقته، وباع رداءً معلماً من أردية مصر. ولما أراد الانصراف عنها اجتمع الخمارون للسلام عليه. قال الصولي: فما شبهتهم وإياه إلا بخاصة الرشيد عند تسليمهم عليه يوم حفل له. وقد قال في ذلك قصيدة ظريفة هي (١) :
طربت إلى قطربل فأتيتها بمال من البيض الصحاح وعين
ثمانين ديناراً جياداً أعدها فأتلفتها حتى شربت بدين
رهنت قميصاً سابرياً وجبة وبعت رداء معلم الطرفين
لخمارة دين ابن عمران دينها مهذبة تكنى بأم حصين
وقلت لها إن لم تجودي بنائل فلا بد من تقبيلي الشفتين
فقالت: وهل ترضى بغيرهما هوى با بلج كالدينار فاتر عين
وقد كنت في قطربل إذ أتيتها أرى أنني من أيسر الثقلين
فروحت عنها ميسراً غير موسر أقرطس في الإفلاس من مائتين
وقال لي الخمار عند وداعه وقد ألبستني الخمر خف حنين
ألا عش بزين أين سرت مودعاً وقد رحت منه حين رحت بشين
بغداد

