شغلت بلاد قفقاسيا اذهان العالم وأعمدة الصحف في هذه الأيام بسبب ما يدور فيها من معارك طاحنة بين الروس والألمان . وقد شغلت بلاد قاف أذهان الناس ، فقال عنها صاحب قاموس المحيط إنها " جبل محيط بالأرض أو من زمرد ، وما من بلد إلا وفيه عرق منه ، وعليه ملك إذا أراد الله أن يهلك قوما أمره فحرك ( يريد الجبل بالطبع) فخسف بهم ،
ولكنا الآن نعرف أن جبال قاف أو جبال القوقاس لا تحيط بالأرض ولا بجزء كبير منها ، بل هي من أقل جبال العالم امتدادا وليست من أعظمها ارتفاعا . وليست هي من الزمرد ولا من غيره من الأحجار الكريمة ، وإن كان فيها من الثروة ما هو أعظم من الزمرد وانفع منه في الحياة .
وتقع هذه الجبال بين البحر الأسود غربا وبحر الحزر
(بحر قزوين) , وامتدادها على العموم من الشمال الغربي الى الجنوب الشرقي , وتفصل من الوجهة الجغرافية قارتي اوربة واسيه , وان كانت البلاد التي على جانبها تؤلف من الوجهة السياسية دولة واحدة , وتنحدر من جهة الشمال إلى سهول روسيا الفسيحة , وتتصل من الجنوب بهضاب ارمينية والاناضول وشمال العراق وإيران .
وتختلف جبال أورال الواقعة في شرق روسيا الأوربية عن جبال القوقاس ، وإن كانت كلتاهما تفصل أوربة عن آسيه ، فالأولي جبال وطيئة مستديرة في أعلاها ، زالت قممها وبرمتها عوامل التعرية قصيرتها أقرب إلي التلال منها إلى الجبال ، وليس من الصعب علي الإنسان ان يجتازها من شرقيها إلي غريبها ، فهي جبال سهلة المنحدر ، ولهذا لم تكن حدا فاصلا واضحا بين القارتين . أما الثانية فجبال
وعرة ليس فيها من الممرات السهلة إلا ممر واحد يخترقها من الشمال إلىي الجنوب ، وهو ممر دارزيل الضيق الذي تشرف عليه مدينة تقليس .
واشتهرت جبال أورال من قديم الزمان بما فيها من المعادن الثمينة وأهمها الذهب والبلاتين ، ولكن جبال القفقاس قد اشتهرت بمعادنها النافعة وبخاصة البترول والحديد .
وليست هذه الجبال كتلة واحدة متماسكة ، بل تتكون من عدة سلاسل متوازية مجمعة بينها وديان طويلة تجري فيها في فصل الشتاء أنهار جليدية منحدرة من اجزائها العالية ، وتكسو سفوحها المطلة على الجنوب غابات عالية وتنمو في وديانها فواكه البحر الأبيض المتوسط وحبوبه ، ويزرع بهذه الوديان القطن والدخان والذرة . والأرض الواقعة إلي شمالها مستوية تتصل بسهول روسيا الفسيحة ، والأجزاء المحيطة ببحر الخزر والممتدة إلي الشمال حتى مدينة استرخان على مصب نهر الفولجا كثيرة المستقنعات الملحة والاراضي الفاحلة الجرداء وشمالي القوقاس كثير العواصف شديد البرد ، قليل الزرع ، وتحصد حاصلاته متأخرة ، وفيه
مراع واسعة عظيمة . أما جنوبية فخصب كثير الزرع والحدائق ، وبه عدا ذلك مراع واسعة وخيرات موفورة
وأهم موارد الثروة في بلاد القوقاس ، منابع الزيت العظيمة التي تعد من اغني منابع الزيت في العالم كله . ويري الناظر إلي خريطة أوربة أن بلاد القوقاس والمناطق الواقعة إلي جنوبها في إيران والعراق كلها غنية بهذا الزيت ، فهي منطقة زيتية واسعة متصلة الأجزاء ، وزيتها جيد النوع ، وتستخرج منه كميات هائلة تكرر في البلاد . وينقل معظمها في خطين عظيمين من الأنابيب ، يمتد أحدهما من باكو وإلياني علي بحر الخزر إلي باطوم على البحر الأسود ، ويمتد الثاني من باطوم إلي نخش قلعة علي هذا البحر نفسه ، ثم يتجه شمالا بغرب حتي يصل إلي رستوف على بحر أزوف ( أزاف ) ثم إلي شمالها الغربي . ويمر هذا الخط الثاني بعدة بلاد هامة تكرر ذكرها في الحرب التي تدور رحاها الآن في هذه البلاد ، وهي جرزفي وجورجفسك وأرمغير وهذا الخط هو الذي تنحدر على طوله الجيوش الالمانية في بلاد القوفاس ويخرج منه عند أرمقير خط أنابيب فرعي يمتد غربا نحو البحر الأسود ويصل إلي كرسنودار ، ويسير بمحاذاة أنابيب البترول خطان جديدان رئيسيان تخرج منهما عدة خطوط فرعية إلي الشمال وإلي الجنوب .
ويسكن بلاد القوقاس حوالي اثني عشر مليونا من الأنفس ، تتكون كثرتهم الغالبة من الروس الصقالية والنقر والكرج والأرمن والداغستانيين والاتراك والأ كراد ، ويكون المسلمون نحو ثلث سكان البلاد ، ومعظم الباقين من النصاري واليهود ، ومن اشهر القبائل القوقاسية قبيلة أباظه .
ووصل العرب إلي جنوبي جبال القوقاس في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه . فقد استولي جيش إسلامي بقيادة سراقة بن عمرو علي اذربيجان ، وانفصلت منه قوة بقيادة بكر بن عبد الله وعبد الرحمن بن ربيعة ، وقصدت جنوب القفقاس للفتح ، واستمر زحف المسلمين حتى استولوا
على بلاد الأرمن والكرج ، وفتحوا تفليس وأسسوا فيها حكومة عربية ودعوا الناس إلى الإسلام ، ودامت حكومة العرب إلي عام ١١٠٠ ميلادية تقريبا ، أي إلي أوائل الحروب الصليبية ، وفي هذه الفترة سري الإسلام إلي الجهات الشمالية من القوقاس ، اي إلي جنوب بلاد روسيا .
وتنقسم بلاد القوقاس من الوجهة السياسية إلي قسمين فأما قسمها الشمالي فهو جزء من جمهورية روسيا السفيتية الاشتراكية المتحدة R.S.F.S.R ( روسيا الحقيقية ) ، أما الجزء الجنوبي فمكون من ثلاث جمهوريات هي : ارمينية والكرج واذربيجان ، ويتألف منها " اتحاد جمهوريات مارواء القوقاس الاشتراكية السفيتية " وهو جزء من الاتحاد السفيتي العام ،
فأما جمهورية ارمينية فتقع في الوسط بين أذريبجان في الشرق وجمهورية الكرج في الغرب . وكانت هذه البلاد في عهدها القديم جزءا من الدولة العثمانية ، ولا يزال قسم من بلاد الأرمن تحت حكم الاتراك في هذه الأيام ، ضم إليها بمعاهدة عقدت بين الروسيا وارمينية من جهة وتركيا من جهة اخري . وقد قبلت الروسيا وارمينية في هذه المعاهدة ان يبقي إقليم قبرص وما جلوره في حوزة الدولة التركية .
وأرمينية بلاد زراعية تبلغ مساحة أراضيها المنزرعة نحو مليون من الأفدنة ، يزرع أقل من نصفها بقليل قطنا . والأرمن ما هرون في الصناعات البدوية الدقيقة وعاصمة الجمهورية أريثان ويسكنها نحو خمسة وسبعين ألفا
وانضمت جمهورية اذريبجان المستقلة إلي الاتحاد السفيتي في عام ١٩٢١ ومعظم أهل البلاد من الترك والتتار ، ويشتغل كثيرون منهم بالزراعة والرعي ، غير أن أهم الأعمال هي استخراج البترول وما يتصل به من الصناعات ، وتدار الآلات التي تستخرج هذا الزيت
وتكرره بالكهرباء ، وتتصل مراكز استخراجه وتكريره بمدينة باكو عاصمة البلاد الواقعة على بحر الخزر ومن هذه المدينة تمتد الأنابيب إلي الغرب وإلي الشمال الغربي كما سبق القول ، وينقل بعض هذا الزيت في السفن البحرية والنهرية في بحر الحزز ونهر الفلجا ، كما ينقل بعضه بالسكك الحديدية في فناطيس ضخمة إلي البحر الأسود وإلي داخل البلاد الروسية . وليست مدينة باكو بالمدينة التى تطيب فيها السكني ، فرائحة البترول تملأ هواءها وتسري في اجسام أهلها ، ومناظر معامل التكرير والمضخات الكبرى ليست من المناظر الجميلة التي ترتاح إليها الأعين
وتقع ثالثة جمهوريات ما وراء القوقاس وهي جمهورية الكرج أو كرجستان أو جورجيا كما يسميها الفرنجة ، إلي غربي أرمينية . وتمتد غربا إلي البحر الأسود ، واسمها مشتق من نهر الكرج الذي يخترق البلاد ، وهي أكبر الجمهوريات الثلاث وأكثرها سكانا
وليس زيت البترول كل ما تنتجه البلاد من الغلات المعدنية ، بل إن فيها من معدن المنجنيز ما يقدر بنحو مائة وخمسين ألف طن ، وفيها من الفحم ما يبلغ ٣٠٠ ر ١ مليون من الأطنان . وتستغل مساقط المياه فيها لتوليد القوة الكهربائية
وعاصمة البلاد مدينة تقلبس ، وهي ايضا مركز حكومة اتحاد جمهوريات ما وراء القوقاس الثلاث . وتقع هذه المدينة الكبيرة على الخط الحديدي الممتد من باكو إلي يوني ، وعلى خط أنابيب البترول بين باكو وباطوم ، وهي تقوم على ربوة عالية وعمرة ، ينشق في اسفلها اخدود عميق في الجبال ، وتشرف علي اسهل طريق يخترق جبال القوقاس من الشمال إلي الجنوب وهو ممر داريل الشهير
تلك كلمة موجزة عن طبيعة بلاد القوقاس التي تدور فيها أشد المعارك هولا في هذه الأيام

