الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 405 الرجوع إلى "الثقافة"

قلق اجتماعى واقتصادى

Share

أخذت آثار القلق الاجتماعي والاقتصادي التي تخلفت من ظروف الحرب تبدو واضحة في الحياة المصرية ؛ وهي تتخذ مظاهر كثيرة ، فازدياد التفاوت في المستوي الاجتماعي بين الطبقات ، وتبرم بعض الطوائف التي تعتقد انها مقبوله مهضومه الحق ، وتفشى العطلة بين العمال والشباب  المثقف على السواء ، وظهور الدعوة إلي المبادىء الاجتماعية  المتطرفة في بعض البيئات والكتابات ، وازدياد نسبة الجرائم : هذه وغيرها من امارات القلق الاجتماعي والاقتصادي أخذت تغزو الآن مجتمعنا المصري بصورة  لا تدع مجالا إلي الشك في اننا مقبلون على فترة صعبة قد تفوق في ازماتها ومتاعبها ما لقيناه خلال الحرب ذاتها من صنوف المتاعب والأزمات .

وقد يقال إن مصر شأنها في ذلك شأن سائر البلاد الأخرى التي تعاني من آثار الحرب العالمية الثانية أشد مما

تعانية مصر بكثير ، وتغمرها ضروب من الفوضى الاجتماعية والاقتصادية التي جنبت مصر ويلاتها ؛ ولكن الواقع ان لمصر شأنها الخاص وظروفها الخاصة ، فهي لم تشترك في الحرب بصورة فعلية مباشرة ، ولم يصبها من التخريب ما اصاب البلاد الأخرى ، وكان حريا بها ، وقد كانت خلال الحرب وما زالت اعظم البلاد المنتجة للمواد الغذائية في الشرق الأوسط ، أن تجوز بعد الحرب فترة رخاء واستقرار اقتصادي واجتماعي طويل الأمد .

ولكن مصر فرضت عليها خلال الحرب من هذه الناحية تضحيات هائلة لمصلحة حليفتها انجلترا ومصلحة الجبهة الديمقراطية بصفة عامة ، فلم تجني خلال الحرب ما كان حريا ان تجنيه من المغانم المادية ، وكانت مصر تعتقد انها يبذل هذه التضحيات الجمة تخدم قضيتها الوطنية ، حتى إذا أقبل النصر كان من حقها ان تقتضى شيئا من العرفان

وشكر الصنيعة من اولئك الذين وقفت إلي جانبهم وقت المحنة واحتملت في سبيلهم ما احتملت من آلام وتضحيات

وأقبل النصر وانتهت الحرب ، فإذا حلفاء الأمس بشيحون بوجههم عن مصر ، وإذا النزعة الاستعمارية تعود فتضطرم كما كانت ، وإذا مصر تشعر بخيبة أمل مرة ودعنا من الكفاح السياسي الذي اضطرت مصر إلي استئنافه في سبيل قضيتها من جديد ، فإن مصر لم تستطع ان تسترد حتى حريتها الاقتصادية ، ولم تستطع حتي الآن أن تتحرر من مختلف الفروض والقيود التي وضعتها الحليفة أو الحلفاء للحد من نشاطها الاقتصادي سواء في الداخل أو الخارج ، وذلك لأسباب ومعاذير مختلفة

والآن تجد مصر نفسها بعد أن مضي علي انتهاء الحرب أكثر من عام في مأزق اقتصادي شديد الحرج يتصل أشد الاتصال بما تعانيه من القلق الاجتماعي ؛ فمحصولها الرئيسي وهو القطن مقضي عليه بالكساد لأسباب كثير منها غير طبيعي ؛ وهي ليست متمتعة بتمام الحرية في شأن محاصيلها الغذائية ، إذ يؤخذ جزء منها لتموين بعض الجهات الاخرى ؛ وهي لا تحصل مع ذلك من انجلترا علي ما تحتاج إليه من مختلف المواد والسلع التي اعتادت ان تحصل عليها ؛ ثم هي ما زالت تعاني الكثير من ضغط القوات الأجنبية الباقية في ارضها دون مبرر على مرافقها ومواردها التموينية ، ويزيد في اثار هذا الضغط وجود عدد كبير من الجنود واللاجئين اليونانيين واليوجوسلافيين والبولونيين ومن أسري الحرب الألمان والإيطاليين ؛ فمتي ترحل هذه الألوف المؤلفة عن البلاد ؟

هذا وأما عن سير الأحوال الاقتصادية الداخلية فان ظروفها ليست مما يبعث إلي الطمأنينة ، بل بالعكس مما يبعث إلي الجزع ؛ فقد عادت الأموال الأجنبية إلى نشاطها السابق تسير قدما في سبيل السيطرة على الاقتصاد المصري ويحاول بعضها الاستئثار وراء بعض الشركات المصرية

الصورة التى كثر تأسيسها في الفترة الأخيرة . وقد أخذ كثير من المشاريع والصناعات المصرية التي نشأت وازدهرت خلال الحرب ينهار أو يتعثر الآن من جراء زوال الظروف الاستثنائية التى عاونت على نجاحها ، وافتقارها إلي الحماية من المنافسة الأجنبية القوية ؛ وقد ترتب على ذلك تفشى العطلة في بعض البيئات الصناعية المصرية ، وشرد كثير من العمال المصريين الذين كانت تقوم على سواعدهم هذه المشاريع والصناعات ؛ اضف إلي ذلك ماحدث من تسريح عشرات ألوف من الفنيين والكتبة والعمال المصريين الذين كانت تستخدمهم السلطات العسكرية البريطانية والأمريكية خلال الحرب لانتهاء كثير من الأعمال التي كانوا يضطلعون بها بانتهاء الحرب ، وتعذر إيجاد أعمال جديدة على الكثير منهم ، ووقوع الآلاف منهم بين براثن التعطل والحاجة ، وعجزهم عن إعالة أسرهم ، وتعرضهم بذلك لسموم التحريض والدعايات الاجتماعية الخطرة على النظام والأمن ، وما ترتب على ذلك كله من نشوء مشكلة عمالية اجتماعية لم تواجه مصر من قبل مثلها دقة وخطورة .

وهناك مشكلة الشبان المتعلمين ، وهي ليست أقل خطورة من مشكلة العمال المتعطلين ؛ ولا نريد ان نعرض هنا لمشكلة الطوائف المتبرمة من موظفي الحكومة كالمهندسين والمعلمين وغيرهم ممن تحركوا في المدة الأخيرة وهددوا بالإضراب أو اضربوا بالفعل وطالبوا برفع ما لحقهم من غين ، وتحسين أحوالهم بما يتفق مع مقتضيات العدل والإنصاف ، فليست مشكلة هؤلاء مما يتعذر حله على أولى الأمر ، وليست أكثر من مسألة اعتمادات مالية ؛ ولكنا نريد ان اشير إلى ألوف الشبان المتعلمين الذين لم تسعهم دور الحكومة ولم يسعدهم الحظ بالحصول على اعمال في الميدان الحر ، في البنوك او الشركات وغيرها من المنشآت

الجرة ؛ فلهؤلاء مشكلة تستفحل باستمرار لأنهم لم يظفروا حتي اليوم بالتشريعات التي تكفل حمايتهم من المنافسة غير المشروعة التي يلقونها من العناصر الأجنبية في سائر نواحي العمل الحر ، ولأن الشركات الأجنبية لم تفكر حتي في احترام اللوائح القائمة التي تتطلب منها استخدام نسبة معينة من المصريين في أعمالها الفنية.

ونتخذ هذه المنافسة صورا مختلفة ، ولا يقتصر الأمر فيها على العناصر التي كانت موجودة في مصر من قبل ؛ بل يزيد الأمر خطورة أن البلاد أصبحت بسبب ظروف الحرب ومنذ انتهائها عرضة لتسرب كثير من العناصر الأجنبية التي جاءت في أعقاب الجيوش من اللاجئيين وغيرهم من المسرحين الذين اندسوا إلي المجتمع المدني ، وممن يتسللون خلسة إلي البلاد من أبناء بعض البلاد القريبة من مصر بطرق غير مشروعة ، ومن يحاولون بعد دخول البلاد أن يبقوا فيها بمختلف الوسائل ؛ وقد أسفرت حملات البوليس التفتيشية أخيرا عن القبض على عدد كبير ممن تسللوا إلي البلاد أو بقوا فيها بطرق غير مشروعة ، ومن المحقق أن الذين قبض عليهم ليسوا إلا جزءا يسيرا من هذه العناصر الدخيلة التي تريد أن تفرض نفسها علي البلاد كرها ، وهي عناصر لا يقف خطرها عند منافسة المصري في مختلف الأعمال والتضبيق عليه في وسائل العيش ، ولكنى فيها عناصر تحمل بذور الدعوات الاجتماعية الخطرة وعناصر يغلب عليها الإجرام كما دلت الحوادث غير مرة ، وفي ذلك من الخطر علي الأمن والنظام ما فيه .

وتستطيع أن نشير بهذه المناسبة أيضا إلي ما هو واقع من إفضاء حكومتنا إزاء جاليات الاعداء السابقين ولاسيما الجالية الإيطالية الكبيرة العدد ، وقد بدأ ابناؤها من جديد ينزلون إلى منافسة المصريين منافسة شديدة في كثير من الأعمال والمهن ؛ وقد كانت الفرصة سانحة لمصر عندما

سويت مسألة التعويضات الإيطالية ، ان تعمل على تصفية مركز رعايا الدولة التي اعتدت على مصر وحاولت ان تقضي على استقلالها ؛ ولكن مصر لحكمة لم ندركها لم تفعل شيئا في هذا السبيل ؛ هذا في حين أن الحبشة قد سبقتها إلي اتخاذ هذا الإجراء الناجع ، فأخرجت جميع الرعايا الإيطاليين من ارضها ، وهنالك ايضا من رعايا الإعداء السابقين الجاليات المجرية والرومانية والبلغارية ، وهذه الجاليات جميعا يجب النظر في امرها على ضوء المصلحة الوطنية ، ويجب ان يتخذ بشانها من الإجراءات ما يكفل حقوق الرعايا المصريين ويكفل حمايتهم من المنافسة غير المشروعة ، ويحب ان يبعد منها على الأقل جميع العناصر غير المرغوب فيها ، وذلك دون التقيد في ذلك بنصوص معاهدة مونترو .

هذه المشاكل كلها ، وهذه العوامل والأسباب المتناثرة تمت جميعا بأوثق صلة إلي ما تعانيه البلاد في الآونة الحاضرة من اسباب القلق الاجتماعي والاقتصادي ؛ وهو قلق يتخذ اليوم صورا مزعجة لا يطمئن لها الحريصون على سلامة المجتمع المصري وسلامة دعائمة ونظمه فاذا كانت مصر تحرص على أن تتمتع بأسباب الطمأنينة والأمن والرخاء فعليها أن تتدارك الداء في بدابته ، وان تبادر إلي معالجة هذه الظواهر والعوامل التي يتصل الكثير منها بتركة الحرب المثقلة ، والتي مازالت تبعث إلي الحياة المصرية ضيفا يتزايد على كر الأيام : عليها أن تعمل للتحرر من كل سياسة اقتصادية داخلية أو خارجية لا تتفق مع مصلحة البلاد ، وان تكفل بالتشريعات الحكيمة الوافية حقوق المصريين ومصالحهم في ميادين النشاط الاقتصادي ، وان تعمل بالأخص لحماية الاقتصاد المصري من كل سياسة ترعي إلي استعباده والسيطرة عليه ، ومن كل نشاط دخيل غير مشروع

اشترك في نشرتنا البريدية