الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 401الرجوع إلى "الثقافة"

قمصة مراكشية :, وادى الدماء

Share

أقمنا خباءنا على مرتفع في قلب الحقول ، وكانت الزروع الخضراء تحيط بنا في كل اتجاه إلى ان تغيب خلف الأفق البعيد ، فيخيل إلينا والنسائم تميس بها أننا نقيم في جزيرة تتراقص حولها امواج ناعمة صغيرة خضراء ،  وكان كل شئ بدل على ان الاقدار سوف تبتسم في تلك السنة لهذه البلاد التي يرتبط تاريخها بنسبة ما يسقط فيها من الأمطار . . وإنه ليخيل إليك أن في استطاعتها أن تسقط دولة

وتفتحت قلوبنا الصغيرة للربيع ، وكانت الطبيعة تقدم إلينا اعز ما فقدناه في المدينة ، وهو الحرية ، كانت تتمثل لنا في السماء والأرض وفي كل كبيرة وصغيرة بينهما . وكانت الحياة جديدة بالنسبة لنا ، ولذلك كنا نتأمل باغتباط كل شئ نراء : نجمة في السماء ، سنبلة بين السنابل ، طائرًا فوق غصن ، كل شئ نراء كان يسترعي انتباهنا

ولم يكدر علينا هذا الصفاء إلا قدوم جباة الضرائب الفرنسيين ، فما كادوا يصلون حتى نادوا بجمع كل الفلاحين والرعاة ليستخدموهم في إقامة معسكرهم ، وفي شق الطرق لهم بين الزروع ، والحقيقة انهم لم يكونوا في حاجة إلي كل هذا ، لأنهم كانوا يقدرون الضرائب بنظرة من النظرات ، ولو سمعت الجباة يتحدثون إليهم لحسبتهم أصحاب الأراضي يتحدثون إلى العمال والمستخدمين ؛ كانوا صخابين جبارين قاهرين ، ولكن رئيسهم كان يفوقهم في ذلك ، فقد كنا نتسلل إلى قريب من معسكرهم لنتسلى بالنظر إليه وهو يصيح ويلعن ويضرب الهواء بيده والأرض رجله ، ولا يري إلا غاضبًا مزمجرا .

لم يكن من الغريب في مراكش أن تستتر شمس الربيع خلف ربائب بيضاء فإبربل ظليل كما يقول الناس هناك بل إن في ذلك ما يزيد الربيع بهجة وجمالا ، ولكن حدث ما انسانا جباة الضرائب وصخبهم ، فقد تلاحقت السحب بالسماء إلى ان اصبحت دكناء كئيبة ، وانذرت الأرض اليائمة الخصبة بالتلف والبوار ، وبين عشية وضحاها نارت أنوار الربيع المتألقة خلف سحب قائمة كأنها قطع من الظلام ، وساد الحقول صمت رهيب كما لو كانت تشعر بأن كارثة توشك ان تنزل بها وتتلف اثمارها ، وجلس الفلاحون والرعاة ينظرون بين الرعب إلى طلائع العاصفة ، وهبت فجأة ريح صرصر عاتية ، وازداد الجو إظلاما ، ثم تساقط رذاذ ما لبث ان انقلب إلى مطر غزير ، ثم انطلقت العاصفة من عقالها ترعد وتبرق وتمطر ، فملأ ذلك قلوبنا حسرة وأسي ، فإن ساعة واحدة من الأمطار كافية لإتلاف محصول السنة كلها .

علمنا النفس بأنها عاصفة عابرة ، ولكننا بتنا نسمع هديرها إلي الصباح ، واستمرت طول اليوم التالي . وأخيرا عرفنا أننا انقطعنا عن المدينة وأنه قد أصبح من المستحيل علينا عبور الطرق الزراعية راجلين أورا كبير لكثرة ما تكدس فيها من الأرحال ، وصمد خباؤنا للعاصفة سبعة أيام كاملة ، ثم بدأت المياه تتسلل إليه . ولما نقد زادنا وذهب أحد الرعاة ليأتينا بغيره من قرية قريبة تبعد عنا مسافة نصف ساعة ، غاب عنا حوالى عشر ساعات . والحقيقة أننا وجدنا بعض اللذة في ذلك ، ولكن الأمر طال فتسرب الرعب إلي نفوسنا ، وبدأنا نشعر بأننا مهددون يخطر مستطير . وماذا يكون لو انهار ما بقي من خبائنا ؟ على أن الشئ الذي خفف عنا بلوانا قليلا هو أن حياة الضرائب وقعوا فيما وقعنا فيه ، فكانوا يتسلون بالنظر إلينا كما كنا التسلي بالنظر إليهم ، وربما تبادلنا بعض الإشارات التي لا معنى لها .

لم يعد في استطاعتنا أن ننام بعد الليلة العاشرة ، إذ ابتل كل شئ في الخباء فجلسنا نتحدث ساهرين . كانت الليلة تبدو لنا أشد هولا من الليالي الماضية ولم تكن العين تدرك وسط الدياجي سوى ضوء خافت في اتجاه خباء جباة الضرائب ، وكما نقفز في أحاديثنا من موضوع إلي موضوع شأن من يحدثوا عشرة أيام ؛ بيد أن أعرابيا من الرعاة استطاع ان يشغلنا بموضوع جديد ، وأي موضوع ! قال لنا وهو يشير بيده في ضوء البرق : انظروا ، هل ترون ذلك الوادي ؟ سأحدثكم عنه ، إنه وادي الدماء

كان كل شئ حولنا يبعث الرعب في النفوس ، ولذلك حمل هذا الاسم إلى قلوبنا معني رهيبا ، كان يتحدث والسماء تبرق ، وكنا نري علي ضوء البرق ذلك الوادي البعيد وكأننا لم نره من قبل ، وهو انحدار هائل يقع عند سفح جبل قديم عظيم ، وقد امتلأ بالصخور الكبيرة المبعثرة

وسألنا الأعرابي بصوت واحد : وادي الدماء ؟ فقال : نعم ، وادي الدماء كانت تقوم هنا في الزمان القديم قرية يحكمها حاكم ظالم ، حياته تعج بالدماء والفضايح والسرقات . وكان هذا الوادي هو المجزرة التي يذبح فيها ضحاياه ، فتكونت نتيجة لذلك في أعماقه بركة من الدماء وبلغ من بهئك ذلك الحاكم الطاغية أنه أقام حول هذه البركة القصور والبساتين وجعل منها مرتعا لأهوائه الجامحة . وكان يمد البركة داعا بالجداول من دماء الضحايا ، ولكن ذات ليلة بينما كان الحاكم في إحدي السهرات على حافة بركته الحمراء يشرب الخمر وبغازل النساء ، قام مترنحا لينظر إلي وجهه في صفحة البركة على ضوء القمر ؛ ولكن يالهول ما حدث ! فما كاد يصل إلي حافتها حتي امتدت إليه آلاف الأيدي من أعماق الوادي ، هي أيدي ضحاياه وجذبته وهو يصرخ إلي الأعماق حيث اختفي الحاكم إلي الأبد . وما زال الوادي محفوفا بالأسرار منذ ذلك الزمان ، فما يوجد أحد يستطيع أن يقترب منه ؛ ذلك أنه يستدرج إليه

الظالمين دائما حتى إذا اقتربوا منه اختطفتهم تلك الأيدى وجذبتهم إلي الأعماق

وارتفع صوت الرعد ليضاعف هلعنا ، ولكن عيوننا المرعوبة ، كانت مثبتة في الوادي لكي تراه كلما أضاء البرق السماوات يا للفجيعة ! ثم يكن الأعرابي يتحدث عن خرافات الأولين . إننا جميعا نري اعماق الوادي ، وليست هناك صخور ولا فراغ ، بل إنه يطفح بذلك السائل الأحمر المروع ، نراه كلما أبرقت السماء يغلي بالدماء ، فأصابتنا رعشة أخرست ألسنتنا

وانطلق الرعد مدويا صاخبا كما لو كان قد أهاجته قصة الأعرابي ، وانحدرت أصداؤه تتدحرج إلى الأرض لتتردد في أعماق الوادي رهيبة مفزعة ، كما لو كان قد اجتمعت فيه ثلة من العمالقة أغرقوا في ضحك ساخر مهول . ثم انطلق الرعد مرة أخرى . فرد عليه الوادي في ضوء البرق ردا آخر مفزعا ، ولم تنجل منا نوبة الفزع إلا بعد أن هدأ الرعد قليلا

ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد ، فقد سمعنا في الصمت الذي أعقب الرعد صباحا مزعجا ، وكان من الواضح أنه صوت إنسان يصرخ ، وما زال يقترب ويقترب إلي أن بدأنا نميز ما يقول : " تبا لك يا بلاد العواصف والرعود ويل لك مني غدا ! لأمزقنك إربا وأذرونك في الرياح : أه إنني جننت ! هل تسمعين أبنها الرعود ؟ أنا مجنون ! أنا مجنون ! " ثم تعالى الرعد مرة أخرى . فأعقبه الصوت بضحك متواصل أليم

ثم بدا أن صاحب الصوت قد اقترب منا . وفعلا رأينا على ضوء البرق إنسانا يزحف إلينا ، وجفلنا حين اقتحم  علينا الخباء ملطخا بالأوحال ، منفوش الشعر ، محمر العينين منتفخ الأوداج ، فعرفناه ؛ إنه هو ، رئيسي حياة الضرائب ؛ وفي اللحظة عينها وصل أعوانه وأشاروا إلينا أن بعقله خللا ، فلا داعي لمقاومته أو الرد عليه ،

بينما كان هو يصيح في وجوهنا : أنا لا يخيفني رعودكم ، بل إنني أحتقر عواصفكم ، ولا أسمح لها بأن تحاصرني ، لأقتحمن الأوحال والبرك إلي الطريق العنيدة دون أن اشارككم مصيركم المخجل ، موتوا أنتم هنا ليجدوكم بعد العاصفة جثثا ملطخة بالأوحال يتعثر فيها عابرو السبيل هل أنتم فاهمون ؟ لن يقال غدا إن عاصفة مرا كشية أردت فتي من فتيان فرنسا"

ثم رفع يده مهددا ، فتأخرنا خطوة إلي الوراء ، وقد اندكت نفوسنا لهذه الأهوال التي أحاطت بنا

حاول أعوانه أن يمسكوا به ، ولكنه وكزهم وقفز من بينهم إلى الأوحال فساروا في إثره . وهناك تنفسنا الصعداء وحاولنا أن نضحك لكي نقنع أنفسنا بأن الأزمة النفسية التي كنا فيها قد انقشعت . ولكن أحدنا التفت على ضوء البرق وقد رأي رئيس الحياة يزحف في طريق . الوادي وأشار إلينا صامتا فرأيناه وتبادلنا النظرات

ولكن الأعرابي الذي أفزعنا بقصته المزعجة لم يستطع أن

يكتم شعوره ، فصاح : " ألم أقل لكم ! أنظروا ، إن قصص أبائنا صحيحة دائما ، إن الوادي المنتقم يجذب الظالم إليه ، لن يحيى ضرائب بعد اليوم ، سوف يصل إلى حافة البركة الحمراء فتتخطفه أيدي ضحاياه ، ضحاياه الذين أفقرهم وشردهم وأذلهم  سوف تتخطفه كما تخطفت الحاكم الظالم من قبل وكما سوف تتخطف كل ظالم عاتية في المستقبل ، بل إن الحياة جميعا سائرون نحو الوادي ليلحقوا بضحايهم . سوف تتقاضى منهم تلك الأيدي المخيفة ثم الزروع التي افسدوها والتي سرقوها والتي اغتصبوها "

ونظرنا ، فإذا بهم يسيرون خطوة خطوة وسط الأوحال نحو الوادي الرهيب ، الوادي الذي يغلي بدماء الضحايا ودموع العذاري وصراخ الأطفال وأنين الأمهات وعويل الشيوخ . وكان الرعد يخف والمطر ينحسر كلما اقتربوا . ولم يبق بعد ذلك من العاصفة سوى برق صامت ينير لهم الطريق إلي وادي الدماء

اشترك في نشرتنا البريدية