الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 39الرجوع إلى "الثقافة"

قوانين الحرب فى الإسلام

Share

في الوقت الذي يحمل إلينا فيه الأنباء تدمير المدن الأوربية الآهلة بالسكان ، واحتمال عودة حرب الغازات السامة ، وتخريب الطيارات والغواصات لكل ما تصل إليه بكل ما تستطيع من قوة ، ونحو ذلك من ويلات الحروب التي يعجز القلم عن وصف هولها - يلذ القاري أن يعود إلى التاريخ يستعرض فيه التشريع المختلف للحرب ، والأنظار المختلفة في تقدير الإنسانية

ولعل من أروع هذه القوانين قانون الحرب في الإسلام ، فمنذ ثلاثة عشر قرنا ونصف شرع الإسلام قوانين بلغت الغاية في تقدير الإنسانية ، وبث الرحمة في النفوس ، والدعوة إلي الرفق

من ذلك أن لا حرب قبل الدعوة ، لأن غرض الإسلام من الحرب ليس المال ولا الغنائم ولا الاستعمار ؛ وإنما غرضه نشر دعوة يرى فيها الخير للإنسانية ، فمن قبيلها أو قبل الخضوع لأحكامها ، أو لم يمانع في سبيل نشرها كان آمنا على نفسه وعلى ماله ، وكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم ، لا عبرة باللون من أبيض وأسود ، ولا عبرة بالدم ولا بالجنسية ، ولا بنحو ذلك مما تعيره الامم الحديثة أكبر اهتمام ؛ فالمسألة ليست حرب أجناس ولا حرب أوطان ولا حرب امم ؛ إنما هي في نظر الإسلام حرب مبادئ صالحة تنفع الإنسانية لمبادئ تضر الانسانية ، فالأخوة في نظره أخوة مبادئ ، لا أخوة دم ، ولا أخوة جلس ، ولا أخوة وطن .

وكان مما أوصي به أبو بكر الجيش الذي بعثه في

حروب الردة " أن يؤذنوا إذا نزلوا منزلا ، فان اذن القوم فكسفوا عنهم . . وإن أجابوكم إلي داعية الإسلام فسائلوهم عن الزكاة ، فان اقروا فاقبلوا منهم ، وإن أبوا  فقاتلوهم "

ولذلك لما تسرع خالد بن الوليد في قتل مالك ابن نويرة بعد أن أظهر الإسلام ، كان في ذلك موضع المؤاخذة ، وطلب عمر من الى بكر أن يقتص منه ؛ ولكن ابا بكر قبل عذره وودى مالكا من بيت مال المسلمين ؛ وأسرها عمر في نفسه ، حتى إذا ولي الخلافة عزل خالدا عن الامارة

فلا تكون حرب حتي تكون دعوة ، وحتى يكون رفض ممن وجهت إليهم الدعوة ، فإذا وقعت الحرب فهناك قيود للجيش المحارب ينبغي ألا يعدوها ؛ ولعل أوضحها وأجمعها ما روي أنه " لما بعث أبو بكر يزيد بن أبي سفيان إلي الشام خرج معه أبو بكر بوصيه ، ويزيد راكب ، وابو بكر يمشي ، فقال يزيد : يا خليفة رسول الله إما ان تركب وإما أنزل . فقال : ما أنت بنازل وما أنا براكب ، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله ،  يايزيد ، إنكم ستجدون أقواما قد حبسوا أنفسهم في هذه الصوامع ( يعني الرهبان) فاتركوهم وما حدسوا أنفسهم له . ولا تقتلوا كبيرا هرما ، ولا إمرأة ، ولا وليدا ، ولا مريضا ، ولا راهبا ؛ ولا تخربوا عمرانا ، ولا تقطعوا شجرة إلا لنفع ، ولا تحرقن نخلا ولا تغرقنه ، ولا تغدر

ولا تمثل ، ولا تجين ، ولا تقلل ، ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب ، إن الله لقوي عزيز استودعك الله وأقرئك السلام ، ثم انصرف"

وقال عمر : " اتقوا الله في الفلاحين ، فلا تقتلوهم إلا أن ينصبوا لكم الحرب " .

ومر رسول الله ( ص ) في غزوة من غزوات المشركين بامرأة مقتولة ذات خلق ، اجتمع الناس عليها ، فقال رسول الله : ما كانت هذه لتقاتل ! وسأل : من قتل هذه ؟ فقال رجل : أنا أردفتها خلفي ، فأرادت أن تقتلني فقتلتها ، فأمر النبي ( ص ) بدفنها .

وروي ابن عباس ان رسول الله ( ص ) كان إذا بعث جيوشه قال : اخرجوا باسم الله ، تقائلون في سبيل الله من كفر بالله ، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع " .

وقال رسول الله( ص ) مرة : لا تقتلوا الذرية في الحرب . فقالوا : يا رسول الله أو ليس هم أولاد المشركين ؟ قال : أو ليس خياركم أولاد المشركين !

من كل هذا نري أن القانون الاسلامي حصر الحرب في دائرة من جندوا للحرب ، ومنع حرب من لم يحند ، إلا أن يكون له من الوسائل ما يساوي القدرة على الحرب ، كان يكون شيخا ولكنه يساهم في إبداء الراي وتدبير المكايد ، فإنه إذ ذاك يعد محاربا ، كما فعل رسول الله (ص ) بدريد بن الصمة ، لأنه كان مع تقدم سنه يمد قومه بالرأي في الحرب ، فأمر رسول الله بقتله . أما من عدا هؤلاء ، فقد حفظت دماؤهم ، وحوفظ على حقهم في الحياة . ويعجبني في ذلك تعليل الفقهاء لهذا الرأي بقولهم : " إن الأدمي خلق معصوم الدم ليمكنه تحمل أعباء التكاليف ، وإباحة القتل عارض بمحاربته لدفع شر ، فمن لم يتحقق شره بني علي اصل عصمة دمه " . بل

تجاوز الإسلام حرمة المحاربين إلي حرمة ملكية الأمم المحاربة ، فأمر بإحترامها والمحافظة عليها ، فمنع قطع الأشجار وهدم البنيان . وكان من وصايا أبي بكر : " لا تقطع شجرا مثمرا ، ولا تخرب عامرا ، ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكله

ثم أمر الإسلام أمرا بانا حازما حاسما بالالتزام ما يعقد من معاهدات ، فقال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود واوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا " وقال : " إلا الذين عاهدتم من المشركين ، ثم لم ينقصوكم شيئا ، ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلي مدتهم إن الله يحب المتقين " .

ولما عقد النبي ( ص ) الصلح مع قريش - وكان فيه إجحاف بالمسلمين ، إذ قد اصطلحوا " على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ، ويكف بعضهم عن بعض ، على أن من أتي محمدا من قريش من غير إذن وليه رده عليه ، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يروه عليه " ٤ فارتاع بعض المسلمين من ذلك الصلح ، ودخل علي الناس من ذلك أمر عظيم ، وصرخ المسلمون الذين ردوا إلي قريش - قال رسول الله : " إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك ، وأعطونا عهد الله ، وإنا لا نغدر بينهم " .

وانظر إلي عمر لما اضطر إلي إلغاء عهد من العهود ماذا صنع ؟ قدم عليه عمير بن سعد الأنصاري وقال له : " إن بيننا وبين الروم مدينة يقال لها " عريوس " وإن أهلها يخيرون عدونا بعوراتنا ، ولا يظهروننا على عورات عدونا ، ولهم علينا عهد ، واستشاره في أمرهم ، فقال عمر : " فإذا قدمت فخيرهم أن تعطيهم مكان كل شاة شاتين ، ومكان كل بقرة بقرتين ، ومكان كل شئ

شيئين ، فإذا رضوا بذلك فأعطهم إياه وأجلهم واخربها فإن أبوا فانبذ إليهم وأجلهم سنة ثم اخربها .

فالقوم هم الذين نقضوا العهد وأساءوا المعاملة ، وعمر هو هو الذي رحمهم واحتال عند إلغاء العهد ليكون أعدل ما يكون وأرحم ما يكون ، وكارخ العهد الأول من المسلمين مملوء مثل هذه الشواهد .

فلم يسمع المسلمون الأولون مطلقا ، ولم يخطر لهم ببال ما عبر عنه بعض المدنين المحدثين بأن المعاهدات قصاصات اوراق ، ولم يخضعوا المعاهدات - كما يفعل كثير من المدنين - لمقياس المنفعة ، فإن كان في نقضها منفعة لهم نقضوها ، وإلا احتفظوا بها ، بل لم يكن العربي يفرق في التقدير ، ووجوب المراعاة بين العقد يمضي ، والكلمة الشفوية ينطق بها ، كلاهما ملزم ، وكلاهما واجب التنفيذ.

ثم دعا قانون الاسلام إلي تلبية الدعوة إلي الصلح فقال : " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها " لأن الغرض إذا تحقق كان القتال عبثا ، ثم كان أساس الصلح لا يستفز عاطفة ، ولا يترك في النفوس حقدا ، ولا يبعث على تحفز للقتال ، فكتب عمر إلي عبيدة في حصاره حلب : " ومن صالحاث بهم فقيل صلحه ومن سالك فسالمه" وكتب لأهل إيلياء ( بيت المقدس ) : " هذا ما أعطي عبد الله عمر امير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان ، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم ، ولكنائسهم وصلبانهم ، وسقيمها وبريئها وسائر ملئها ، انه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ، ولا ينقص منها ولا من حيزها ولا من صلبهم ، ولا من شئ من أموالهم ، ولا يون على دينهم ، ولا يضار أحد منهم " .

وجاء في عهد حذيفة بن اليمان " هذا ما أعطي حذيفة

ابن اليمان لأهل " ماء دينار " اعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وأرضيهم ، لا يغيرون عن ملة ، ولا يحال بيهم وبين شرائعهم ، ولهم السعة ما أدوا الجزية كل سنة إلي من وليهم من المسلمين . على كل حالم في ماله ونفسه علي قدر طاقته ، وما أرشدوا ابن السبيل وأصلاحوا الطرق وقروا جنود المسلمين من مر بهم فأوي إليهم يوما وليلة ، ونصحوا ، فإن غشوا وبدلوا فذمتنا منهم بريئة " . وأمثال هذا كثير .

فليت المدنية الحديثة في القرن العشرين وقد برعت في العلم وتفتنت في المخترعات وتقدمت في كل مرفق من مرافق الحياة ، تعود بنظرها إلي قرون عدة حيث الفتح الإسلامي ، فتري قانون الحرب وقانون السلم على أسمى ما يكون من الانسانية فتلتزمه ؛ ولو تم ذلك لأمنت المدن البريئة من الغزوات ، وامن غير المحاربين من الغازات ، وأمنت السفن التجارية من الغواصات ، وأمن سكان القرى والمدن من الطائرات ، ولو تم ذلك أيضا لوضع الصلح يوم بوضع على أساس العدل لا على أساس الانتقام ، وعلى أساس الإنسانية لا على أساس القومية ، ولخير العالم لا خير أمة ، ولاستلال الضفائن لا لوضع بدور الضغائن

لقد مرت على الإنسان دروس حروب كثيرة ولكنه لم يتعلم منها ، نعم تعلم في تقدمه في فن الحرب وكيفية التغلب على الخصم واختراع المخترعات وإنشاء الاستحكامات ؛ ولكنه لم يتعلم من وبلات الحرب كيف يقضي على الحرب ؛ فلعل الحرب الأخيرة تكون الدرس الأخير ، فيتعلم جاهل ويصلح فاسد وتنعزي الانسانية عما يصيبها في حاضرها بالخير العام في مستقبلها .

اشترك في نشرتنا البريدية