الحياة هى ذلك السر الذى أحتوى عليه ، وهو خاص بى ، ومع ذلك يستعصى على ويهرب منى كلما حاولت اكتناهه، لأنى لا أملك زمامه ، ولست مصدره ، ولا صاحب الكلمة فيه . والحياة مادة لا تنقطع لافكار ورعائى وجهودى . وإني لأحكم عليها بأحكام متناقضة متضاربة ، فأراها أحيانا طيبة راضية وأحيانا عابسة نابية . وبينما تكون محل إكبارى ورضاى ، إذا هى موضع احتقارى وسخطى . وأحافظ عليها كشىء سمين عزيز القدر وأنفق مها دون تقدير كانها شىء مهين ، وقد أسأمها واضيق بها ، وقد تعلق بها وأسر منها ، وفيها تختصر كل آمالى واطماعى ومسراتى، وفيها كذلك كل أحزانى وآلامى . وبدعى أن الحياة معقدة النواحى متشعبة الأطراف . ولنبحث الآن فى قوانين كل نوع منها ، وسنتبين بذلك انها شىء سمين إذ عرفنا قيمتها وما يجب علينا عمله فيها .
التغذية والتوالد هما أهم مظاهر الحياة النباتية ، وهما كذلك فى الحيوان ، ولكن على نهج أسمى ونمط أرقى . فكل حي يتسلم من الخارج غذاءه ثم يهضمه وبمثله ، وبهذا يحافظ على وجوده وينمو ، ويدوم بقاؤه ويكتمل .
وهذه عملية الهضم والتمثيل التى بها يتسلم الحى غذاءه ، فيحوله إلى جنس مادته . لكنا نلحظ أن بقاء الحياة على هذا النحو يستلزم الانفاق منها . فالحياة تبحث عما يمسكها ويصونها ، ولكنها فى سبيل ذلك تنفق من ذات نفسها . تدفع الحاجة إلى البحث عن القوات ، ثم الحصول عليه فالاقتيات به ، وكل هذه عمليات معقدة فى حاجة إلى قوى ومجهود ، وهناك فترات يستريح فيها الحى من هذا الجهد ، ولكن الراحة الدائمة هى الموت . فالحى يجهد ويستخدم
قواه ، وكلما كانت حياته أكمل وأسمى من سواها ، كان واجبه للاحتفاظ بها أشد وأثقل عبثا . فالحياة الحيوانية هى امتداد دائم لنشاط ينشره الحى على ما حوله . فالتغذية التى تتحقق بالحركة والعمل تتسبب كذلك فى الحركة والعمل ؛ فنحن نجد فى كل مكان وفى جميع درجات الحياة وأشكالها ، أن الحركة دليل وأثر لعمل الحياة ونشاطها ، ثم نجد بعد ذلك حركة الامتداد ، وهى الحركة التى بها يتسع وجود الحي ويمتد فيذهب إلى مكان جديد ، ويعمل حيث لم يكن ويبسط حوله معانى وجوده بعمله ومجهوده .
فالحى يقتنى لحياته ، لكنه ينفق مما يقتنى ، ويأخذ لنفسه ، ولكن ينشر على ما يحيط به ، ولا يمكنه بغريزته أن يقتصر . على الاكتساب والجمع والادخار ، فلم يخلق بغزوته بخيلا . فالتمتع الذى لا ينتج ، والملذات المجدية التى لا تتعدى دائرته ليست بغيته بغريزته ، ولا مما يطلبه ويبحث عنه .
وفوق هذا فإن الحى إذا ما اكتمل ووصل إلى درجة النضج فى حياته بتناسل ، وما التناسل إلا نتيجة وتكملة للتغذية ، والتغذية والتناسل متلازمان من الوجهة المادية الفزيولوجية ، فالتناسل يستلزم التغذية وبنتج عنها . فلنتأمل بعناية وإ كبار هذا القانون العظيم للحياة . وهو أن الحى يتسلم ليعطى ، ويأخذ ليرد ، فالخصب والإنتاج خلق جوهرى للحياة . فالحياة تنجب الحياة وتصبح سببا فى إحياء غيرها . فقانون الحياة إذا ينحصر فى التغذية والامتداد ، والنشاط فى كل مكان ، فلا جمود ولا سكون ولا قدرة للحى على أن يستتأثر بنفسه وينطوى على نفسه .
والحياة العقلية غير الحياة المادية ، فلنبحثها لنرى كيف تنشأ ! إنها لابد لها من الكسب والادخار . إن : تفترض العقل قوة نكار هناك نظريات عتيقة تفترض العقل قوة تكاد تكون لا عمل لها غير الخلق والإبداع . ولكن الحقائق ترينا أنه لا غناء له عن تسلم ما يتاح له وبعضه من المعلومات التى
قد يعتريها النسيان والتشويه ، ولكن بدونها لا يستطيع العقل عمل شئ ما ، بل لا يستطيع التفكير
ومن هذه المعلومات ما يتعلق بالأشياء والموجودات التى يقصد العقل إلى إدراكها لا إلى اختراعها ، ومنها ما هو مبادىء أساسية لمعرفة الأشياء التي يريد اكتناهها واكتشافها لاعملها وخلقها ؛ فالعقل - كما هو ظاهر - أداة تسلم من الخارج ، ولكن بعمل ومجهود . هل يمكن حصر العقل فى نطاق الذاكرة المخترنة للمدركات العقلية هذا مالا يمكن التسليم به . ومن جهة أخري فإن الإدراك نفسه عمل ومجهود .
إن مجرد الانفعال لا يمكن أن يكون معرفة ولا ما يرادف المعرفة . ولننظر الآن فى العقل الغنى بمدركاته ومجهوداته ، أيمكن أن يقتصر على الاستمتاع بما حصل وما اقتنى ؟ هذا مستحيل . بل لابد له من التجدد المستمر الذى لا ينقطع ولا يعرف حدودا يكتفى بها أو يستريح عندها . لابد له من الخروج من نطاق ذاته ، ومن الإدراكات التى حصلها ومن مجاوزة ما اكتسب لأنه قد قدم . فالسكون والخمود معناهما الموت العقلى ، ومستحيل على المرء أن يسجن عقله فى نطاق ما كان ولا فى نطاق مافعل . بل يظل مشعل العقل حيا وهاجا ، ليكون قوة إحياء وتجديد ، فالعمل والمجهود لازمان من لوازمه ومن الحتم عليه أن يتجاوز نطاق نفسه إلى ما سواها . فكل فكرة قوية واضحة تمتد إلى منطقة البيان والظهور . ولا معنى لذلك إلا بروزها فى عالم الحس وانتشارها . فالفكرة التي تلبس الكلمات تتصل بمادتها وتسرى فيها ، فتحيها ونحيا بها ؛ وهذا مظهر من مظاهر حاجات العقل فى الاتصال بالعقول الأخرى ، فذو الأفكار وإن لم تكن بالغة القوة يتطلع إلى بثها ونشرها ، وكل عقيدة لا ترضى بالانطواء على نفسها ، بل تتطلب وتعمل جاهدة لتكون قسمة بين العقول ، ولكنها قسمة حميدة لا تنقصها ولا تذهب بها ، وإنما
تكملها وتزيدها . هذا هو الإشعاع ، فكلما كان الموقد يعيد الإشعاع ساطع الضوء ، كان ذلك أمارة قوته وشدة حرارته ؛ فالمطلب الطبيعى للعقل وغايته أن يكون للعقول الأخرى نورا وقوة ومنبعا للمعرفة والفهم .
والعلم - هو ثمرة العقل المشرق القوى - خاضع القوانين الحياة المتقدمة ، فهو لا يقف عند حد ، بل هو فى تجدد مستمر ، وإذا وقف فقد آذن نجمه بالأفول .
ومع ما فيه من قوة الإنتاج والامتداد ، فإن من يعلم يتطلع لأن ينجب فيكون أبا لمن يعلمون .
وتجد فى الفن الحق نفس هذه القوانين ، على أنه يجب تمييز الفنانين من مجرد الهواة الكلفين بمشاهدة الآثار الفنية والتمتع بها ، فهؤلاء يجدبون عقماء . فما أشبههم باملعابد القديمة حيث تتجمع آثار الفن بسيطر عليها همود الموت ، بعيدة من وسط الأحياء ، ولكن الفنان شئ آخر : لأن الإعجاب الحق ببدائع الأشياء من شأنه أن يكون منتجا خصبا.
حقا ليس كل من يتأمل الأشياء الجميلة يستطيع أن يبدع اشياء جميلة . ولكن التأمل والإعجاب الفنيين يبعثان فى النفس رغبة فى العمل الفنى أو طموحا فى أن يخلق المرء فى نفسه أو ينشر حوله أفكارا نبيلة ؟ فالفن فى حقيقته قوة ونفوذ ، وهو يعمد قبل كل شىء إلى التكوين والخلق ، فهو منتج خصب ، واسمه باللاتينية Arsوهى مرادفة للنشاط ، واسمه بالآللمانية آت من القدرة . فالفنان كريم خصب ، إنه لا يستغرق فى نفسه كل ما يتاح له من الطبيعة والناس ، ومن الماضى والحاضر ، إلا لبردرذلك مصوغا بعبقريته ، فهو لا يأخذ إلا ليعطى ، وفيه تظهر طبيعة الحياة من الجود والخصب على أسمى درجة وأرفع نمط .
والآن - بعد أن بحثنا فى حقيقة الحياة وما يعوزها لتبقى وتكون صحيحة . وفيما تتوقف عليه غريزتها -
يحق لنا أن نقول . إن قانون الحياة الإنسانية الأولى ، بل الأساس ، أنها لا نستطيع أن تبقى على الضعف والسكون ، ولا علم الوحدة والأثرة وإذا نظرنا إلى الحياة فى مجرد الرجل الخبير الذى ينطوى على علمه ، أو الولوع برؤية الأشياء الجميلة بدون إنتاج ، رأينا أن الحياة فيهما تنحدر إلى الأثرة والجحود ، لأنا إذا اقتصرنا على المشاهدة والاستمتاع فقد حرمنا أنفسنا نعمة العمل ، وهذا يؤدى إلى نقص وجودنا ، وحرماننا الحياة الكاملة ، ثم الحياة كلمها . لأن ذا الأثرة الذى لا يحيا إلا لنفسه وفى سبيل سرورها ينحدر إلى معنى ضيق من الحياة لا يلبث أن بتلاشى.
فغريزة الاجتماع والتمدين أقوى مما يظهر لأول وهلة ، فنحن لا نحتاج فقط إلى مساعدة الآخرين لنستطيع الحياة ، ولا نطلب منهم الوسائل التى تعوزنا فحسب ، بل إن الغريزة التى تجعل الانسان ضروريا للإنسان أعمق وأقوى حيوية من هذا . فكل شخص يحتاج أن يعمل شيئا ما لغيره ، وأن يكون سبب الخير والرقى له ؛ وبدون هذا الجود الذى يجعلنا على أن نخرج من نطاق أنفسنا وأن نعطى من حياتنا لغيرنا لا نكون أحياء حتى الحياة ، فإن الحياة التى تنطوى على نفسها تذبل وتهلك ، لأن صاحبها أراد أن يطمر فيه معناها كما يدفن البخيل كنزه ، بينما هى كالمنبع الذي يأسن إذا ركد ، ويتجدد كلما ازداد حركة وانتشارا وليس فى هذا العالم من ليس لديه ما يعمل وما يعطى
وإذا جعلنا مثلنا الأعلى أن تكون كالتاجر الذى انسحب من السوق مكتفيا بما ربح غير مفكر إلا فى الاستمتاع به . فإننا نقضى على الإنسانية بالضعف والانحدار درجة فدرجة إلى هوة الفناء .
نحن لا نقصد من كلامنا هذا أن يمنع الراحة وأوقات الفراغ ، ولا أن نجحد فضل المزاح واللهو ، فإن كل ذلك نافع فى وقته ؟ ولكنا نريد أن نقول : إن إدراك الحياة
على النحو الذى يحصرها فى دائرة التأمل والمتعة ، يعرضها للخطر وبذهب بها ، إذ الحياة تبقى بالعمل وتقوى به . وكلما كانت قوية شديدة كانت أكثر امتدادا وخصبا وأوسع انتشارا . فالأخذ والإعطاء هما قانون الحياة المزدوج . وكل كان المخلوق أسمى حياة وأشد اسرا كانت أكثر عطاء وبذلا ، حتى إن الحى الأكمل ، وهو واجب الوجود مكتف بنفسه لا يأخذ شيئا ، بل معد غيره من المخلوقات الناقصة مما يزيدها ويكملها .
ينتج مما تقدم لنا من دراسة أننا لانستطيع أن نسيغ الزعم بأن الحياة باطل وعبث .
وكل من يفكر كما فكر " نارسيس" فى أنه لا يحيا إلا فى حدود ذاته ، ويظل يستطلع نفسه فى مياه الأشياء الشفيفة ، يصيبه ما أصاب نارسيس من هلاك . لأنه وقد حرم نفسه العمل لا يلبث أن يحرم الحياة ، فإن كل من يتنكر لقوانينها لا يفلت بدون عقاب

