من أبرز الصفات في الإنسان تقلبه في القيم ؛ فهو بالأمس القريب أو البعيد قد أكبر من شأن بعض الأشياء وقدسها ، بل وعبدها ، فأصبحت في نظره اليوم موضع سخرية وتحقير وقد احب في الماضي ما كرهه اليوم ، وأكرم في الماضي ما ازدراه اليوم ، ونعت بصفات الخير والحق والجمال في الماضي ما وصفه اليوم بالشر والبطلان والقبح . على هذه السنة جري الانسان في نظرته إلي الأشياء والأفعال ، بل وفي تقديره لحالاته النفسية من لذة وألم وفرح وحزن . جري علي هذه السنة في حياته الفردية الخاصة ، وفي حياته الاجتماعية العامة وجرت عليها الجماعات الانسانية في أدوارها التاريخية المتعاقبة ، فلا تكاد الأمم تجمع على قيمة واحدة في عصر واحد لشيء واحد . وليس هذا الحكم بأقل صدقاً على ما يسمونه القيم الذاتية العليا .
ولكن أعجب العجب أن تتغير قيمة الإنسان نفسه في نظر الانسان . أو أن يضع دين من الأديان قيمة للانسان ، فيعمد هو إلي هدمها والانتقاص منها ولا أدري إذا كان هذا ضربا من ضروب التطور الفكري الايجابي ، أو من ضروب التطور الرجعي أو التطور إلي الوراء ! فان التطور الحقيقي - كما أفهمه - يحمل في طياته صعودا في سليم القيم .
لأمر ما - قد يرجعه بعض الناس إلي غرور الانسان بنفسه واعترازه بها ، وقد يرجعه آخرون إلي جهله بالقيم الحقيقية للكائنات التي تحيط به وبقيمة الكون بأسره ؛ وقد يرجع لا إلي هذا أو ذلك ، بل إلي نظرة عميقة في النشأة الإنسانية وما جبلت عليه من
صفات ، وما أودع فيها من خصائص لايدانيها فيهـــــــا كائن آخر .
اعتقد الانسان قديما أنه أفضل موجود في هذا العالم على الإطلاق وأكمل الكائنات كلها خلقا وخلفا ، وجسما وعقلا وروحا ، من أجله خلقت السماوات والأرض ، ولنفعه طلعت الشمس وأضاء القمر ، ونزل المطر وهبت الرياح وجرت الانهار ، وله سخر كل ما في العالم من حيوان ونبات وجماد وقوي طبيعية اخري ظهر منها ما ظهر وخفي ما خفي . نصب نفسه ملكا علي هذه الأرض يحكم فيها بما شاء وكيف شاء ، بل إن الأرض التي تشرفت بأنها قاعدة تلك المملكة الانسانية قد خلع عليها الانسان شيئا من التعظيم أشبه بالتقديس . ألم يجملها بطليموس مركز العالم الذي تدور حوله الأفلاك جميعها ؟ ونفس الانسان : ألم يميز بينها وبين نفوس الحيوان والنبات ، ويختصها بالبقاء بعد الموت وبالخلود في حياة أخري لا يعرف الفناء إليها سبيلا ؟ وعقل الإنسان : ألم يعتبره أرسطو الصفة الأساسية الذاتية التي تميز بينه وبين سائر أنواع المملكة الحيوانية ؟
جاءت الأديان فأقرت الانسان على ما صور به نفسه، بل أضافت إلي هذه الصورة ألوانا جديدة من التعظيم والتشريف والتقديس ، وأدخلت في مفهوم القيمة الإنسانية معاني جديدة لم يكن يدركها الانسان في نفسه ؛ أخبرته " أنه خلق علي صورة ربه "، فذهب في تأويل هذا الخبر إلي أنه هو المرآة التي تنعكس عليها صفات الله وأسماؤه ، وفيها يري الحق نفسه ، أو يري العالم الاكبر في ذلك العالم الأصغر الذي تنحصر فيه وحده جميع كمالات الوجود التي هي مظاهر الأسماء والصفات الالهية .
وأخبرته أنه(( خليفة الله في أرضه)) فأعظم من شأن هذه الخلافة واغتبط بهذا التشريف الالهي الذي لم يمنحه الله مخلوقا سواء ، وفهم الخلافة على أنها الخلافة
المعنوية الروحية لا خلافة الملك والحكم ؛ فهو خليفة الله في الكون ، بمعنى انه الحفيظ الأمين على اسرار الله في الكون ، إذ هو جماعها والمحيط بها والمدرك لها ، وإذ * يعرف الله ويقدس الله ويعبد الله وينزه في صفاته وافعاله.
أخبرته الأديان أيضا " أنه أفضل من الملائكة " ودعت الملائكة للسجود بين يديه إكبارًا له وتعظيما ، ليدرك قدر نفسه ومنزلته عند الله , ففهم معني هذه المفاضلة ، وأدرك الفرق بين الخلق النوري البحت المجبول على الخير والعبادة والطاعة وبين نشأته التي هي مزيج من النور والظلمة ، ومحل نزاع دائم بين قوي الخير والشر . وان في استطاعته -إذا أراد - ان يكون ملكا كأكمل الملائكة ، وفي استطاعته - إذا أراد - أن يكون شيطاناً كأخس المردة والشياطين ، وأن من يشق طريقه إلى الخير بعد ان يهزم جنود الشر ، ويصل إلي النور بعد ان يكافح الظلمة ، خير ممن جبل بفطرته على الخير وخلق بفطرته من النور .
أبي الإنسان في الماضي أن يعد نفسه في عداد النفوس التي مآلها الفناء والفساد ، وعز عليه ألا يراها تتخطى حدود الزمان والمكان ، وتشق طريقها إلى الأزلية والخلود كما شقت طريقها من الأبدية إلي هذا العالم الأرضى ، فقال إنها جوهر لا كالجواهر المادية ، وموجود لا كهذه الموجودات الفانية ، بل روح إلهي هبط على الأرض من عالم السماء ، ومرده إلي العالم الذي منه هبط. فواجب الانسان نحو هذه النفس أن يصونها من أن تتلوث بأدران المادة ، أو أن تستعبدها شهوات البدن ؛ وأن يعمل على خلاصها فيطلقها في عالم الفكر ، أو يسير بها في طريق الرياضة الروحية التي تنتهي بها إلي تصفيتها.
وكذلك وضع افلاطون ومن نحا نحوه " فردوسه الأرضى " ( بوتوبيا ) لينعم فيها الإنسان ويحقق ما قدر له من كمال ، وضرب مثلا لما يجب ان يكون عليه " الانسان الكامل " الذي تتحقق فيه معاني الانسانية الحقة .
ومراعاة لقدر النشأة الانسانية وحقن دمائها سن الإسلام من القوانين ما لا أعلم دينا سماويا آخر أتى به أو بما يقرب منه . فأمر بالشفقة العامة بعباد الله وجعلها حتى بالرعاية من الغيرة في الله أو في أمور الدين . وفرض على أعداء المسلمين إما الصلح أو الجزية ولم يفرض عليهم القتل . وأوصي بالسلم فقال : " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله " وما أجمل ما يرويه المسلمون من أن النبي داود عليه السلام أراد أن يبني بيت المقدس فبناه مرارا . وكان كلما فرغ من بنائه تهدم . فشكا ذلك إلي ربه فأوحي الله إليه : " إن بيتى لا يقوم علي يدي من يسفك الدماء فقال داود : يارب ألم يكن ذلك في سبيلك ؟ " قال : " بل : ولكن اليسوا عبادى ؟ "
بل إن القصاص - وهو أول مبدأ يقوم عليه العمران وتؤمن به الحياة - قد عرضه الاسلام للتضحية من أجل الا يضحي بالإنسان . فقد خير ولى الدم بين ان يأخذ الدية أو يعفو عن القاتل . فأن أبي حكم بالقصاص وشرع أنه إذا كان اولياء الدم جماعة ورضي واحد منهم بالدية او العفو وابي الباقون إلا القصاص رجح رأي من عفا على رأي من لم يعف .
كل ذلك لحماية النوع الانساني وحقنا لدمائه وإبقاء على معني الخلافة التي منحها الله الانسان . فان الانسان ما دام حيا يرجي له تحصيل صفة الكمال الذي خلق له ! وكل من يسعي إلي هدمه وتخريب كيانه إنما يسعي في منعه من الوصول إلي هذه الغاية .
كان هذا شأن الانسان في الماضي وكان موقفه من نفسه وموقف الأديان منه . سما بنفسه على جميع المخلوقات ، وخلع عليها كل معاني الفضل والنبل والاعظام والتكريم والتقديس . فما باله اليوم قد نزع من رأسه ذلك التاج . الذي توجه به بالأمس ، وانزل نفسه من العرش الذي أجلس نفسه عليه بالأمس . واختار لنفسه بين الخلوقات تلك المنزلة الوضيعة التي أباها عليها بالأمس ؟ ما باله قضى
على كل معاني الروح والروحية . وعلى كل فكرة متصلة بالقداسة والخلافة والخلود ؟ بل ما باله يعلن في فلسفته الجديدة في شئ من التواضع المزري أن لا فرق بينه وبين الحيوان والنبات والجماد , وان الكل خاضع لقوانين المادة وأحكامها ؟ ما باله جرد نفسه من معاني العقل والنفس والروح والحياة ، مدعيًا انها اسماء على غير مسميات ، وان لا شئ في الوجود إلا المادة وحركاتها والأفعال الآلية وأنواعها والعناصر وتفاعلاتها ؟
قضي علي فكرة الكمال والغاية ، وقال لا كمال إلا ما يؤدي إليه التطور الطبيعي ، ولا غاية إلا الهدف الذي يرمى إليه ذلك التطور ؛ وعبثا حاول المتخرمون من القدماء تكميل الإنسان ، لأنهم عموا عن حقيقته السبعية ، وصموا عن سماع زئيره ؛ وليس الانسان إلا حيوانا متعدد الوظائف معقد التركيب ؛ وآلة طبيعية إن فضلت الآلات الطبيعية الآخرى في شيء فانما نفضلها في إحكام الصنع ودقة الأجزاء : فلا فكر ولا وجدان ولا إرادة ولا شعور ، وإنما هذه كلها انواع من الحركة في جوهر مادي وأفعال وانفعالات في خلايا المخ
استعاض عن القيم الروحية العليا القيم المادية الدنيا ، فكثرت مطالبه المادية وتنوعت ، حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت ، وأخذ يتطلع ببصره إلي السماء عله يري مكانا يجد فيه موردا آخر للمادة أو منبعا آخر للثراء . وقال : ما هذا الشرف الرفيع الذي أولاه الانسان نفسه وخصها به دون سائر الموجودات ، وهو كائن حقير من بين كائنات هذا الكوكب الأرضى الحقير ، وذرة من بين ذرات الكون التي لا تتناهي ؟
وإذا ما تصور فردوسا أرضيا " اليوم ، تصور عالما تقدس فيه القوة ، ويسود فيه العنف والبطش والحروب ، ويداس فيه التواضع والحلم والعفو والاحسان ، وتنمحي فيه الشخصية والفردية ، وكل ما هو مميز للانسان . بل ليست القوة التي يدعو إليها ، ويضحي بكل ما هو خير
وفاضل وجميل من أجلها قوة الفرد ، بل قوة الجماعة او قوة الدولة ، إذ لا قيمة في نظره للفرد الانساني إلا بمقدار ما يؤدي من عمل لخير الجماعة .
لذلك نراه اليوم يزج بأبناء جنسه زجا في ميادين القتال ، تذبح الملايين منهم في المعركة الواحدة مستشهدين في سبيل تحقيق مطمع شخصي أو إرضاء رغبة قومية . في هذه الميادين التي عمت اليوم وجه ذلك الكوكب التعس تحصد النفوس الانسانية البريئة حصدا ، وتراق الدماء الانسانية التي عظمها الله وحفظها وأوصي برعايتها .
ولقائل أن يقول : إن النزعتين قد ظهرتا في كل العصور ، والفلسفتين قد تمثلتا في كل دور من ادوار التطور الفكري الإنساني ، فما هذا التشاؤم الذي يقطر من قلمك ؟ الم يوجد في العصر القديم ديموقريط إلى جانب افلاطون ، والسوفسطائيون إلى جانب سقراط ؟ وفي العصر الحديث ديكارت وكانت وليبنتز إلى جانب هنر ولوك واسبنوزا . وبرغمون وميل إلى جانب نيتشه واسبنسر ؟ الا يوجد اليوم روزفلت وتشيرشل إلى جانب هتلر وجورنج ؟ ألم يظهر في كل عصر - حتى عصرنا الحاضر - من يتفاءل بالإنسانية خيرا ويعرف للانسان قدره وحقوقه ، ويدرك قيمته فيما يراه من انتاجه في ميادين الفكر والفن والعمل ؟
نعم تردد الانسان في ادواره المختلفة بين فكرتى المادية والروحية وفلسفتي الحق والقوة والتفاؤل والتشاؤم ؛ ولكني لا أعلم عصرا من عصور التاريخ - حتى عصور الرق والاستعباد - كان أكثر وبالا على الانسان من عصرنا الحالي ، ولا فلسفة في الحياة أكثر إهدارا للحياة من فلسفتنا الحاضرة . فان الانسان لم يكن في وقت من الأوقات أقل تقديرا لنفسه ولا أكثر تقديسا لكل ما هو مادي وآلي وطبيعي ، ولا أزهد في كل ما هو روحي ومعنوي ، ولا اضعف إيمانا بعقله وروحه ومنزلته من العالم منه اليوم .

