الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 255 الرجوع إلى "الثقافة"

كارثة لبنان

Share

بعد تهيئة (( الثقافة )) للطبع حمل إلينا البرق خبرا غربيا فى بابه ، وهو أن اللجنة الفرنسية فى لبنان أرسلت جنودا من جنودها السنغاليين قبضوا على رئيس الجمهورية ، وعلى رئيس الوزارة ، وعلى أكثر الوزراء ، وعلى ثمانية وأربعين نائبا ، وعلى عدد كبير من أفراد الشعب ؛ وأعلنوا وقف الدستور الحالى ، وإلغاء مجلس النواب ، وإقامة حكومة مؤقتة !

وهو تصرف لم يكن يخطر ببال أسوأ الناس ظنا بفرنسا والفرنسيين - انتخابات حرة نشأ عنها تكوين مجلس برضا الأغلبية العظمى من اللبنانيين ؛ ثم تمسك من المجلس بحقوق البلاد ، وتعديل للدستور فى مصلحة الأمة ؛ كل هذا يثير ثائرة المندوب الفرنسى ، فيحطم العهود الماضية باستقلال البلاد ، والميثاق الإطلانيطى بتحرير الأمم ، ويعتدى على الحقوق الطبيعية لكل أمة فى تصريف أمورها حسبما ترى من مصلحتها .

هذا عمل الفرنسيين الذين طالما نادوا بالحرية ، وأشعلوا نار الثورة الفرنسية لتحقيق الحرية والإخاء والمساواة ؛ كأن هذه المبادئ إنما هى مبادئ فقط لمعاملة الأوربى للأوربى ؛ أما الشرقى فليس إنسانا له حقوق وله حرية ، ولا يحترم له عهد ، ولا يوزن له نداء ؛ فإذا نادى بحرية انتخاب ، وحقق له مجلسا يرضاه ، امتهن هذه المهانة ، فاعتدى على من اختارهم ، وهوجمت بيوتهم فى الليل ، وأبعدوا إلى مكان مجهول .

هذه هى فرنسا التى تنادى فى حق نفسها بالعدالة ، بعد أن حاربت وهزمت ، وتطالب أن تكون لها منزلة رفيعة بعد الحرب ، وأن تستشار فى مبادئ الصلح ؛ هذا فى حق نفسها ؛ أما من انتدبت عليهم فليس لهم من حقوق كانهم ليسوا من البشر ، ويفرض عليهم من لا يثقون به فيجيبون ، فإن لم يفعلوا ذلك فلا مجلس ولا برلمان . ولا حرية ولا أمن !

فى أى عصر نعيش ؟ أهذا هو حرب فرنسا الذى كان - فيما يزعمون - لتحرير الشعوب وتحقيق العدالة ، أم هى ألفاظ جوفاء تضحك بها على الأمم المستضعفة ، فإذا جد الجد فاستعباد وإذلال !

ثم إنه يظهر بجلاء أن الأمم العربية لا تقبل بعد اليوم مذلة ، ولا تنام على ضيم ، وأن الضيم يلحق بإحداها يلحق بها جميعا !

هذا ما تفعله فرنسا اليوم ، وهى مهزومة فى الحرب ، محتلة بلادها ، شاكة فى مستقبلها ؛ فكيف بها إذا عاد إليها شئ من قوتها ؟! إنها إذ ذاك لا ترضى بالاعتقال والنفى .

لقد كانت فرنسا سابقة العالم فى مبادئ الإنسانية بالثورة الفرنسية ، واليوم وراء العالم فى معاملة الضعيف الناهض بكتم أنفاسه والتضييق عليه !

الحق أن هذا الفصل من فرنسا أفقدها عطف كثير ممن يعطفون عليها .

وليس يرضى الأمم العربية الآن إلا تصحيح ما وقع من خطأ ، والاعتذار عما ارتكب من ظلم !

اشترك في نشرتنا البريدية