كان الإنسان ينظر فيما مضى إلى السماء ، ويدهش لما فيها من نجوم بعضها ثابت وبعضها يتهاوى فى الفضاء كأنه وجوم للشياطين . وقد حاول الإنسان منذ عهده الأول أن يقوم بإحصاء هذه النجوم كما لو كان قد نفض يديه بعد ان فرغ من إحصاء ما على الأرض التي يعيش فوقها من أشياء . وبلغ من جهله وقصر نظره أنه قدر عدد النجوم في أول أمره ببضعة آلاف . ولكن العلماء بعد ذلك توصلوا إلى المجهر المكبر الذي يرينا الأشياء مكبرة آلاف المرات ،
فاستطاع الفلكيون أن يحصوا بهذه المجاهر المكبرة حوالى ١٥٠٠ مليون ( ألف وخمسماية مليون ) نجم أى أن ما امكن رؤيته من نجوم السماء حتى اليوم يبلغ عدده مثل عدد البشر الذين يعيشون على سطح الكرة الأرضية . والله وحده هو الذي يعلم حقيقة ما وراء هذا العدد العديد من النجوم . فانه بديع السموات الذي يعلم السر وأخفى !
ولكى نقرب إلي أذهاننا عظمة هذا الكون الذي كشفت عنه مجاهرنا ، يجب ان نبدأ بتعريف القارئ بأن هذه المجموعة النجمية الهائلة تشتمل فيما تشتمل عليه على نجم عادى اسمه ( الشمس ) . لا هو في عبر النجوم ولا تغيرها ، وان هذه الشمس على الرغم من تفاهتها وسط ما يحيط بها من نجوم أخرى - يمكنها أن تحتوى فى جوفها على أكثر من مليون كرة ، كل واحدة منها في حجم الكرة الأرضية !
هذا من جهة ضخامة النجوم . . أما من حيث رحابة القضاء الذي تسبح فيه ، فيجب أن يعرف القارئ أولا أن الفلكيين لا يستعملون الميل ولا الكيلومتر في قياس ابعاد النجوم . لان هذه المقاييس الصغيرة الدنيئة إنما تصلح على سطح الأرض الضيق المحدود . فيقول الناس مثلا إن المسافة بين القاهرة والإسكندرية حوالى مائتى كيلومتر تقريبا . فاذا انتقلوا من ذلك إلى تقرير المسافة التي بين الشمس والأرض وقالوا إنها حوالى مائة مليون ميل لم يفهم عنهم السامع ما يقولون ،
لأن الرقم ضخم لا يعيه صدر الإنسان ولا يفهمه عقله . ولذلك أرادوا أن يقربوا معنى هذه الأرقام إلى الذهن ليفهم الإنسان العادى معنى هذه الأبعاد التى يريدون أن يحدثوه عنها . فوجدوا أن الضوء ينتقل من مكان إلى مكان بسرعة هائلة قدروها بأنها ١٨٠.٠٠٠ ميل فى الثانية الواحدة .
ومعنى ذلك أنه إذا أضاء شعاع في مكان ما رآه الناس الذين في مكانه وقت إضاءته ، أما من كان على بعد ١٨٠.٠٠٠ ميل من ذلك المكان ، فانه لا يستطيع أن يراه إلا بعد انقضاء ثانية واحدة على وقت إضاءته . وهذه الثانية الواحدة هي كل الوقت الذي يحتاج إليه موجة الضوء لتقطع فيه كل تلك المسافة
فإذا تكلم الفلكيون اليوم من المسافة بين الشمس والأرض ، فأنهم لا يتحدثون عن ملايين الاميال التي تقع
بين جرميهما . ولكنهم يقولون إن هذه المسافة يقطعها الضوء في ثمان دقائق ! ومعنى ذلك أن الشمس إذا طلعت على مكان ما في الأرض ظلت ثماني دقائق لا يراها الناظر على سطح الارض في ذلك المكان حتى يصل إليه شعاعها الأول . وكذلك إذا غربت . بظل أهل الأرض يرونها مائلة أمام أعينهم في الأفق الغربى لمدة ثمانى دقائق ، وهي في واقع الأمر ليست هناك البتة لأن الذي يرونه منها إنما هو آخر شحنة من الأشعة التي انبعثت عن سطحها في الثماني دقائق الأخيرة من مدارها النهارى !
والنجوم المنتشرة في الفضاء حول الشمس بعضها قريب منها . وبعضها بعيد عنها . ولكى ندرك معنى هذا القرب الفلكي نقول إن أقرب نجم لنا هنا في الأرض من بعد الشمس لا يصلنا ضوؤه إلا بعد أكثر من أربع سنين ويبقى على القارئ بعد ذلك أن يحسب كم في هذه السنين من ثوان ثم يضرب الناتج في ١٨٠,٠٠٠ ليعلم كم بيننا وبين هذا النجم الأقرب من أميال !
ومعنى ذلك مرة أخري أن ما نراه بالمجهر إذا نظرنا إلى هذا النجم هو حالة النجم قبل اربع سنين وليست حالته الآن كذلك لو فرضنا أن هناك من يعيش على كوكب يتبع هذا النجم ونظر بمجهر إلى الأرض فإنه يراها كما كانت قبل أربع سنوات ! أي أنه يراها وهي لا تزال تحمل على ظهرها السيدين السندين : هتلر وموسوليني !!
فإذا كنا لم ننس بعد ما قلناه من أن " المدينة النجمية " التي نتبع لها نحن وشمسنا تشتمل على ملايين النجوم . وأضفنا إلى ذلك ما قدره الفلكيون من ان هناك نجوما بعيدة عنا بعدا هائلا ، بحيث يقطع الضوء المسافة التي بيننا وبينها في مائتي ألف سنة كان معني ذلك ان المشاهد بها إذا ما نظر إلى سطح الارض اليوم رآها - لا كما تبدو لنا محن سكانها - ولكن على تلك الصورة الغابرة
قبل أن يتمدن الإنسان أيام كان يسكن في المغارات ، ويعيش على الصيد !
ومع الاستطراد في هذا الشرح الجميل نستطيع أن نفترض وجود نجوم اخرى تكون اقرب إلينا من ذلك النجم البعيد . وان من بين هذه النجوم القريبة من إذا تطلع إلى بلادنا رآها في عصر الفراعنة . فإذا كان اقرب من ذلك قليلا رأى عمرو بن العاص وهو يسير بجيشه نحو مصر . ذلك لأن سور ما يقع على ظهر الأرض من احداث تنطلق في الفضاء فتتلقفها صحف هذه النجوم واحدة بعد واحدة ، وكل حدث يحدث على سطح الأرض أو في أية بقعة اخرى من بقاع هذا الكون الواسع تنتقل صورته بسرعة الضوء إلى باقي انحاء الكون لتخيرها مما حدث هناك - في الجانب الآخر من تلك الدار الفسيحة التي يصح فيها - بطبيعة الحال - ما اعتدنا أن نقوله نحن فيما بيننا من أن ( رب الدار أعلم بما فيها ) . .
وما أجمل أن يستشهد الإنسان فى هذا المقام بمعنى هذه الآية الكريمة : (( قال فما بال القرون الأولى ؟ قال علمها عند ربى فى كتاب لا يضل ربى ولا ينسى )) . فالآن ، وفى ضوء هذا العلم الحديث يستطيع أن يصور الإنسان لنفسه إلى حد ما معنى (( اللوح المحفوظ )) ومعنى أن الله بكل شىء محيط ، وأنه وسع كريسه السموات والأرض ، ولا يؤوده حفظهما وهو العلى العظيم .
تلك هي مدينة النجوم التي تتبع لها شمسنا ، والتي يعرفها الفلكيون باسم ( مدينة غاليليو ) نود قبل أن نبرحها لننظر إلى غيرها أن نعمل على تجسيمها في صورة رمزية تمكننا من أن نحفظ عنها في نفوسنا صورة تكون أكثر دقة وأشد وضوحا .
ولنبدأ بالمجموعة الشمسية . وهي الشمس وكواكبها التسعة التى تحيط بها وتدور حولها فاذا نحن صغرنا هذه
المجموعة ملايين الملايين من المرات . فأصبحت الشمس فى حجم كرة القدم . وأصبحت الكواكب فى حجم الرمال والحصى . وتصورنا أن الشمس كانت ككرة قدم فى وسط ميدان ابراهيم باشا لكانت الأرض كحبة رمل عند درجات فندق ( الكونتننتال ) . والقمر كحبة أصغر من ذلك تقع على أرض الطريق بجوار الافريز . أما أبعد كواكب هذه المجموعة فيكون كحصاة أخرى تقع عند تمثال نهضة مصر بميدان باب الحديد !
فإذا استعملنا هذا القياس لتعرف أين يقع أقرب نجم لنا بعد الشمس وجدنا انه يقع في مكان ما عند الإسكندرية ذلك هو النجم الذي قلنا عن ضوئه إنه يصلنا في نحو اربع سنوات . ولك بعد ذلك ان تتصور اين يقع ذلك النجم الآخر الذي قلنا إن ضوءه لا يصلنا إلا بعد مائتى ألف سنة ! وأن تقدر لنفسك مدى اتساع هذا الكون !
ولكن الكون ليس هو ( مدينة غاليليو ) وحدها بنجومها المعروفة لنا والتى استطعنا أن نحصيها إلى حد ما . فقد تمكن الفلكيون بمجاهرهم الحديثة الرائعة أن يفطنوا إلى وجود أكثر من مليونى مدينة نجمية مبعثرة فى أجواز الفضاء ، ويصلنا الضوء من أقربها إلينا فى ٨٥٠.٠٠٠ ( ثمانمائة وخمسين ألف سنة ) مما نعد . أما البعيدة فقد حسب الفلكيون ما بيننا وبينها من بعد وقدروه بأربعين مليون سنة ضوئية !
ومعنى ذلك من جديد أننا إذا افترضنا وجود من يستطيع أن يقف هناك لينظر من موضعه ذاك إلى سطح الأرض لرآها اليوم على تلك الصورة البدائية التى لم تكن الحياة قد نشأت فيها بعد . لأن صورة الأرض كما نعرفها نحن اليوم تحتاج إلى أربعين مليون سنة ضوئية حتى تصل إليه !
وإذا أردنا أن نظل نستعمل طريقة التقريب التي اتبعناها في هذا المقال . وحاولنا ان نعطي فكرة عن المسافات الواسعة التي تقع بين ( السدم ) أو ( المدن النجمية ) لوجب علينا أن نبدأ ) بمدينة غاليليو ) فنتخيل انها قد تضاءلت في الحجم مليارات المليارات من المرات ، فتلاشت الشمس وباقي النجوم وأصبحت المجموعات النجمية في حجم ذرات الدخان . وأصبحت السديمة بحكم هذا التكوين الفرضي الجديد في حجم غمامة بيضاء صغيرة تعلو سطح مدينة القاهرة . حينئذ تكون أقرب سديمة لنا ( من المليوني سديمة التي استطاع ان يحصيها الفلكيون حتى اليوم ) كغمامة لطيفة اخرى تسبح في جو مدينة ( الواسطي ) . ولكن لا يفوتنا ان نعلم ان من هذه السدم ما يمعن في البعد عنا حتى ليكون موضعه في هذا المثل الذي اخترناه فوق مدن أوستراليا أو أمريكا الجنوبية !
بقى على ختام هذه الكلمة أن نتساءل سؤالا أخيرا : - ما الذى يمسك هذه (السدم) فى الفضاء بنجومها ، وكواكبها ، وتوابعها ؟
وهل هي ثابتة في أماكنها أم متحركة ؟ وإن كانت تتحرك فإلى أين ؟
والجواب الذى حققه الفلكيون ردا علي هذا التساؤل : هو ان النجوم بجنب بعضها بعضا كانها تسبح في شبكة واحدة . وأنها تسبح في الفراغ متزنة تحت تأثير ملايين من قوى التجاذب المختلفة . وأنها في اندفاعها ذاك تسير بسرعات هائلة تمكن الفلكيون من قياسها . فقالوا عن الشمس مثلا : إنها تسير بسرعة مائتي ميل في الثانية الواحدة ومعنى ذلك اننا لو فرضنا ان القطار السريع الذي نعرفه نحن هنا علي سطح الأرض ضاعف من سرعته عشرة آلاف ضعف وسار في طريقه مندفعا بهذه السرعة الهائلة . وافترضنا بعد ذلك أن الشمس كانت مصباحا في عربة من
عربات ذلك القطار . فإن المجموعة الشمسية تكون كتسع فراشات منها الصغير ومنها الكبير . وفيها القريب من المصباح وفيها البعيد . ولكنها كلها دائمة الدوران من حوله وهو في سقف تلك العربة التى يندفع بها القطار قدما في فضاء الله الذي لا حد له !
وكما أن التابع - (كالقمر) مثلا - يدور حول كوكبه ، وكما أن الكوكب يدور حول نجمه - كما تفعل الأرض حول الشمس - وكما أن الشمس تدور حول محورها فضلا عن اندفاعها فى الفضاء بتلك القوة التى وصفناها فكذلك لاحظ الفلكيون أن السدمفضلا عن أنها تدور حول محاورها فإنها تعدو سابحة فى الفراغ بسرعات هائلة وهى فى اندفاعها هذا يتباعد بعضها عن بعض منتشرة فى هذا الفضاء الواسع الذى لا يدرك الذهن البشرى حدوده ، فكأنما الكون الذى بدأ محدودا فى أول أمره على صورة ما من صور التحديد لا يفتأ يزداد نموا واتساعا يوما بعد
يوم ، بل ساعة بعد ساعة ، فإن مقياس سرعة السديمة فى الساعة الواحدة بلغ فى تقدير بعض الفلكيين ستة وعشرين مليونا من الأميال.
وهكذا يتجلى أيضا في ضوء العلم الحديث ذلك المعنى الرائع الذي تنطوى عليه تلك الآية الكريمة اولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما . وجعلنا من الماء كل شئ حى . أفلا يؤمنون ؟ "
وبعد : فهذه باقة زاهرة اقتطفتها من ذلك الروض لحافل بكل شائق مطرب من امثال هذه الحقائق الكونية البديعة التي قدمها الاستاذ صلاح الدين خشبة للقراء باسم " العلم والإيمان " في كتيب صغير لا يتجاوز حجمه حجم راحة الكف ولكنه في مادته المركزة القيمة يحيط بما لا يحيط به المائة ولا الألف

