الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 655الرجوع إلى "الثقافة"

كان عالما جليلا

Share

) الصديق الخالد المشكور له الأستاذ عبد الرحيم محمود (

خلق المعلم ، وعاش للعلم ، حتى إذا ما أدى واجبه كاملا غير منقوص ، راح إلى جوار ربه قرير العين ، مثلج الصدر . مرتاح الضمير ، وراح صديقه إلى قبره ساخن العين . حران الصدر ، حزنان الضمير ١ .

شيعاء بالأمس إلي قبره . وكنا نحسب أننا سنلتفي بجنازة حافلة تتلاطم فيها أمواج الأصدقاء ، وتتلاقي فيها عيون الصفوة المختارة من كبار الأدباء والعظماء . ولكن الذي نعي العالم الجليل " عبد الرحيم محمود " لم يحسن النعي ولم يوفق فيه ، ولم ينشر خبر وفاته كما ينبغي أن يذاع ، وهو هو الأديب الكبير الذي شمل فضله جمهرة الأدباء ، وانتفع بعلمه كبار العلماء .

فإني لأعلم يقينا أن " عبد الرحيم " كان أستاذا لكبار أدباء هذا الجيل ومرشدا لهم ، وأعلم يقينا أنهم كانوا يعترفون له بهذه الأستاذية ويفخرون بها في مجالسهم وأحاديثهم ، وأنهم كانوا يحاولون بقدر الإمكان أن يجزلوا ثوابه على هذا الفضل البارع ، ولكن سوء حظ الأديب يأبي إلا أن يحالفة حتى الممات !

كانت جنازته جنازة صغيرة ، ولكنها كانت على صغرها تضم نخبة مختارة من المثقفين . فكان فيها كاتب واحد كبير ، وأستاذ واحد من أساتيذ الجامعة ، ومؤرخ واحد من كبار المؤرخين ، وشيخ واحد من أعضاء الشيوخ ، وقاض واحد من القضاة الوطنيين ، وصحفى واحد من خيرة الصحفيين . وموظف واحد من كبار موظفي المجمع اللغوي ، وآخر من كبار موظفي وزارة المعارف ، فكان هؤلاء إلى الضيف من زملائه بدار الكتب المصرية هم الذين أسعدهم الحظ بشرف السير في جنازته . وإني لأري أن ذلك جاء طبقا لرغبته وسنته في العيش ، سنة التواضع العميق ، والبعد عن زخارف الحياة وتهاويلها .

* كان عبد الرحيم عالما جليلا نافذ البصر ، وأدبيا فحلا ناقد النظر ، وكان ملجأنا وموئلنا حين تظلم شبهات العلم ،

وتختلط موازين النقد ، فيجلي عن تلك ، ويفصل بين هذه بما آتاء الله من مقدرة عالية ، ومن اتزان على بلغ الغاية أو أوفي على النهاية .

كان عبد الرحيم مصباح القسم الأدبي بدار الكتب منذ أكثر من ثلاثين عاما ، وإليه يرجع الفضل في كثير مما ظهر من محققات الدار .

وكان نبراس لجنة إحياء آثار أبي العلاء ، وإليه يرجع كثير من الفضل فيها ظهر من آثار أبي العلاء . وأشهد لقد كان أستاذنا ومرشدنا في هذه اللجنة ، وكثيرا ما كنا نختصم اختصاما شديدا ونراه المخطئ الذي لا ريب في خطئه ، فإذا هو يصارنا ويصابرنا في ثقة الأستاذ وإيمانه حتى يقع الحق في جانبه ، فنهرع إليه معترفين له به ، ثم نشد على يده اعجابا بفضله وخلقه العلمي .

كان عبد الرحيم أستاذا للتحقيق العلمي ، يتأتي لمجاهيل العلم من حيث تخيب ظنون الناس ، وينهدي إلى مشاكله من حيث تضل الأقوام ، وكان صبورا على التحقيق والتنقيب ، مجابا للتسرع والاندفاع ، وقد تمكث الكراسة الواحدة من تجارب الطبع تحت بدء زهاء الأسبوع ، وهو بيدىء النظر فيها ويعيد ، ولا يتركها حتى يجلوها سليمة من الخطأ ، بريئة من العيب ، كل ذلك في أمانة بالغة ، وحرص علمي كبير .

وكان حجة عظيما في مسائل العربية ولغات العرب ، فكانت فتواه القول الفصل ، والبرهان الساطع .

وكان قوي الذاكرة يعلم العلم فيحتفظ به سليما كما هو لا تغيير ولاتبديل . ولقد زرته فتات في حجرته المتواضعة ، ولست أجد لديه من الكتب والمراجع إلا لسان العرب لابن منظور ثم نفعه أخيرا بمعجم مقاييس اللغة لابن فارس ، لأنه كان بعتمد على ذاكرة عبقرية ،تعي من أعماق الماضي ما لا يعيه المحدثون من سطوح الحاضر !

وكان عبد الرحيم صديقا وفيا خالص الوفاء . وكان ذا مروءة فياضة ، وكان على ضيق ذات يده مفرط الجود ،

لا يضئ أن يتبرع بجاهه ، بإذ كان له جاه عظيم لدي كبار رجال الدولة ، وكثيرا ما جلب إلى أصدقائه ومواطنيه من أبناء الصعيد خيرا كثيرا ، ودافع عنهم أذي كبيرا ، وأعلم لقد جلب الخير إلى كثير ممن وصلوا إلى السلطان

كان عبد الرحيم ظل الصيف : كان ذا دعابة وفكاهة يصدران عن أدب جم، وخلق سمح ، وذكاء جميل ، وكان مجلسه سرورا ومتعة عالية . وكأني بجميع أندية القاهرة تعرف عبدالرحيم ، إذ كان يتردد عليها منذ صباه ، وله في كل منها أصدقاء، ومريدون . كان عبدالرحيم صديقا للقاهرة ، وعفت في جنازته بالأمس أنه آثر أن يدفن في القاهرة علي أن يدفن في مسقط رأسه ، وأوصي بذلك إلى أحد أصدقائه المختارين الذي

اختار له مثوي كريما في مقبرة أسرته في حي الإمام الشافعي . فليرحمه الله وليسكب عليه محاسيب رحمته ورضوانه

لقد ترك عبدالرحيم في قلوب أصدقائه كلوما لا تبرأ ، وجراحا لا تندمل وفي صفوف تلاميذه والمعجبين به فراقا لا يسد ، وثقة لا ترأب ، ولكنه ترك للعلم جهادا صالحا ، وللوفاء والبر مثالا عاليا ، وللمروءة والكرم منارا واضحا ، وللصبر وقوة الاحتمال علما شامخا

عليك سلام الله قيس بن عاصم  ورحمته ماشاء أن يترحما

تحية من غادرته غرض الردى  إذا زار عن شحط بلادك سلما

وما كان قيس هلكه هلك واحد  ولكنه بنيان وم متهدما

اشترك في نشرتنا البريدية