الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 319الرجوع إلى "الثقافة"

كتابان فى الأحكام السلطانية، فأيهما الأصل ؟

Share

بين يدينا كتابان في موضوع الأحكام السلطانية ، أحدهما لأبي الحسن على بن محمد الماوردي الشافعي ، والآخر لأبي يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي ، وقد طبع الأول طبعته الأولى سنة 1853 )1 ( والثاني سنة 1938 )2 ( ومن يمعن في هذين الكتابين يري تقاربا عظيما وعلاقة قوية بينهما في نواح تدعو إلي الشك ، لأنهما يبحثان في موضوع واحد هو ) السياسة الشرعية ( ويتناولان أبحاثا متشابهة ويعالجان مشاكل واحدة ، ويتقاربان في زمن ظهورهما ، لأن المؤلفين معاصران لبعضهما - القرن الخامس الهجري . ومما يدعو إلي الدهشة ويوقف القارئ موقف الحيرة والتردد تقارب عبارات الكتابين واتفاقهما

نصا ، إلا النزر اليسير فيما يختص بمذهب المؤلفين ، فيضيف الماوردي على الأحكام التي يذكرها ما يتعلق بمذهب الشافعي ، وأبو يعلى ما يتعلق بمذهب الحنبلي . أما الأصول التي يقوم عليها البحث في كلا الكتابين ، وكذلك الأبواب وتقسيم الأبحاث فهي متجانسة في الاثنين

وأول ما يتبادر إلى ذهن المتتبع في مثل هذا الموقف التساؤل : أركن أحد المؤلفين على الآخر في تصنيفه أم اعتمد كلاهما علي مصدر آخر مجهول لدينا ؟ . ومن الطبيعي أن هذا يؤدي بنا إلي البحث عن السابق في التأليف ومدي اعتماد صاحبه عليه . ولا غرو فإن سؤالا كهذا يتطلب درسا عميقا لكل من المؤلفين . ولا سيما ما يتعلق بحياتهما ومنزلتهما العلمية وأثرهما الفكري ، ومن ثم النظر في مؤلفاتهما الأخري ، إن وجدت ، ومقارنتها بهذين الكتابين من حيث الأسلوب والآراء . وحينئذ يمكن الوصول إلي شيء من الحكم التقريبي بشأنهما .

أما الماوردي فنكاد نجد ما يشفي الغلة عن تاريخ حياته ومركزه العلمي ، في معظم كتب التاريخ والتراجم التي ألفت بعده ، مثل : وفيات الأعيان ، والوافي بالوفيات ،

ومعجم الأدباء ، والكامل في التاريخ ، والمنتظم ، وطبقات الشافعية ، وغيرها . . والذي يدرس ماجاء عنه في هذه الكتب يراها تتفق في أنه توفي سنة 450 للهجرة وله من العمر ست ثمانون سنة ، وهذا معناه أنه عاش منذ منتصف القرن الرابع حتى منتصف القرن الخامس للهجرة وقد كان هذا العصر عصر انحلال سياسي في الدولة الإسلامية ، إذ تجزأت المملكة إلي دول صغيرة ، ولم يبق بيد الخليفة غير بغداد وأعمالها . وكان منصب الخلافة نفسه ألعوبة بيد القواد من الترك والديلم الذين أصبحوا ينصبون ويخلعون الخلفاء ، تطمينا لمرتباتهم وتنفيدا لرغباتهم الخاصة ليس غير . على أن شبحا لسيادة الخليفة ببغداد -كما يقول منز- لا يزال ماثلا في أذهان الناس ، فكان الملوك والأمراء المنفصلون عنه يعترفون له بالسيادة ويخطبون باسمه ويرسلون إليه الهدايا ، محاولين بذلك الحصول على ألقابهم منه .

ومما يدعو إلي الاستغراب حقا أن تكون عصور هذه الفوضى السياسية من أخصب العصور الإسلامية في الإنتاج الفكري من علوم وآداب وفنون . ولكن هذا الاستغراب قد يزول إذا ما نظرنا إلي الأسس التي وضعها الخلفاء العباسيون الأولون أمثال المنصور والرشيد والمأمون ، فوصلوا بالدولة إلي أوج عزها السياسي واستقرارها الداخلي . ثم يجب ألا ننسي أن الملوك والأمراء الذين انفصلوا عن مركز الخلافة كانوا يتنافسون في تعضيد العلوم والآداب وتقريب العلماء وتشجيعهم ، ولعل في هذا ما يفسر لنا ظهور الفلاسفة والأدباء والفقهاء والمحدثين الذين نبغوا في هذا العصر . وكان الماوردي ممن حظي بنصيب وافر من هذا التشجيع ، فقد كان مقربا من الخلفاء العباسيين ، بدلالة ما يذكره ابن الأثير في حوادث سنة 450 من كتابه " الكامل " قائلا : " وأرسل القائم بأمر الله قاضى القضاة أبا الحسن الماوردي إلي الملك أبي كاليجار ليأخذ عليه البيعة

ويخطب له في بلاده فأجاب وبايع وخطب له في بلاده وأرسل إليه هدايا جليلة وأموالا كثيرة ) 1( . وما يذكره صاحب معجم الأدباء من أنه " كان ذا منزلة من ملوك بني بويه يرسلونه في التوسطات بينهم وبين من يناوئهم ويرتضون بوساطته ويقفون بتقريراته ) 2( . والذي لاشك فيه أن هذا مما يدل على سمو منزلته واتصاله بالناحية السياسية لعصره اتصالا مباشرا ، وقد صنف الماوردي كتبا عديدة في الفقه والتفسير والسياسة الشرعية ، منها كتاب " الأحكام السلطانية " الذي نحن بصدد البحث فيه وقد ألفه امتثالا لأمر من تجب طاعته عليه ، كما يقول في مقدمته ) 3( . وله كتاب آخر في نفس الموضوع هو " قوانين الوزارة ) 4 ( " . والذي يمعن الدراسة في الكتابين يجزم بسعة اطلاع الماوردي وغزارة علمه ، ولا يعجب بعد ذلك من مركزه العلمي الممتاز الذي تبوأه في عصره ، حتى إنه ولي القضاء ببغداد ، ولقب بأقضي القضاة سنة 429)5 ( هـ . وأن الكتب التي تترجم له وتعدد مؤلفاته تذكر كتاب " الأحكام السلطانية " بينها ، كما وأن كتبا قديمة نقلت عن هذا الكتاب ، فقد طبعت لجنة تذكار "كب " الإنكليزية في سنة 1937 كتابا

في الحسبة اسمه " معالم القربة لابن الإخوة القرشي بعناية الأستاذ " روبن ليفى " أحد أساتذة جامعة كمبردج وقد أشار الأستاذ ليفي في المقدمة التي وضعها للكتاب إلي أنه وجد تشابها كبيرا في فصول كثيرة بين كتاب ابن الإخوة المذكور - المتوفي سنة 729 هـ - وكتاب " نهاية الرتبة في طلب الحسبة " لابن البسام ، وكتاب " نهاية الرتبة في طلب الحسبة " للشيزري - المتوفي سنة 589  هـ- ولذلك فهو يتساءل : هل اعتمدت هذه الكتب الثلاثة على مصدر واحد ، أم أن " معالم القربة قد بني على أحد الاثنين الآخرين ؟ وهو أمر حسب رأيه لا يمكن البت فيه إلا بعد البحث والتدقيق ) 1( ، ولكن الأستاذ أحمد سامح الخالدي انبري للجواب على تساؤل الأستاذ ليفى ، إذ أثبت أن ابن الإخوة قد نقل كل ما جاء في موضوع الحسبة من كتاب الأحكام السلطانية للماوردي حرفا بحرف ، وأنه نسب بعض ما نقله إلي الماوردي ولم بنسب البعض الآخر ، ولذلك فهو على رأيه - منتحل لكتاب الماوردي ) 2( .

أما أبو يعلى فبالرغم من البحث فإني لم أعثر على ترجمة وافية له حلا ما جاء في كتاب ابنه " طبقات الحنابلة " . ومن يقرأ تاريخ حياته كما جاءت في هذا الكتاب ير أنه كان معاصرا للماوردي . فقد ولد سنة 380 هـ- وتوفي سنة 458 هـ ، وقد قضى شطرا كبيرا من حياته ببغداد حيث كان الماوردي . وولى القضاء في حريم دار الخلافة في عهد الخليفة القائم بأمر الله . وأنه كان إمام الحنابلة في - عهده عارفا بالقرآن وعلومه والحديث والفتاوي ، وقد

صنف ما يربو على السبعين كتابا أكثرها في علوم القرآن وتفسيره ، وفي الفقه والأحكام السلطانية ، وهذه الترجمة التي وضعها عنه ابنه تدلنا على سمو منزلته في عصره ، وأنه كان من أئمة العلم وقادة مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، وذا مكانة عالية عند الخلفاء ، وله تأثير عظيم في نفوس الناس ، وقد درس وتخرج عليه علماء كثيرون ) 1

ولكننا إلي جانب هذا لا نجد عنه شيئا في كتب التاريخ والتراجم الأخرى إلا النزر اليسير في بعضها . فالخطيب البغدادي وهو من معاصريه - توفي الخطيب سنة 463 هـ - لا يذكر عنه غير شيء يسير نستدل منه على أنه " كان أحد الفقهاء الحنابلة وله تصانيف علي مذهب أحمد بن حنبل وأنه درس وأفتي سنين كثيرة . . وولى النظر في الحكم بحريم دار الخلافة ) 2 ( ، كما أن صاحب كتاب " الكامل في التاريخ " عند بحثه في حوادث سنة 458 يشير إلى أنه " قد توفي في شهر رمضان من هذه السنة القاضي أبو يعلي وعنه انتشر مذهب أحمد رضي الله عنه ، وكان إليه قضاء الحريم ببغداد بدار الخلافة وهو مصنف كتاب الصفات ) 3( . وأن ابن الجوزي يشير إليه في كتابيه " المنتظم في تاريخ الملوك والأمم " و " مناقب الإمام أحمد بن حنبل " بما لا يخرج عن ذلك (4) أما بقية كتب التراجم فإنها لا تشير إليه بشيء أبدأ . ومن الغريب

أن ياقوتا يذكر في كتابه " إرشاد الأريب " حادثا نستدل منه ، إذا صح ، أن أبا بعلى لم يكن كما يدعي ابنه منزلة ، بل أقل شأنا بكثير . إذ يقول : " تقدم القادر بالله إلي أربعة من أئمة المسلمين في أيامه في المذاهب الأربعة أن يصنف كل واحد منهم مختصرا على مذهبه ، فصنف له الماوردي - الإقناع - وصنف له أبو الحسن القدوري مختصره المعروف على مذهب أبى حنيفة ، وصنف له القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن محمد بن نصر المالكي مختصرا آخر ولا أدري من صنف له على مذهب أحمد ) 1( . " فلو كان أبو يعلي إمام الحنابلة ، كما كان هؤلاء ، أئمة مذاهبهم ، لوضع كتابا مختصرا في مذهبه مثلهم ) 2 ( . وليس من الممكن أن يكون هو واضع الكتاب الذي أشار إليه ياقوت ولم يعرف واضعه ، إذ أن شهرته التي بروي لنا ابنه عنها ومنزلته في مذهب الإمام أحمد التي يذكرها الآخرون ، تكفي لأن يعرفه ياقوت وغيره .

وأغرب من ذلك أن دائرة المعارف الإسلامية التي تصدت للبحث في مختلف مواضيع التاريخ الإسلامي وشخصياته ، واجتهدت ألا تترك شيئا مهما دون أن تشير إليه ، تراها خالية من الإشارة إلي أبي يعلى . فإن المستشرق ) ?(Goldziher  ( الذي حرر الفصل الخاص فيها عن الإمام أحمد بن حنبل ومذهبه يذكر في آخر بحثه خلاصة عن كل الأئمة الذين جاءوا بعد الإمام أحمد وكانوا زعماء هذا المذهب . فيذكر أبا القاسم عمر الخراجي المتوفي سنة 334 هـ ، وعبد العزيز بن جعفر المتوفي سنة 363 هـ ، وأبا الوفاء علي بن عقيل المتوفي سنة 515 هـ- وتقي الدين أحمد بن تيمية المتوفي سنة 828 هـ (3) ، ولا يذكر أبا يعلى

كإمام للمذهب المذكور ، بل إنه لم يشر إليه بقليل أو كثير . ولعل مما يدعو إلي الاستغراب أيضا أن أحد هؤلاء الائمة ، وهو أبو الوفاء بن مقبل كان أحد تلامذة أبي يعلى كما يذكر ابنه في طبقاته ، وكما يشير ابن الجوزي في حوادث سنة 513 هـ- في كتابه " المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ) 1( .

لاشك أن هذا مما يدعو إلى الاستغراب ، وان الأمر لا يخلو من وجهين فهو إما أنه كان يكثر حساده ومنافسوه من المصنفين فلم يكتبوا عنه شيئا يتناقله الخلف بعدهم ، وإما أنه لم يكن بهذه الدرجة من المنزلة العلمية التي يشير إليها ابنه في طبقاته . على أنه مما يضعف الرأي الأول أن ابنه يدعي أن أباه كان مسالما محبوبا عند أقرانه ، وهذا ما يؤيده فيه غيره ممن كتب عنه من الذين ذكرناهم ، وخاصة ابن الجوزي . فهم يكادون يتفقون على أنه كان مسالما نزيها عفيفا وله الأصحاب المتوافرون

والذي نلاحظه فيما كتب عنه على قلته أن ليس هناك إشارة إلى كتابه " الأحكام السلطانية " ماعدا ما جاء في كتاب ابنه المذكور . وهنا نرجع إلي موضوعنا الأول فنتساءل : من هو ياتري المؤلف الأصلي للكتاب الذي نحن بصدد البحث فيه ، الماوردي ، أم أبو يعلى ، أم اعتمد الاثنان على مصدر واحد لا نعرفه ؟ ولكننا إذا وازنا بين منزلتي المؤلفين وشهرتيهما العلمية ، وإذا أخدنا بنظر الاعتبار تواتر كتب التاريخ والتراجم على نسبة الكتاب إلى الماوردي وعدم ذكره بين مصنفات أبى يعلى ، ثم إذا اضفنا إلى ذلك اقتباس بعض الكتب عن كتاب الماوردي وخاصة ما ذكرناه من اقتباس ابن الإخوة القرشي في كتابه معالم القربة ، كل هذه تجعلنا نميل إلي أن الكتاب للماوردي باعتباره مؤلفا مشهورا ومن أوائل من طرق البحث في موضوع السياسة الشرعية ، ثم إن اسلوب هذا الكتاب وعرضه

لا يختلف في شيء عن بقية كتب الماوردي وخاصة كتاب " أدب الوزير " الذي أشرنا إليه .

أما إذا افترضنا أن أبا يعلي قد انتحل كتاب الماوردي وأدخل عليه بعض التعديل مما يلائم مذهب الإمام أحمد ابن حنبل ، فإن هذا الرأي لا يمكن قبوله . لأنهما كانا معاصرين لبعضهما ، وكان كل منهما إمام مذهبه على عهده ، وكلاهما من الشهرة بمنزلة عظيمة ، فلا يستطيع أبو يعلى ، والحالة هذه ، أن ينتحل كتابا لشخصية مشهورة جدا ولها مركزها العلمي الممتاز مثل الماوردي ، ثم إن أبا يعلى يذكر في مقدمة كتابه المذكور أنه ألف هذا الكتاب ليشرح فيه الإمامة وما يتعلق بها من الولايات ، وإليك ما يقوله : " أما بعد ، فإني كنت قد صنفت كتاب الإمامة وذكرته في أثناء كتاب المعتمد ، وشرحت فيه مذاهب المتكلمين وحجاجهم وأدلتنا والأجوبة عما ذكروه ، وقد رأيت أن أفرد كتابا في الإمامة أحذق فيه ما ذكرت هناك من الدلائل وأزيد فيه فصولا أخر تتعلق بما يجوز للإمام فعله من الولايات ) 1 ( . ولذلك يبدو لنا

أن للأمر وجها آخر وهو ما نرجحه ، فقد يكون أبو يعلى قد ألقى دروسا في موضوع الأحكام السلطانية ، ورأي أن ما ذكره في كتابه " المعتمد " عن الإمامة وما يتعلق بها من الولايات وغيرها لا يفي بالمرام ، ووجد أن كتاب الماوردي في هذا الموضوع خير ما يعينه على ذلك ويكفيه مؤونة البحث والتأليف ، فاعتمد عليه وأخذ يمليه على طلبته بعد أن يحذف منه ويعدله أو يضيف إليه ما يتفق وأحكام المذهب الحنبلي ، إذ ان كتاب الماوردي موضوع على اساس المذهب الشافعي - وقد نقله جماعة من طلابه بهذه الصورة المعدلة وبقوا يحتفظون به على أنه كتاب إمامهم . ومن الممكن أن تكون وفاة الماوردي قبل أبي يعلى بثماني سنوات مما ساعدت على ترويج ذلك .

هذه مقدمة وجيزة لعلها تلقي بعض الضوء على هذين الكتابين ، وتضع أمام القارئ صورة واضحة لهما ولمؤلفيهما . وسنحلول في فصل قادم أن نقوم بدراسة مقارنة للكتابين لنتبين مدى التشابه الموجود بينهما ودرجة اعتماد أحدهما على الآخر ، مما يساعدنا على معرفة الأصلي منهما .

بغداد

اشترك في نشرتنا البريدية