أورد حضرة الأستاذ الجليل (ن) في العدد ٥٦٢ من الرسالة خبراً حول كتابة اللسان الإسباني بالحروف العربية استحدثه من أستاذنا الدكتور باول كراوس
وكأني بكثير من الناس لا يعرفون عن هذه الحقيقة التاريخية إلا اليسير؛ لذلك أحببت أن أقدم إلى أصدقاء (الرسالة) لمحة سريعة عن الظروف التي أحاطت بهذه الكتابة راجياً أن تتاح لي الفرصة للتحدث عن أدب المورسكيين الذي كان جله يكتب بالحروف العربية
بعد أن استرد الإسبانيان غرناطة - آخر معقل لدولة الإسلام في الأندلس - ظل كثير من المسلمين Moriscos يعيش في كنف الدولة الجديدة المنتصرة. ولكن سرعان ما اشتدت وطأة محاكم التفتيش عليهم، فحملوا - أمام هذا الضغط - على استعمال اللغة الأعجمية Aljamia في حياتهم الاجتماعية. ولم يكن في وسعهم حينئذ أن يكتبوها بالحروف اللاتينية؛ فلجأوا إلى حروف لغتهم العربية
وفي سنة ١٦٠٩ أقصى المورسكيون عن إسبانيا واندثرت لغتهم التي استحدثوها، فقضى بذلك على آخر مظهر من مظاهر الأدب الإسلامي في الأندلس
والأدب الأعجمي ككل أدب، له ناحيتان: النثر، ويتمثل في كتب الدين والشريعة وسير الرسل والشعر، وقد نظمت به المدائح النبوية وقصة يوسف
وهاهي ذي بعض الأبيات من قصة يوسف نظمها باللغة الأعجمية شاعر مجهول عاش في القرن الثالث عشر والرابع عشر: حديث دا يوسف عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
لُوَ مياْ نتُ أدَ الُّله أَلَلْتُ يَاشْ إبارْ دَادَار
أُنْرَّدُ إقُنْبِلِدُ شاُّنرْ دَارَايتُرَارُ
ثم يسترسل في ذكر الصفات الإلهية حتى يصل إلى قول يوسف لأبيه:
أكاشْتُ فُوَا كابِيُ أُنْزَ أشْترَالَّشْ
كامرَّشْ لفَرَّارَ تَيايَ كُنَالَّشْ
كاْلشُلْ إَللُنَ أَرَكا أَنْدَبَ أَنْتَرَالَّشْ
ومعناه: (إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)
ولا تزال خزائن المورسكيين مدفونة لم يكشف في القرن التاسع عشر إلا على القليل منها. ولعل في استخراجها من مدافنها ما يوضح مدى النشاط الفكري الذي بلغه هؤلاء القوم
المعذبون.
أحمد مدينة
