الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 309الرجوع إلى "الثقافة"

كتاب :، مهدى الله

Share

أخرجت لجنة دائرة المعارف الإسلامية سلسلة تراجم أعلام الإسلام ، فساهمت بذلك مساهمة قوية فى النهضة الأدبية ، التى تلمح أثرها واضحا فى هذه الأيام التى تدوى فيها أركان العالم بأصداء المعمعة الهائلة الدائرة فى الشرق والغرب ولا عجب فى ذلك ، لأن الهزة الكامنة فى أعماق نفوسنا تتخذ من هذه النهضه الأدبية وسيلة للتعبير عن شعورنا المنفتح وآمالنا المتوثبة . ولقد كان آخر ما اطلعنا عليه من هذه السلسلة الموفقة ، سيرة رجل لا نعلم أن أحدا استطاع من قبل أن يصور له صورة إنسانية خالية من التحامل ؛ هو رجل جمع بين الزعامة الدينية والزعامة السياسية ، وخاض غمار معركة كبرى صادم فيها مصالح مختلفة ، وعادى طوائف ذات نفوذ متغلغل فى أطراف متباعدة . فليس من العجيب أن نثير العداوات حول ذكراه

عاصفة هوجاء ليس من طبعها أن تكون عادلة فى وصفها ، ولا منصفة فى أحكامها قام السيد محمد أحمد المهدى يدعو إلي ما امتلأت به نفسه من الآراء الإصلاحية فى الدين والسياسة ، وأدت هذه الدعوة إلى ثورة مسلحة ضد الحكم المصرى فى السودان ، وتدخلت عوامل مختلفة بين شخصية وسياسية فى موقفه من الحكم ، فاستفحل أمر الثورة ،

وانتهى أمرها إلى أن صارت تيارا لا يقاوم . واستطاع الرجل الذى بدا دعوته خالصة للدين أن يؤسس دولة عظيمة فى قطر فسيح جعل لها أم درمان عاصمة ، وكان يطمع فى أن يمد سلطانه إلى حدود مصر ذاتها .

فالظروف التى نشأت فيها دولة السيد المهدى فى السودان فسحت المجال لأقوال كثيرة ، وتأويل بعيد لكل ما كان منه منذ ظهر إلى أن انتهى الأمر إلى المأساة الأخيرة ، التى زالت فيها دولته الناشئة بعدمونه بمدة يسيرة .

وقد استطاع الأستاذ توفيق البكرى مؤلف هذه السيرة أن يتخلص من العوامل التى أثرت فى حكم الذين تناولوا حياة السيد المهدى بالحديث فى مؤلفاتهم . ولقد كان من الطبيعى أن يتخلص الأستاذ توفيق البكرى من هذه العوامل ، لأنه من أبناء السودان الذين يقدرون أن يتغلغلوا إلى أعماق النفس السودانية ويكشفوا عن حقيقة أحاسيسها ؛ وهو فوق ذلك من الأدباء الأذكياء الذين تؤهلهم ثقافتهم للتسامى فوق التيارات التى تجرف الأحكام وتضل بها ، ولهذا أمكنه أن يضع نفسه حيث يرى البواعث التى بعثت ذلك الزعيم الدينى على النهوض إلى دعوته الإصلاحية . ثم أمكنه بعد ذلك أن يصفى أخبار التاريخ مما داخلها من الشوائب ، فوصف الوقائع فى صراحة وعدل ، وكشف الغطاء عن كثير من التيارات الخفية التى كانت تعمل من وراء الحوادث فى تلك الحقبة من التاريخ .

ولعل أبرز ما فى الكتاب ناحيتان : الأولى تلك الصورة الواضحة التى رسمها للرجل نفسه ، فقد استطاع أن يبدعها

صورة حية تنمو من الطفولة إلى الصبا إلى الشباب ، لا يكاد القارىء يرى فيها طفرة ولا تهويلا . قال فيه ، وهو فى أول الشباب إذ كان يطلب العلم :

" ويرتقب محمد أحمد فى غير تطلع ووجل رسالة أمله ليدفع بها عن نفسه غائلة الحاجة ويرد عادية الجوع ، وهو فى هذا الترف مطمئن إلى مورد المال الذى يرسلونه إليه ، فهو كد أيديهم وعصارة عرقهم . . . فإذا ما جاءه المال ألفاه كثيرا يربو على حاجته . . إنه إن ادخر شيئا لغده فقد تكالب على الدنيا . . ولن يستطيع أن يسف ويرق ...  ثم صمم فقرر وتصدق بذلك المال . واتخذ منذ اليوم الغابة سبيله ، فاحتطب منها وحمل أحطابه إلى السوق فباعها وتصدق ببعض ثمنها ، واقتات بالقليل الباقى " .

ثم قال : " فإذا أورقت الأشجار وجللها الندى وعسر عليه قطع أخشابها ، ذهب إلى النيل يصطاد أسماكه ولكنه لن يضع فى سنارته طعما فذلك تحايل وخداع . . وقد يمضى عليه يوم ويتلوه آخر والأسماك لا تقترب من صنارته فيطويها صابرا متجملا . . ويرتفع ماء النهر ، وترتحل الأسماك إلى لجته ، فلا يبقى له من شىء سوى ما يلمحه من بقايا البصل فى جروف الزرع القائمة على شاطىء النيل ،

ويهم يأخذ شىء منها وتحاسبه نفسه أنه لا يحق لها أن تنال شيئا من مال غيره ، فيستأذن أصحابها فى أن يأخذ ما يقع عليه جزاء عمل يقوم به " .

وقد واصل الرسم فى مثل هذه الألوان الطبيعية حتى انتهى إلى صورة صادقة لرجل لم نعلم إلى اليوم أحدا من الكتاب كلف نفسه عناء الصدق فى وصفه .

وأما الناحية الثانية التى يمتاز بها الكتاب ، فهى أنه استطاع أن يكشف الستار عن كثير من أسرار سياسة المهدى ؛ فقد بين أنه كان رجل دولة يتعرف مواطن اقدامه قبل أن يخطو خطوته ، وانه كان ثائرا مصلحا لم يتحدث عن السودان وعن مصر ، ولم يكن يعرف قومية تقوم فى

أرض محدودة ، ولم يحاول أن يثير فكرة وطنية سودانية تناضل سيادة مصرية أجنبية ، بل كان صاحب دعوة لا يبالي فيها أن يكون تابعه أبيض أو أسمر ، ولا يهمه إن كان الذى يتلقى الدعوة فى مصر أو أم درمان ، بل كان يطلق دعوته صريحة لا يطوى تحتها عصبية ، إنه لم يكن يريد " ملكا ولا جاها ولا مالا ، وإنما هو عبد يحب المسكنة ويكره الفخر وتعزز السلاطين ونبوهم عن الحق المبين " .

وكان يسعى إلى أن " يجدد لهذه الأمة ما اندرس من معالم دينها " .

إنها هذه الأمة . هذه الأمة التى نسيت الإسلام وقد جاء هو يذكرها به . إنها الاأة الإسلامية التى لا تعرف الحدود بين الوطنيات .

وكان شأنه فى هذا شأن سائر المصلحين الثائرين فى العالم الإسلامى ف القرن التاسع عشر .

وقد أحسن المؤلف الفاضل فى أنه بين فى كتابه رأى رجل من عظماء معاصرى السيد المهدى ، وهو عرابى باشا ، إذ قال فيه : " إننا نرى أنه قائم بدعوة دينية " .

وقال فيه أيضا : " كل داع إلى العدل والإصلاح فهو مهدى " . إن الهدى كما قال الأستاذ المؤلف لم يكن صاحب " حركة استقلالية أراد بها استقلال السودان وفصله عن مصر ، بل كانت حركته دينية بحتة . . " ، كان فيها "صاحب دعوة إصلاحية ورسالة دينية ، ولم يكن رجل دنيا أو طالب ملك " .

وإنا نعتقد أن هذا الكتاب الصغير قد خدم حقيقة العلاقة التاريخية بين مصر والسودان فى القرن التاسع عشر خدمة عظمى ، وأذاع احتجاجا قويا على حمله دعاية قوية قام بها مؤلفون جبابرة من قبل حاولوا بها الإيهام ، أن السودان قطر له فى الاستقلال عن مصر أرب قديم ، مع أنه لم يكن فى كل حياته سوى الجزء الجنوبى من الوطن .

وادى النيل .

اشترك في نشرتنا البريدية