الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 649الرجوع إلى "الرسالة"

كتاب ( أمريكا ) لستيفين فنست بقية

Share

إن هذا الكتاب الذي وضعه بالإنجليزية المستر ستيفن فنسنت بنيه ، ونقله إلى العربية الأستاذ عبد العزيز عبد المجيد ، إنما هو رحلة زمنية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية ، تسلملت أحداثه منذ أن وطأت أقدام الأوربيين أرض الدنيا الجديدة ، ثم ساير نهضة الوطن الأمريكي من بدء الهجرة العظيمة ، إلى عهد الثورة والإنفصال عن إنجلترا، وتحدث عن الدستور الأمريكي الأول وما دخله من تعديلات فى عهود مختلفة ، ثم وصف الجمهورية الناشئة وبناتها ، ثم ساق الكلام عن أبراهام لنكولن أحد قادة الحرية فى العصر الحديث، وأتى بوصف شائق للحرب الأهلية بين الولايات الشمالية والولايات الجنوبية وما أعقبها من سياسة شاملة للانشاء والتعمير ، ويتصل السياق بالكاتب إلى عهد أمريكا التي يعرفها الناس جميعا ، فيجلو صورة فنية رائعة لبلد الصناعة والمال، وأخيرا يتحدث عن ميثاق الأطلنطى والأمل المنشود في عالم ما بعد الحرب .

والكتاب نسيج وحده بين الكتب الموضوعة عن أمريكا، فليس هو كتاب دعاية عمياء تطلع القارئين على تزويقات بلاغية حتى إذا تحنوها من ناحية الحقيقة لم يجدوها شيئا ، وإنما هو سفر يلخص تاريخ أمة ، ويصور حياة وطن ، ويرسم طريق كفاح . فأمريكا ليست فردوسا أرضيا ، ولا جنة كجنة عدن ، ولا هي قد بلغت نهاية الكمال ، وقد أخطأت في الماضي في إدارة أمورها الداخلية كما أخطأت في الأمور العالمية . ولكنها مع ذلك تتطلع دائما إلى المستقبل، مستقبل يعيش فيه الرجال والنساء أحراراً ، يتوافر فيه الغذاء والعمل، وتتوافر فيه الطمأنينة والحرية لبنى الإنسان

تلك هي الروح التي تسيطر على الكتاب ، وهى وإن كانت لا تنقصها الصراحة الصادقة ، إلا أنها مشربة بالاعتداد بالنفس والثقة بمستقبل الأمة والتفاؤل بمصير الإنسانية

ولا يتناول الكاتب الحديث عن جورج وشنطن دون أن يتملكه - كأمريكي - فيض من الشعور بالزهو والخيلاء بهذا البطال الذى لم يعرفوا كيف يصغرون أسمه تحبيا لأن معاني العظمة فيه لم تسمح بمثل هذا التدليل ، فهو لم يقبل الرشوة ، ولم يأخذ أجراً مقابل قيادته الجيش زهاء سبع سنين ، ولم يهن حيال أعدائه وشاطر جنوده الضراء ، وكابد معهم تباريح الجوع وأوصاب المرض ولفحات البرد القاسي .

وإذا جاء دور الدستور الأمريكي ، عرضه الكاتب على " القارى، عرضا لبقا ، فإذا هو نصوص لا تحوطها القداسة ، ولا يتناهى عنده حبل الإشتراع ، وإنما هو مواصفات قانونية مرنة تتكيف حسب الأجيال ، وتتباور وفق أقضية الناس ومشكلاتهم .

وحين يمرض المؤلف مذهب مونرو لا نرى فيه تلك الوثيقة الجافة التي طالما قرأناها في كتب التاريخ والسياسة ، وإنما نرى فيها صورة حية من صور الحرية الإنسانية ، تلك الحرية التي حفزت ابراهام لنكولن على إلقاء الرقيق وإعلان الحرب على الولايات الجنوبية التي أبت إلا أن يبقى رقيق الأرض على حاله ، وكان أن اق الرئيس الأمريكي نفسه بعد ما تحقق له النصر أو كاد

فاذا تركنا الجانب السياسي من الكتاب وتلفتنا إلى الجانب الإجتماعى فيه ، وجدنا المؤلف يتحدث بصراحة محببة عن الأغنياء الأنانيين الذين لا هم لهم سوى احتجان الأموال واكتنازها ، بيد أنه لا يدع القارى، يممن فى تخيلاته ، حتى يبدهه بأسماء أولئك الأثرياء الإنسانيين في بلاد المام سام من أمثال كارنيجي الذي أنفق معظم ثروته ليساعد على إنشاء دور الكتب العامة المجانية ليتيح للفقراء أن يثقفوا أنفسهم ، وروكفلر صاحب المؤسسة العظيمة التي عادت أبحاثها في الطب والعلم على الناس جميعا بالخير العميم وغيرها ممن يضيق دون ذكرهم المقام .

وتختم المؤلف كتابه بقوله إن العلم الأمريكي « يرمز للحرية ويرمز للرجاء ، إنه يرمز لحسن الجوار لا للسيادة على الآخرين ، إنه يرمز إلى أن يقرر الناس مصيرهم ويحكموا أنفسهم بأنفسهم ، إنه يرمز إلى أناس يحبون السلام ، فاذا اعتدى على بلادهم هيوا يقاتلون المعتدين . إنه يرمز لأمة وشعب يؤمنون بالإنسان . ويؤمنون مستقبل الإنسان ، وبالعالم الحر الذي يستطيع الإنسان أن ينشته ) وبعد ، فان هذا العرض الموجز لبعض موضوعات هذا الكتيب الأنيق لا يننى كل الفناء دون قراءته واستيعاب ما فيه من كل شائق وطريف.

اشترك في نشرتنا البريدية