ذكر صاحب (فوات الوفيات) فى ترجمة ابن العديم: أنه ألف كتابا فى الدفاع عن أبى العلاء المعرى سماه (كتاب الإنصاف والتحرى فى دفع الظلم والتجرى عن أبى العلاء المعرى) وذكر هذا الكتاب أيضاً صلاح الدين بن أيبك الصفدى
فى كتاب (نكت الهميان فى نكت العميان) أثناء ترجمة أبى العلاء المعري، ونقل عنه جملة صالحة، تلخص رأى ابن العديم فى المعرى، وكذلك فعل السيوطى فى (بغية الوعاة) . وذكر اسم الكتاب، ونقل عنه خلاصة رأى ابن العديم فى المعرى، وعده فى صف المدافعين عنه.
ابن العديم مؤلف هذا الكتاب هو كمال الدين أبو القاسم عمر بن القاضى أبى الحسن أحمد بن العديم، مؤرخ حلب، ومحدثها، وفقيهها، وأديبها. ألف تاريخ حلب - بغية الطلب - فى نحو أربعين مجلدا(١). وهو الذى يقول فيه ياقوت الحموى:
(. . . إن الله عز وجل عنى بخلقته، فأحسن خلقه وخلقه، وعقله وذهنه وذكاءه، وجعل همته فى العلوم ومعالى الأمور، فقرأ الأدب وأتقنه، ثم درس الفقه فأحسنه، ونظم القريض فجوده، وأنشأ النثر فزينه، وقرأ حديث الرسول فعرف علله ورجاله، وتأويله وفروعه وأصوله، وهو مع ذلك قلق البنان بما تحوى اليدان، وهو كاسمه كمال فى كل فضيلة، لم يعتن بشيء إلا وكان فيه بارزاً، ولا تعاطى أمرا إلا جاء فيه مبرزاً، مشهور ذلك عنه، لا يخالف فيه صديق، ولا يستطيع دفاعه عدو)(2). ولد فى حلب سنة ٥٨٨ ونشأ بها، ثم رحل إلى بغداد ومصر أكثر من مرة واحدة، ولما جاء التتار إلى حلب سنة ٦٥٨ جفل إلى مصر مع من جفل، ثم رجع إلى حلب بعد خروج التتار منها، فوجدها على حال سيئة من الخراب والدمار، فرجع
إلى القاهرة، وأقام بها إلى أن توفى بها سنة ٦٦٠ من الهجرة ودفن بسفح المقطم.
يعد كتاب ابن العديم فى إنصاف شيخ المعزة من الكتب النادرة الوجود، بل ربما كان من تلك التى ذهبت بها الأيام، فلا عين لها ولا أثر، غير ما حفظته كتب التاريخ والتراجم من أسماء ومقتطفات
لم يعثر إلى الآن - فيما أعلم - على نسخة كاملة من هذا الكتاب القيم النفيس، وكل الذى عثر عليه منه - من نحو عشرين سنة - نسخة ناقصة من آخرها، ومن قبل آخر الموجود منها، ولا يعلم مقدار النقص فى كلا الموضعين. فقد ذكر الأستاذ الشيخ محمد راغب الطباخ الحلبى فى تاريخه (أعلام النبلاء) بتاريخ حلب الشهباء (ج٤ ص٧٧) : إنه عثر على كتاب (الإنصاف والتحرى فى دفع الظلم والتجرى عن أبى العلاء المعري) . عثر عليه مخطوطا فى خزانة كتب سعادة مرعى باشا الملاح، وأنه نسخ من هذا المخطوط نسختين، أهديت إحداهما للمجمع العلمى العربى فى دمشق، واحتفظ بالأخرى لنفسه، وبعد أن نص الأستاذ الطباخ على موضع النقص فى هذه النسخة التى عثر عليها قال: إنه يدمج الموجود من هذا الكتاب ضمن كتاب أعلام النبلاء. لعل ذلك يدعو بعض ذوى الهمم للبحث والتنقيب عن نسخة تامة منه
وقد نشر الأستاذ الطباخ الموجود من كتاب إنصاف المعرى لابن العديم فى الجزء الرابع من أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء (ص٧٨ - ١٥٤) من نحو عشرين سنة
وإنى أنشر اليوم - بمناسبة حفلات ذكرى العيد الألفى لمولد المعرى التى تقام الآن فى دمشق - على صفحات الرسالة الغراء مقدمة كتاب الإنصاف على أن ألخص فصوله وأبوابه الموجودة فى فرصة أخرى. أنشر هذه المقدمة راجيا - كما رجا الأستاذ الطباخ من قبل - أن يكون فى هذا النشر الحافز لهمم
محبى البحث للتنقيب عن نسخة كاملة من هذا الكتاب النفيس. حتى إذا أمكن الحصول عليه ونشر، كان فى ذلك أبلغ تكريم لذكرى المعرى بمناسبة عيد مولده الألفى
وإلى القارئ الآن مقدمة كتاب الإنصاف نقلا عن النسخة التى نشرها الأستاذ الطباخ:
(. . . وبعد فإنى وقفت على جملة مصنفات عالم معرة النعمان أبى العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان، فوجدتها مشحونة بالفصاحة والبيان، مودعة فنونا من الفوائد الحسان، محتوية على أنواع الآداب، مشتملة من علوم العرب على الخالص واللباب، لا يجد الطامح فيها سقطة، ولا يدرك الكاشح فيها غلطة، ولما كانت مختصة بهذه الأوصاف، مميزة على غيرها عند أهل الإنصاف، قصده جماعة لم يعوا وعيه، وحسدوه إذ لم ينالوا سعيه، فتتبعوا كتبه على وجه الانتقاد، ووجدوها خالية من الزيغ والفساد، فحين علموا سلامتها من العيب والشين، سلكوا فيها معه مسلك الكذب والمين، ورموه بالإلحاد والتعطيل،
والعدول عن سواء السبيل، فمنهم من وضع على لسانه أقوال الملحدة، ومنهم من حمل كلامه على غير المعنى الذى قصد له، فجعلوا محاسنه عيوباً، وحسناته ذنوباً، وعقله حمقاً، وزهده فسقاً، ورشقوه بأليم السهام، وأخرجوه عن الدين والإسلام، وحرفوا كلمه عن مواضعه، وأوقعوه فى غير مواقعه، ولو نظر الطاعن كلامه بعين الرضا، وأغمد سيف الحسد من عليه انتضا، لأوسع له صدراً وشرح، واستحسن ما ذم ومدح، لكن جرى الزمن على عاداته فى مطالبته أهل الفضل بتراته، وقصدهم بإساءاته، فسلط عليهم أبناءه، وجعلهم أعداءه، فقصدوه بالطعن والإساءة. واللبيب مقصود، والأديب عن بلوغ الغرض مصدود، وكل ذى نعمة محسود، ومن سلك فى الفصاحة مسلكه، وأدرك من أنواع العلوم ما أدركه، وقصد فى كتبه الغريب وأودعها كل معنى غريب، كان
للطاعن سبيل إلى عكس معانيها، وقلبها وتحريفها عن وجوها المقصودة وسبلها، ألا ترى إلى كتاب الله العزيز المحتوى على المنع والتجويز الذى لا يقبل التبديل فى شيء من صحفه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كيف أحلى جماعة من أرباب باطل الأقاويل، تأويله على غير وجوه التأويل، فصرفوا تأويله إلى ما أرادوا، فما أحسنوا فى ذلك ولا أجادوا، حتى أن جماعة من الكفار، وأرباب الزلل والعثار، تمسكوا منه بآيات، جعلوها دليلا على ما ذهبوا إليه من الضلالات، فما ظنك بكلام رجل من البشر، ليس بمعصوم إن زل أو عثر، وقد تعمق فى فصيح الكلام، وأتى من اللغات بما لا يتيسر لغيره ولا يرام،
وأودعها فى كلامه أحسن إبداع، وأبرزها فى النظم البديع والأسجاع، إذا قصده بعض الحساد، فحمل كلامه على غير المراد، وقد وضع أبو العلاء كتاباً وسمه (بزجر النابح) أبطل فيه طعن المزرى عليه والقادح، وبين فيه عذره الصحيح، وإيمانه الصريح، ووجه كلامه الفصيح، ثم أتبع ذلك بكتاب وسمه (ببحر الزجر) بين فيه مواضع طعنوا بها عليه بيان الفجر، فلم يمنعهم زجره، ولا اتضح لهم عذره، بل تحقق عندهم كفره،
واجترءوا على ذلك وداموا، وعنفوا من انتصر له ولاموا، وقعدوا فى أمره وقاموا، فلم يرعوا له حرمة، ولا أكرموا علمه، ولا راقبوا إلا ولا ذمة، حتى حكوا كفره بالأسانيد، وشددوا فى ذلك غاية التشديد، وكفره من جاء بعدهم بالتقليد
فابتدرت دونه مناضلا، وانتصبت عنه مجادلا، وانتدبت لمحاسنه ناقلا، وذكرت فى هذا الكتاب:
نسبه ومولده، وتحصيله للعلم وطلبه، ودينه الصحيح ومذهبه، وورعه الشديد وزهده، واجتهاده القوى وجده، وطعن القادح فيه ورده، ودفع الظلم عنه وصده.
وسميته (كتاب الإنصاف والتحرى فى دفع الظلم والتجرى عن أبى العلاء المعرى)
وبالله التوفيق والعصمة، وإليه المرجع فى كل وصمة، وهو حسبى ونعم الوكيل).
حرصت على نقل هذه المقدمة الطويلة المسجوعة بنصها ليستطيع القارئ تكوين فكرة عامة عن هذا الكتاب النفيس ويعرف روح مؤلفه فيه، وأرجو أن أستطيع تلخيص فصوله
التى عثر عليها فى فرصة قريبة

