الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 620الرجوع إلى "الرسالة"

كتاب (التصوير الفني في القرآن)

Share

كتاب طيب جديد في بابه، يشق لنفسه طريقاً إلى نفسك،  ويحل عندك محله اللائق به من إعجاب به، وتقدير لما بذل صاحبه  في وضعه من جهد، وما صادف من توفيق، حتى جاء شاهداً  لصاحبه بأنه كما قال الأديب عبد المنعم خلاف في الرسالة   (شاعر  ناثر ناقد، زاول الشعر والنثر والنقد، ونجح في ذلك كله كثيراً  من النجاح)  وحتى جاء شاهداً لنفسه - كما قال ذلك الأستاذ  الأديب -   (بأن له الموضع اللائق به من مكتبة القرآن، ومكتبة  بحوث البلاغة، ومكتبة الفن، ومكتبة البحث)  وليس يسع  القارئ لهذا الكتاب إلا أن يحمد لصاحبه عمله، ويغبطه على  نجاحه، وذلك موقفي من الكتاب وصاحبه.

وإن تكن لنا ملاحظات بعد فهي ملاحظات هينة يسيرة،  لا تغض من قيمة الكتاب، ولا تبخس فضل صاحبه؛ وإنما  هي ملاحظات - إن روعيت - تزيد الكتاب حسناً على حسنه،  وكمالا إلى كماله: وإليك هي: -

أ - عنى المؤلف بتحليل الآيات عناية مشكورة؛ ولكنه  لم يعن بتحريرها على وجه الصحة، فتطرق إلى كثير منها الخرم،  كما تسرب إلى بعضها التصحيف، أو التحريف، ولو أن ذلك  قليل لهان الاعتذار عنه، وإن شاء تبيان ذلك فليضع المصحف  بين يديه ثم ليراجع من كتابه صفحات ١١٣، ١١٤، ١١٨، ١٢٠ ، ١٢٢، ١٢٣، ١٣٠، ١٤١، ١٧٦، ١٩٨.

ب - أتجه المؤلف في بحثه إلى الناحية البلاغية فحسب، ونبه  في غير موضع من كتابه إلى أن الجانب الديني ليس موضع نظره -  وهذا حسن، ولكنه   (على غير قصد منه فيما أرجح)  لمس الجانب  الديني لمساً جارحاً حين عرض للآيات في قصة يوسف عليه السلام  - صفحة ١١٥ - إذ وصف النبي يوسف - أولا - بأنه  الواعي الحصيف، وبأنه  كان في موقفه من زليخا يحذر مواضع  الحرج جميعاً، وهذا لا شيء فيه؛ غير أنه جعل يوسف أمام المرأة  وفي هذا الموقف الإجرامي أشبه بشخص عادي   (كاد يضعف)   لولا أنه كان واعياً حصيفاً يخشى أن تأخذه عين الرقيب مثلاً، أو  يفجأه الزوج، وقد صدقت فراسة يوسف: إذ فجأة الزوج حين  محاولته الإفلات لدى الباب. وهذا تصوير غير فني لإنسان  هيأه ربه للنبوة، وكتب له العصمة من قبل ومن بعد.  وأظن الأستاذ منساقا في هذا وراء ما يقال: من أن يوسف إنسان  لم تفارقه نوازع البشرية، فهو كما يميل أي إنسان، ويكاد  يضعف كما يضعف أي إنسان. وأظنه كذلك بحسب الآية في  ظاهرها هذا إذ قررت أن المرأة همت به، وأن يوسف هم بها.  وليسمح لي الأستاذ أن أنبهه إلى أن هذا فهم سطحي غير سديد،  درج عليه غير الدارسين لقواعد اللغة، والمتساهلون ممن فسروا  هذه الآيات.

ولو أنه لم يتابع هؤلاء فهمهم، ونظر نظرة استقلالية إلى  التعبير لرأى بادي الرأي - وهو القوي الإدراك لأسرار القرآن -  أن هذا توجيه لا يرضيه، وأن المقام أسمى من ذلك، وأن نوازع  البشرية في يوسف كانت مكفوفة بالزهاد الدينية على الأقل   (فضلا  عن العصمة)  على نحو ما ترى وتقرأ عن الأتقياء فضلا عن الأنبياء،  ولو أن يوسف كاد يضعف وأنه تحرج للحصافة والوعي والحذر  لكان الموقف منه أمام الله موقف عتاب، لا موقف تبرئة وتزكية  بقوله سبحانه وتعالى   (إنه كان من عبادنا المخلصين) .

وفي سياق الآيات وألفاظها المفردة ما يتسع للنظر والوصول  إلى ما أبديت. ولولا أن صفحات الرسالة لا تتسع للتطويل  لأوضحت: وصاحب الكتاب في غير حاجة مني لأكثر من هذه  اللفتة؛ وحسبه أن يراعي الوضع الترتيبي لكلمة - لولا أن رأى  برهان ربه - فأن موقعها بين كلمتي همت وهم - وأن يتذكر

ما تدل عليه كلمة لولا، وسيجد نفسه أمام نفي قاطع لوجود الميل  والهم من يوسف. وكفى.

ج - مضى ذلك الردح الطويل من تاريخ الإسلام وقضية إعجاز  القرآن ناهضة تضاءلت بجانبها جهود الباحثين، كما تحطمت على  صخرتها جهود العابثين، ولم نر ممن كتبوا وعنوا أنفسهم واحداً  يَمنّ على الناس بما قدم لهم، أو يغض من شأن سابقيه، وكنت  أحب للأستاذ قطب أن يدع للناس تقديره وأن يلحظ ما لحظه  الأولون من انه فوق كل ذي علم عليم، وأن الأيام ستطلع علينا وعلى  الناس بالجديد في كل شيء فلا يغمز الأوائل بالتجهيل أو القصور  ونحن لا نبني إلا من الحصيات نجمعها من ساحاتهم الواسعة.

د - كان حرياً بالأستاذ سيد قطب مدرك لبلاغة القرآن  ومفتون بسحره أن يشاكل بين مؤلفه وبين الكتاب العزيز فيبدأه  بالتسمية ليرتفع به عن نمط الروايات وكتب التسلية التي تقرأ وتلقي  لا تقرأ وتقتني في الموضع الكريم بين الكتب الكريمة.

هـ - وكان جميلاً في النهاية أن يضع للكتاب دليلاً يرشد  الناظر فيه إلى موضع كل آية ببيان صفحتها حتى يسهل على من  أحب الرجوع إلى آية بعينها أن يتعرف مكانها، دون أن يخالف  النظام الشائع ويصب الكتاب صباً تحت عناوين الفصول فحسب.  وبعد - فليتقبل الأستاذ ثنائي خالصاً، وشكري مضاعفاً، ولا  عدمنا مثل هذه الجهود الطيبة النافعة.

اشترك في نشرتنا البريدية