٦ - مقابله الالفاظ العربية بالكلم الاجنبية
فانني حقا ان أنسب بعض الكلم الأجنبية إلي لغاتها ، وأشكرك على استدراكك لما فاتني من ذلك حق الشكر . وليس ينقضي عجب الناس وعجبي من صدق غيرتك ، وواسع علمك .
وجدتك تنكر علي في ش ص ١٠٧ مقابلتي للجندب بكلمة : grasshopper الانجليزية ، وقلت : إنها تعنى الجرادة . والحق ان الكلمة لا يقصد بها إلا ( الجندب ) ذالك النوع الصغير من الجراد ، الذي يتميز بالقفزان والصرير1. ففي مادة grasshopper من دائرة المعارف البريطانية ص ٦٥٨ من الجلد العاشر2. (They are especially remarkable for their leaping powers, due to the great development of the hind legs and also for their stridulation Which is generally, but not always, a function of the male only).
وعلي ذلك الوجد الصحيح ترجمت الكلمة في معجم المعلوف والقاموس المصري ومعجم wartabetوسائر المعاجم الانجليزية العربية المتداولة . فقولك ) اما الجندب فلا مقابل له الانكليزية . . ( الخ - ليس صحيحا كما رأيت .
أما الجرادة فالذي يقابلها بالانجليزية locust كما يتضح
من دائرة المعارف البريطانية ) ٢٩١:١٤-٢٩٢ ( حيث تري وصفها وشكلها الناطق . والجراد نادر الوجود في بلادهم . وهم يؤرخون رحلاته النادرة إليهم ، كما في ص ٢٩٢)١ (
ومما هو جدير بالذكر أن كلمة iocusts كثيرا ما يراد بها ) الجنادب ( ولكن في الاستعمال العامي أو غير الدقيق ، ففي دائرة المعارف البريطانية gresshopper ما يأتي : the name locust is ofien applied to any member of this farmity in its strict usage the terrn only refers to oertain destructive speeies
وفي ش ص ص ٣٧٤ خارطيس اليونانية ، قلت صوابها : خارتيس إذ ليس في لسان اليونانيين طاء . وهذه عبارة ظاهرية بحتة ؛ فالحق ان الطاء حرف مشترك بين اللغات جميعا ، ولو لم يفرد لها حرف خاص . وليست الطاء إلا تاء ثقيلة . فالتاء في نحو كلمتي : tall الانجليزية ، و " monotone الفرنسية - هي طاء في الحقيقة ، بل هي أشد من الطاء العربية التي في نحو : إطار ، وسطر . فالقول بأن الطاء لا وجود لها في اليونانية او الانجليزية أو الفرنسية أو غيرها من اللغات - غير منضبط على الواقع .
ومثل الطاء في ذلك الصاد ، فالصاد لم يفرد لها حرف خاص في المنات الأوربية ، بل يعبر عنها بحرف السين s) أو (c في نحو كلمة facon الفرنسية .
وفي ش ص ٣٦٧ بيت علقمة في نمت الظليم .
وضاعة كعصى الشرع جؤجؤء
كأنه يتناهي الروض ملجوم
وفسرت العلجم بأنه البعير الطويل المطلي بالقطران ، فاعترضت بإعتراضين . أما احدهما فقولك : إن المراد بكلمة ) العلجوم ( هنا ) طائر عظيم أبيض ( . وأما الآخر فقولك :
" من أبن لك هذه الزيادة : المطلى بالقار 1.
أما الاعتراض الثاني فانك تجد جوابه في شرح المفضليات لابن الأنباري ص ٨٠٤ س ١٠-١١ طبع بيروت ١٩٢٠ وفيه هذا النص : " والعلجوم : البعير الطويل المطلي بالقطران " .
وأما تفسيرك للعلجوم فصحيح ، ونطق به بعض العلماء بالشعر ، كما في شرح المفضليات ٨٠٥ س ٥ ، وفيه ايضا : ويقال هو الليل ، فشبه سواد الظليم بسواد الليل " . لكن الرأي المقدم في تفسير الكلمة أن تؤول بالبعير . وتجده أول الأقوال عند ابن الأنباري . ويؤيد هذا الشرح ان كلمة وضاعة في أول البيت مأخوذة من صفة البعير الذي يضع في سيره . ومنه قول دريد بن الصمة2
يا ليتني فيها جذع أحب فيها وأضع
والشعر العربي أقوي درجات تفسيره أن يؤول بالنظائر والاشياء . ولذلك يخطئ كثير من الذين يعمدون إلى المعاجم ونحوها ، ليفسروا بها الشعر العربي ، دون ان يلتفتوا إلى اجواء المعاني العربية ، وهي متقاربة متناوحة . يأخذ بعضها من بعض وينظر إليه . فما ورد شبيها بالبيت السالف ، قول طرفة3:
ومكان زعل ظلمانه
كالمخاض الجرب في اليوم الخصر
فانظر كيف شبه الظلمان بالمخاض من الابل ، وقيد المخاض بأنها ) الجرب ( لما انها تكون سودا ما طليت به وهنئت من القطران . وهو قد اختار اليوم ) الخصر ( لما أن البرد يكثف الهناء فيظهر سواده ويحلك ، كما أنه يظهر حمرة التقشر فيما برئ من مواضع الجسد . وهو
تصوير دقيق رائع في تشبيه الظلمان بالإبل ، إذا لحظنا تجرد عنق الظليم وفخذيه من الريش وحمرتهما .
والعرب أبدا يشبهون الإبل بالنعام ، ويشبهون النعام بالإبل ، لما هو واضح من اشترا كهما في كثير من الخلق والخلق . والأول كثير . ومن الثاني قول لبيد ) ١
وخيطا من خواضب مزلفات
كأن رثالها ورق الافال
إذ شبه صغار النعام بصغار الابل الورق .
٧ - ملاحظات شتى
في حديثك عن ش ص ٢٧٠ نقلت نص ابن سيده في المخصص ) ١٧٣:٨ ( : " والتأشير ايضا : الاثناء ، وهي عقدة في رأس الذنب ذنب الجرادة ، كالمخلبين ، ويقال لهما الأشرتان " وبنيت على كلمة الأثناء ما بنيت .
والحق أن كلة ) الأثناء ( محرفة عن ) الاشرة ( بالضم ، وهي بمعنى التأشير (2). وكيف يجعل ابن سيده الأثناء المجموعة ، تفسيرا للكلمة المفردة ، أعني التأشير ثم ينتكس مرة ثانية فيفسر هذه الكلمة الدالة على الجمع بما يفسر به المفرد المؤنث ؟ : إن ذا لدليل قطعي على التحريف .
وقد عقب ابن سيده بقوله : " ويقال لهما الأشرتان " يشير بذلك إلى ان تلك العقدة التي تشبه المخلبين المنضمين يفرد لها اللفظ حينا فيقال الاشرة، ويثني حينا فيقال الأشرتان. فهل لحضرة الأب أن يري معي ان ما ذهب إليه قد بعد به عن الصواب ؟ ! فقول ابي النجم في نعت الأفعي :
تأسيرها يحتك في تأسيرها
صحيح لا تحريف فيه ، ويراد بكلمة ) التأسير ( الجلد
وأصل معنى التأسير ، السير ، كما أثبت في شرح الحيوان . وقد قال الراجز بعده :
مر الرحي تجري علي شعيرها
فليس يكون هذا الصوت الشديد للأثناء التي ظننت . والجاحظ يحدثنا ان تلك الحزوز والاثناء التي في بطن الحية ) لم توجد بعين ولا لمس ) ١ ( وليس لها خاصية في إحداث الصوت . وإنما يكون الصوت من عامة الجلد ، وخاصة إذا كانت الحية في دور السلخ ، فإنه يسمع لجلدها - إذا قارب الانفصال وتلوت الحية - كشيش واضح عال . وفي ذلك يقول الراجز في صفة شخب الناقة حين تحتلب ) ٢ ( :
كأن صوت شخبها المرفض كشيش أفعي أجمعت لعض
فهي تحك بعضها ببعض
وفي ص ١٥٥ تحدثت عن ) الأجدهاني ( حديثا ممتعا فيما ، فبهرت الناس بما انك محقق قادر ، ومما أنك خطير
وقد وجدتك تقول : " وأما ان الجاحظ يري ان هذا القول من أحاديث الباعة والعجائز - فليس صحيحا لأنه يري مدونا في أصغار مثقفيهم الأقدمين ، فهل هناك تناف بين قول الجاحظ وما ذكرت ؟ : أو ليس الباعة والعجائز عندنا يتكلمون بما في أسفار الأقدمين ، مما يجري على مذهبهم من حب الإغراب والتعجيب ؟ وقد سمعنا العجائز يحدثنا بأخبار واقاصيص مسطورة في كتب الأولين ، وكمن يتزيدن فيها حينا ويغرئن آنا ، فيخلعن ذلك عليها مسحة من جمال .
وظنفت أن ) الباعة ( محرفة عن ) الباقية ( وجملت تؤيد مذهبك تأييدا . ولست ادري ما عدا بك عن ) الباعة ( أوليس الباعة يتحدثون ويكثرون من الحديث ؟ !
أوليس قد جبل الله كثيرا منهم على الكذب والتزيد ، والمبالغة في الاختلاق والبهرجة ؟ ! وهم من قد رايت كثرة حلف ، وقوة تصنع ، ولباقة حديث . وكأين من بائع طلق زوجه مئات ليحتال على عميلة بما يحتال ؛ وقد عرف الجاحظ ذلك منهم ، فأضاف إليهم خبرا غريبا في موضع آخر من الكتاب1 : " ولم أجد أهل سكة اصطفانوس ، وباب جارية وباعة مربعة بني منقر يشكون الخ فليس في الكلام تحريف كما رايت .
وفي ص ٣١٤ س ٣ ) ولا تستمري ( قلت : " والأفصح همز الآخر . وقد تكرر هذا الخطأ مرارا " . أما أن الهمز هو الأفصح فإنه صحيح لا جدال فيه . وأما قولك إن ترك الهمز خطأ فلا وجه له من الصحة ؛ إذ أن تخفيف الهمزة في مثل هذا جائز جوازا مشهورا ، فكيف خفي عليك ؟ ! وانا لم اسقط الهمزة من الكلمة ، بل ذلك من صنع الجاحظ ، وله الخيرة فيما يقول .
فهذه الهمزة المضمومة ، المتحرك ما قبلها بالكسر ، يجوز تخفيفها بلا جدال . ولكن تخفيفها على ضربين : فذهب سيبويه أن تخفف على طريقة ) بين بين ) ٢ ( . ومذهب الأخفش قلبها ياء ) ٢ ( وقد وجدت كثيرا أن الجاحظ يميل إلى تسهيل الهمزات في مواضع شتي من كتابه . وهذا أحدها . وإن احببت ان تعرف بعض الشواهد على ذلك فانظر ) ١٢٠:١ س ١٠٨:٢،٤ س ٣١٢،٧ س ٣٣٣٣،٢ س ٣٦:٣،٥ ص ٤ ، ١٣٠ س ٣٠٣:٤،٦ س ٣٨٨،٧ س ٣ ( ) له بقيه (

