- ٣ - إن المبشرين البروتستنت الذين أضلوا ذلك الكاتب المسلم فضل وروى باطلهم - ليستيقنون أن القرآن هو الكتاب العربي العبقرى، ويعلمون أن تلكم (الآلات) انما هي قواعده قد أخذت منه، وكانت له. فلن يخطئ فيها .. وكيف يخطئ فيها ..؟!
إن القرآن لهو الكلام العربى الصافي الصرف المحقق الصحيح الذى لا ريب فيه. وكل قول غيره يلاقيه الشك شاكى السلاح. فهو حجة الأقوال العربية وظهيرها. وليست الأقوال العربية - وان كانت من خدمه - بحجة له ولا ظهيراً
ولقد قال العربانيون المنصفون والعبقريون والمفكرون من الغربيين في عربية القرآن الصريحة الخالصة وعبقريته قولهم، وقرأ المبشرون (المظللون) ما كتب المنصف، وقال العبقرى. وإن كتموا الحق، وجحدوا بالذى استيقنته أنفسهم - أينكرون قولاً في كتابهم الذى نشروه للإضلال - مبينا ؟
قال (سال) في (مقالة فى الاسلام) : Essay an islam (مما لا خلاف فيه أنه (يعني القرآن) الحجة التى يرجع اليها في العربية، وأنه شمس قلادة الكتب العربية، وواسطة عقدها)
إن هذا فى (مطبوع) المبشرين الذين يخطئون (الكتاب) في العربية . وإنه لذم وتقريع للسفسطيين المقبحين لكن صخرى الوجه لا يستحى
وإذا لام (المظللين) لأمم، وقبح عليهم ما يصنعون قال لسان الحال: إنا ماشرقنا محترفين بحرفة (التضليل) - وما التضليل إلا حرفة من الحرف - وآخذين جمالاننا إلالنممل
ما يبغيه المجعلون المطعمون، فهى الجمالة، وهو الرغيف . فلا تلومونا ولوموا المعدة ..
أجل، إن المظللين ما طرءوا على هذه الأقاليم ليحقوا حقا، ويرهقوا باطلاً، ويهدوا ضالاً، ويرشدوا حائراً، بل جاءوا مغوين متوهين حتى يخرجوا المسلمين من دينهم فيستعبدهم الغربيون المغيرون استعباد الهون . وقد قال (غلادستون) : لا راحة للعالم (يعنى قومه) ما كان القرآن. وقال سواس فرنسيون: لن يكون لنا الملك الحق فى بلاد المغاربة أو نغرب دين القوم
فالمضللون، مقصدهم أن يصدوا أمة محمد عن كتابها ، وبلفتوها عن شريعتها ابتغاء أن تذل للغربي وتستقيد. فليس الشأن إذن فى تحلة تبطل أو عقيدة تزول، ولكنه أمر أمم تستخذى وتهون بل تفنى وتبيد. فليدر بهذا السفهاء والبله والأغبياء من المسلمين إما كانوا يجهلون
والمضللون مدفوعون إلى اقتراف ما يقترفون: تدفعهم حرفتهم وجعالتهم والرغيف المأكول، فهم مرغمون أن يسلكوا كل سبيل فى التضليل، ويتذرعوا بكل ذريعة غير متذممين من منكر، ولا متصحبين من شئ، وغير حافلين بكل خيبة تجيهمم، وبكل خذلان يصقعهم، وبكل لعنة تتبعهم. وطرق الشر عند هذه الإضمامة (الجماعة) كثيرة، وذرائع الفساد مستوفرة. فهناك التنويم المغناطيسي .. وهناك التنويم النسومى ... وحكايات هذين التنويمين من وسائل التضليل معروفة فى القاهرة مشتهرة ومن كفر منوماً وسنان عاد إلى الايمان سريعاً يقظان. وهناك الجنون المجنون فى الإقدام على تغليط القرآن فى العربية ...
ليس فى القرآن آية أو كلمة قد عدلت عن سنن العرب، وان (علم العربية) أو النحو أو القواعد العربية - كما يسميها مسمون - هو حجتها، وهو دليلها، وهو المهيمن عليها، وشواهدها كلماته، وهذا كتاب سيبوبه وهذه أبوابه وبيناته
ذلكم القرآن. بيد أن المضللين يقولون: نحن نهذى ونخرفش، وعلى إبليس تتميم العمل. وقد جمعوا فى (مكتوبهم) بضع عشرة آية (منها الست التي نقلناها - وزعموا أنها مالت
عن نهج العربية، وتلكم الآيات الكريمات كلتهنَّ قواعدهنّ مبينة مفصلة فى (علم العربية) تفصيلاً. وهذه أقوال نحوية فى الست المنقولة
1 - ... والصابرين ... قرىء (والصابرون) وقرىء (وللوفين والصابرين) والنصب على التعظيم والمدح كما قال (الكتاب) وفصلت (خزانة البغدادى) والقراءة الناصبة تنصر قول الخرافق (أخت طرفة) :
لا يبعدن قومي الذين هم ... صم العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر
وتؤيد ما أنشد القراء :
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
قال (جامع البيان) : (أن من شأن العرب إذا تطاولت صفة الواحد الاعتراض فى المدح والذم بالنصب أحياناً وبالرفع أحياناً)
وقال أبو على الفارسى (أستاذ الأئمة وشيخ ابن جني) : (إذا ذكرت الصفات الكثيرة فى معرض المدح والذم فالأحسن أن تخالف باعرابها، ولا تُجعل كلها جارية على موصوفها، لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القول، فإذا خولف باعراب الأوصاف كان المقصود أكمل، لأن الكلام عند اختلاف الاعراب يكون وجهاً واحداً، وجملة واحدة)
٢ - ... فاصدق وأكن ... قرئ (وأكون) بالنصب على اللفظ، (وأكون) على وأنا أكون، وقرئ (وأكن) على محل فأصدق. قال المبرد: (وأكون على ماقبله لأن قوله فأصدق جواب للاستفهام الذي فيه التمنى، والجزم على موضع الفاء) قال الرضى: (وكذا ماجاء بعد جواب الشرط المصدر بالفاء نحو قوله تعالى: (من يضلل الله فلا هاديَ له (ويذرهم) قرىء رفعاً وجزما، ولا منع فى العربية من النصب، فلما كان فاء السببية بعد الطلب واقعاً موقع المجزوم جاز جزم المعطوف عليه؛ قال تعالى: فاصدق واكن)
قال ابن يعيش: (فاذا عطفت عليه فعلا آخر جاز فيه وجهان النصب بالعطف على ما بعد الفاء، والجزم على موضع الفاء، ونظير ذلك في الاسم: (إن زيداً قائم وعمرو، وعمراً) إن نصبت فبالعطف على ما بعد أن، وإن رفعت فبالعطف على موضع إن
قبل دخولها وهو الابتداء) والقراءة الجازمة تنصر صاحب الصمصامة فى قوله :
دعني فأذهب جانبً ... يوماً وأكفك جانباً
٣ - ... كن فيكون ... من كان التامة أي احدثْ فيحدث (والرفع على الاستئناف أي فهو يكون) كما قال العكبري. قال الرضى: (وأما النصب في قراءة أبي عمرو فلتشبيهه بجواب الأمر من حيث مجيئه بعد الأمر، وليس بجواب من حيث المعنى) (وهذا مجاز من الكلام وتمثيل، ولا قول ثم) كما قال (الكشاف) وهو (حكاية حال ماضية) كما فى هذا الكتاب
وقد كان (يكون) ولم يكن (كان) إذ لو قال: (كان) ما قلنا: إنه (قرآن) ؛ إنه (الكتاب) يتكلم لا مخبر مسكين فى (الأهرام) و (المقطم) ومثل هذا فى (المعانى) مشروح فى المطولات والمقصرات أو المختصرات؛ قال الخطيب في (الإيضاح) (قال: (فأضربُها) ليصور لقومه الحالة التى تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها، ويتطلب منهم مشاهدتها تعجيباً من جرأته على كل شدة، ومنه قوله تعالى: (أنُّ مثل عيسى عند الله كمثل أدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون) وكذا قوله تعالى: ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق)
وعلم (المعاني) نحو من (علم العربية) بل هو علم معانى النحو، وقد (استقل) يوم قطعوا (العربية) ولن يفارق نشء العرب وطلابهم ذاك الهم، وذاك الغم، وذاك الضيم الأوقت (الضم) وحين جمع الاخوة
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
٤ - (وقطعناهم اثني عشرة أسباطاً، أمماً) قرئ وقطعناهم بالتخفيف. وعشرة بكسر الشين. قال (جامع البيان) : (قطعناهم قطعاً اثنتي عشرة ثم ترجم عن القطع بالأسباط) قال العكبري: (اثنتي عشرة: مفعول ثان أو حال أي فرقناهم فرقاً (أسباطا) بدل من اثنتي عشرة (أمما) نعت لأسباط أو بدل بعد
البدل) قال الزمخشرى: (لو قيل اثني عشر سبطا لم يكن تحقيقا لأن المراد وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة، وكل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباطا موضع قبيلة، ونظيره: بين رماح مالك ونهشل قال ابن يعيش: (فان قلت عشرون رجالا كنت قد أخبرت أن عندك عشرين، كل واحد منهم جماعة رجال كما قالوا: جمالان وإبلان)
وسنين في الآية الكريمة: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا) بدل مثل (الأسباط) كما قال ابن الحاجب والرضي والزمخشرى وابن يعيش وغيرهم. قال الزمخشرى: (وقرئ ثلاث مئة سنين بالإضافة على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز كقوله: قل: هل أنبئكم بالأخسرين أعمالاً) قال الرضي: (الأصل في الجميع الجمع فإذا استعمل المميز جمعاً استعمل على الأصل)
٥ - ... والصابؤن والنصارى ... قرى (والصابؤن) بالنصب والرفع وأورد العكبرى سبعة أوجه في رفعها. قال (الكتاب) : (وأما قوله عز وجل (والصابؤن) فعلى التقديم والتأخير كأنه أبتدأ على قوله والصابؤن بعد ما مضى الخبر) قال الفراء: (إن كلمة (إن) ضعيفة في العمل ههنا) قال خطيب الري: (إذا كان اسم إن بحيث لا يظهر فيه أثر الاعراب - مثل الذى وهذا والذين وهؤلاء - فالذي يعطف عليه يجوز نصبه على إعمال هذا الحرف والرفع على إسقاط عمله) وقال (فتح القدير) : (إن خبر إن مقدر والجملة الآتية خبر (الصابؤن والنصارى) كما فى قوله:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأى مختلف
والقراءة على ما ذهب إليه الخليل وسيبوبه تنصر بشر بن أبي خازم القائل:
وإلا فعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق
وتؤيد قول ضابى البرجمى في رواية
فمن بك أمسى بالمدينة رحله ... فأنى وقيارٌ بها لغريب
٦ - ... والمقيمين الصلاة ... قُرىء والمقيمون والمقيمين والنصب على التعظيم كما قال (الكتاب) فى (باب ما ينتصب فى التعظيم والمدح) وذكر العكبرى ستة أوجه للنصب. وروى (الكتاب) في ذاك الباب قول ذى الرمة:
لقد حملت قيس بن عيلان حربها ... على مستقل للنوائب والحرب
أخاها إذا كانت غضاباً سما لها ... على كل حال من ذلول ومن صعب
ثم قال: (إن نصب هذا على أنك لم ترد أن تحدث الناس ولا من تخاطب بأمر جهلوه ولكنهم قد علموا من ذلك ما قد علمت فجعلته ثناء وتعظيماً، ونصبه على الفعل كأنه قال: اذكر أهل ذاك، واذكر المقيمين، ولكنه فعل لا يستعمل أظهاره، وليس كل موضع يجوز فيه التعظيم ولا كل صفة يحسن أن يعظم بها، فاستحسن ما استحسنت العرب، وأجره كما أجرته)
قال البصريون: (إذا قلت مررت بزيد الكريم فلك أن تجر الكريم لكونه صفة لزيد، ولك أن تنصبه على تقدير أعنى، وإن شئت رفعت على تقدير هو الكريم، وعلى هذا يقال: جاءنى قومك المطعمين في المحل، والمغيثون في الشدائد) والعربية تنصب على الشتم والذم كما تنصب على التعظيم والمدح. قال أمية بن أبي عائذ: ويأوى إلى نسوة عطل ... وشعثاً مراضيع مثل السعالى
وقال ابن خياط العكلي:
وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم ... إلا نميراً أطاعت أمر غاويها
الظاعنين ولما يظعنوا أحداً ... والقائلون لمن دار نخليها؟!
وكتاب (المظللين) هذا معروف، وطبعاته كثيرة، وقد عزى إلى (هاشم العربى) وهو من قبيلة (هيّان بن بيّان أو
ضُلّ بن ضلّ) المشهورة ... وفى (قرار النيابة العامة) الذى أعلنه الأستاذ (محمد نور) رئيس نيابة مصر فى شأن أستاذ مسلم - إشارات إلى كتاب المبشرين أرى نقلها في هذا المقام. قال الأستاذ الرئيس (محمد نور) :
(... على أنه سواء كان هذا الغرض من تخيله كما يقول أو من نقله عن ذلك المبشر الذى يستتر تحت اسم هاشم العربى فأنه كلام لا يستند إلى دليل ولا قيمة له. على أنا نلاحظ أن ذلك المبشر مع ما هو ظاهر من مقاله من غرض الطعن على الاسلام كان ... كما نلاحظ أيضاً أن ذلك المبشر قد يكون له عذره في سلوك هذا السبيل لأن وظيفة التبشير لدينه غرضه الذي يتكلم فيه، ولكن ما عذر ... يقول الأستاذ ... وهاشم العربى يقول في مثل هذا .. فسبحان من أوجد هذا التوافق بين الخواطر!)
ولما ظهر مؤلف المبشرين أشاع مشيعون تكبيراً لحقير، وترويجاً لزائف، وتهويلاً بضئيل شخت - أن هاشماً العربي هو صاحب (مجلة الضياء) ثم نجمت طبعة للكتاب بعد موت اليازجى وفيها: (هاشم العربى الشيخ اليازجى) (الإسكندرية) * * *
على تطبيع
فى القسم - ١ - من هذا المبحث : " وانجرا واستجر " وهي : وانجر او استجر . وفي القسم - ٢ - : " لأن أصله فعل " بالتشديد وهى : فعل يفتح العين ( اى ذو) و " وإنما هو بلاغة الكتاب " وهي : وإنما هى . و لابى البركان الانبارى " وهي . البركات . و " وهذا ضوؤها " وهي : ضوءها . قال أحد الفضلاء : " مات علماؤنا (رحمهم الله) ولم يفرغوا من تحرير رسم الهمزة . " وفي (الرسالة) السنة (٦) الصفحة (٨٣٧( قاعدتها الموجزة

