الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 34الرجوع إلى "الثقافة"

كتاب الوزراء والكتاب، للجهشيارى، تحقيق مصطفى السقا وابراهيم الايبارى وعبد الحفيظ شلبى

Share

أهدى إلي زميلى وصديقى الأستاذ مصطفى السقا من أشهر مضت ، نسخة من كتاب " الوزراء والكتاب " لابن عيدوس الجهشيارى المتوفى عام ٣٣١ ه . وقد أخرجه للناس هو وزميلاه الأستاذان إبراهيم الآبيارى وعبد الحفيظ شلبى في حلة عربية قشيبة ، ومطبوعا لأول مرة بمطبعة الحروف .

ولم تمكنى كثرة العمل فى العام الدراسى المنصرم من أن أفرغ لقراءة هذا السفر النفيس ، وإن كنت قد رجعت غير مرة إلى نسخته الأوربية المطبوعة بالزنك ، وكنت عارفا بنفاسة قدر الكتاب وعلو قيمته العلمية.

وقد استرحت فى هذه الأيام من عناء العمل الرسمى ، وأصبحت حرا أقرا ما أشاء متى أشاء .  وقد رأيت أن أقرأ الكتب التى وردت الى ، والتى اقتنيتها ، على حسب  ترتيب ورودها إلى واقتنائى لها ، فكان كتاب الوزراء والكتاب أحقها بالتقديم على كل حال .

والكتاب يتناول الكلام على خطتى الكتابة والوزارة فى الدولة الإسلامية منذ قيامها إلي زمن الخليفة المأمون العباسى ، وهما من أهم خطط الدولة الإسلامية لذلك العهد . ومع أن المؤلف قد أدار كتابه على هذين النظامين فهو من حين لأخر يفصل كلامه بإشارات ونكت واستطرادات لها قيمة علمية عظيمة عند من يعانى الأدب العربى والتاريخ الإسلامى في صدر الإسلام ، هذا إلى أنها

سهلت تناول الكتاب وحلمت عليه رواه القصة وجاذيتها . ولقد وفق الأساتذة الناشرون للكتاب فى نشره على الناس إلى حد بعيد ، فوضعوا له مقدمة تعرف القارئ  بالمؤلف وبأصل الكتاب ، وضبطوا المتن جهد استطاعتهم ، وحققوا وشرحوا ما يحتاج منه إلى تحقيق أو شرح ، ثم ذينوا الكتاب بفهارس ضافية استوعبت الأعلام الواردة فى الكتاب وموضوعاته ، وردته إلى عناصره ردا فيه دقة وفيه استقصاء .

ومن عادتى عند ما أقرا كتابا علميا قيما أن أتناول قلم الرصاص فأقيد بهامشه ما يعن لى من فائدة علمية ، وما عسى أن أستدركه على المؤلف أو الناشر إن كان ثم موضع للاستدراك . وقد جريت على عادتى هذه عند ما شرعت فى قراءة " كتاب الوزراء والكتاب " فلما فرغت منه قراءة وجدتنى قيدت بهامشه جملة تقييدات وملحوظات واستدراكات ، منها ما أحتفظ به لنفسي وأعتده لدراساتى ، ومنها ما هو في حقيقة الأمر نقد المتن في بعض مواضعه أو استدراك على تحقيقات الأساتذة الواردة به .  وقد لا يخلو هذا الصنف من التقييدات من الفائدة لغيرى من قراء الكتاب ، فأنا انشره على هذا الاعتبار وحده .

جاء فى متن الكتاب في ص ٩٩ ما مؤداه أن راذان

فروخ كان كاتب عبد الله بن زياد ، وقد علق الأساتدة على ذلك بقولهم : " لعله عبيد الله بن زياد " والصحيح الثبت أنه عبيد الله بن زياد لا عبد الله ( الطبري : المجموعة الثانية ص ٤٥٨ من الطبعة الأوربية )

وجاء في المتن في ص ١٤٨ : " وهو عبد الله بن عامر بن كرز " والصواب ( كريز ) بصيغة التصغير كما هو وارد في كافة المراجع .

وجاء في ص ١٦٨ : " وهو إذ ذاك بالرد والدار " يريد المؤلف تسمية المكان الذي مات به الخليفة المهدي العباسي . وقد علق الأساتذة على هذا الاسم بقولهم إنه محرف ، وإنهم لم يروا في أسماء الأماكن ما يقرب منه إلا ما ذكره المسعودي في أول ترجمة المهدي من أنه خرج إلي موضع يسمي " أرزن والران " فلعله محرف عنه . وأقول إن اللفظ محرف ، لا شك في ذلك ، إلا أن الطبرى وياقوت يسميان الموضع الذي مات فيه المهدي " بالرذ بماسبذان " فان لم يكن الاسم محرفا عن هذين اللفظين معا ، فلا أقل من أن يكون قد خلص لنا من كلام الطبري وياقوت اسم القرية التى هلك بها هذا الخليفة وهى " الرذ " الواقعة بالقرب من ماسبذان . وجاء في المتن في ص ١٩٣ : " ولوزير العروضي شعر يهجو به محمد بن الأشعث " مكلم الذئب " الخزاعي وهو :

نهتم علينا بأن الذئب كلمكم

                  فقد لعمرى أبوكم كلم الذيبا

فكيف لوكلم الليث الهصور إذا

                  تركتم الناس مأكولا ومشروبا

هذا السويدى ما يسوى إتاوته

                  بكلم القبل تصعيدا وتصويبا

ويروى : " هذا السبيدي " فضربه محمد بن الأشعث ثلثمائة سوط " .

وقد علق الأساتذة على هذا الخبر بقولهم سويد تصغير تحقير لسيد بالكسر بمعنى الذئب .  وقد أوردوا فى آخر الكتاب رواية كتاب الورقة لهذا الشعر وهي تقول ( هذا

السنيدى ) وعندى أن رواية كتاب الورقة هى الرواية الصحيحة وتؤيدها رواية الأغانى ( ج ١٨ ص ٣٨ ) كما يؤيدها معنى الشعر نفسه فان السنيدي تصغير سندى والسندى هو الرجل المنسوب إلي السند وكانت الفيلة تجلب في ذلك الزمان إلى العراق من السند .

على أن فى الخبر المذكور آنفا أغلاطا أخرى منشؤها تحريف النساخ من غير شك ، فقوله " وزير العروضى " خطأ وصوابه " رزين العروضى " وهو شاعر كان معاصرا وصديقا لدعيل وكان معروفا بغرابة أوزان شعره .  وقد ذكره بهذا الضبط صاحب الأغاني في موضعين من كتابه ، واعتمد ضبطه هذا المستشرقون الأعلام الذين عملوا فهرس كتاب الأغانى ، كما ذكره بهذا الضبط أيضا كما يقول الأساتذة الناشرون صاحبا كتاب الورقة وإرشاد الأديب . والعجيب أن يعدل الأساتذة عما جاء في هذه المراجع ويأخذوا بما جاء فى الأصل الذي نقلوا عنه الكتاب ، وبما جاء فى فهرست ابن النديم وهو كتاب محشو التحريف والتصحيف ؛ ومحمد بن الأشعث الوارد في الخبر المذكور صحته " جعفر ابن محمد بن الأشعث " ، ولو رجع القارئ إلي سياق المتن لوجده يدور على جعفر هذا الذى ولى خراسان للرشيد .

ويؤخذ من موضع " مكلم الذئب " من الجملة انها صفة لابن الأشعث ، مع انها لقب جد لابن الأشعث ، وكان رجلا من خزاعة على عهد النبي ( ص ) . ولهم في تكليم الذئب إياه قصة أوردها صاحب الأغانى ( ج ١٨ ص ٣٧ ) ، وإذا فعبارة النص ينبغى أن تكون هكذا : ولرزين العروضى شعر يهجو به جعفر بن محمد بن الأشعث من بنى مكلم الذئب الخزاعى الخ .

وجاء في المتن في ص ٢٥٦ : " و كان يكتب للخصيب أبو عبد الحميد بن داود البلاذرى المؤلف لكتاب البلدان وغيره من الكتب " وقد علق الأساتذة على ذلك بقولهم : " البلاذرى هو أبو بكر ، وقيل أبو جعفر ، وقيل أبو العباس أحمد بن يحيى بن جابر ، مؤلف كتاب فتوح البلدان " .

والحقيقة أن البلاذرى صاحب كتاب البلدان لم يكن ولد بعد وقت أن كان الخصيب بمصر ، أى حوالى سنة ١٨٧ ه . وأبو عبد الحميد بن داود المذكور في الخبر ، إنما هو جده كما يؤخذ من نسب البلاذرى الوارد في ترجمة للبلاذرى منسوبة للمقريزى وواردة في مقدمة كتاب فتوح البلدان . قال : " هو أحمد بن يحى بن جابر بن داود البغدادى الكاتب ، ويعرف بالبلاذرى " ، وإذا فعبارة هذا الخير لابد أن تكون هكذا : " وكان يكتب للخصيب أبو عبد الحميد بن داود ( جد ) البلاذرى المؤلف لكتاب البلدان " الخ .

وقال المؤلف في ص ٢٢٩ : " وأمر الرشيد يحيى بن خالد بالتقدم في هدم إيران كسري " والظاهر ان هذا وهم من المؤلف ، فالمع بالنوائر ان قصة الشروع في هدم إيوان كسري إنما نضاف إلي المنصور وخالدين برمك ، لا إلي الرشيد ويحي ) الطبري المجموعة الثالثة ص ٣٢٠ ، والفخري ص ٢١٢ ( .

وعلق الأساتذة على قول المؤلف فى ص ٣٧ لا يا أمير المؤمنين ، إنك لو بعثت الوليد يقسم الأموال بين الناس ما رضوا عنه ، فكيف تبعثه جابيا .... ولكن وله المعاون والصوائف يكن ذلك له شرفا وذكرا ، فقالوا : " المعاون الجنايات والمظالم ، ولعله يريد بالمعاون والصوائف ولاية القضاء والغزو " ، وتفسير " المعاون " بهذا المعنى إنما يصدق فى العصور الإسلامية المتأخرة ، فأما فى صدر الإسلام فالمعاون كانت عبارة عن الأموال التى كان يعطاها أصحاب العطاء الرسمى فوق عطائهم ، ومن هذا قول عمر بن الخطاب : " ألا وإن قريشا يريدون أن يتخذوا مال الله معونات دون عباده ، الا فأما وابن الخطاب حى فلا " . ( الطبرى ، المجموعة الأولى ص ٣٠٢٦ ) .

ومنه قول القائل : نحن ضربنا الأزد بالعراق            والحي من ربيعة المراق

وابن سهيل قائد النفاق    بلا معونات ولا أرزاق ( الكامل المبرد ص ٧٦ طبع أوربا ) .

ولا شك أن إعطاء المال على هذا النحو مما يكسب مثل الوليد بن عبد الملك شرفا وذكرا كما يقول النص . وانظر أيضا فى هذا الصدد : كتاب فتوح البلدان صحيفة ١٨٧ من الطبعة الأوربية .

وجاء فى ص ٥٢ : " فلما توفى سليمان كتب عمر وهو على قبره بعزل أسامة بن زيد وبعزل يزيد بن أبى مسلم " . وقال الناشرون استدراكا على هذا : " وظاهر أنه يريد يزيد بن المهلب " . والواقع أن المؤلف يريد ما يقول والصواب فى جانبه ، ولكن الأساتذة أخذوا برواية تفرد بها ابن عبد ربه فى كتاب العقد ، ومؤداها أن سليمان بن عبد الملك حبس يزيد بن أبى مسلم ، فبقى فى حبسه طوال خلافته وخلافة عمر ، ومع أنه لم يقل واحد من أئمة مؤرخى المشرق بهذا الحبس الطويل : لا الطبري ولا ابن الأثير ولا ابن خلكان الذى خص ابن أبى مسلم بترجمة وافية .

بل يقول ابن خلكان ما معناه إن سليمان أتى بيزيد فى جامعة فحاوره فوجده قوى العارضة ، وكشف عن ذمته فلم يتعلق عليه بشئ ، فاستحال سخطه عليه إلى شبه إعجاب  به ، حتى لقد هم باتخاذه كاتبا له لولا أن تبطه عن ذلك بعض حاضرى مجلسه . ولاشك أن يزيد بن أبى مسلم عز بى نفسه بعد العزل بالاشتراك في الغزو ، فلما ولى عمر بن عبد العزيز وعلم بذلك أمر برده ، وهو ما يقوله الجهشياري في ص ٥٥ . فالأخذ برواية صاحب العقد بوهم أن المؤلف قد تناقض في أخباره وهو ما ليس بصحيح .

وجاء في ص ٨١ من مقطوعة لعبد الحميد الكاتب هذان البيتان : فليست تفتر عن عبرة            لها فى الضمير ومن هامل تقضت غوايات سكر الصبا     ورد التقى عين الباطل       فضبط الشراح تفتر بالقاف المثناة من فوق ، وعندى

أن الصواب والأبلغ أن تقرأ ( تفتر ) بالفاء الموحدة ، من فتر السحاب إذا مطر وفرغ ماؤه .  وضبطوا عنن بضم أوله وثانية على أنه جمع عنان ، وأرى الأفضل أن تقرأ  عنن) يفتح أوله وثانيه ، بمعنى اعتراض ، ولا سيما أن) سيبويه ينكر أن يكسر عنان على غير أعنة ، (اللسان مادة : عنن ) .

وأورد المؤلف في ص ١٣٥ مقطوعة من الشعر لعبد بني الحسحاس مضمومة الروى ، وأولها : أمن سمية دمع العين مذروف                         لو أن ذا منك قبل اليوم معروف

ومنها هذا البيت : لا تبك عينك إن الدهر ذو غير                        فيه تفرق ذي إلف ومألوف

وقد ضبط الأساتذة قوله ( مألوف ) بالكسر وقالوا إن فى البيت إقواه ، ثم قالوا : والظاهر أنه دخيل على هذه الأبيات لأنه غير وارد فى القصيدة المنسوبة إلي عنترة (في ديوانه وفى كتاب الأغانى ) . أما أن يحتج على كتاب الجهشيارى بكتاب الأغانى وبالديوان المنسوب إلى عنترة فهذا ما لا يجوز ؛ فكتاب الجهشيارى أقدم وأوثق من كتاب الأغانى فضلا عن الديوان المنسوب إلى عنترة ، وهو يورد لنا المقطوعة المذكورة فيى صورة من أقدم صورها ويعزوها إلى قائلها الحقيقى ، وهو بذلك يصحح خطأ وقع فيه صاحب الأغانى وجامع الديوان المنسوب إلى عنترة .   وأما أن فى البيت إقواه فهو ما لا أراه . بل إن ضم ( مألوف ) هو المتعين والواجب إذا راعينا قول الشاعر فى صدر البيت ( إن الدهر ذو غير ) ، فيكون معنى الكلام إن الدهر ذو أحوال ، طورا يفرق الألاف ، وطورا يجمعهم .  ويكون ( مألوف ) معطوفا علي قوله ( تفرق ) ويكون بمعنى الإلف مثل مجهود ومعقول بمعنى الجهد والعقل ، وإذا استبعد الأساتذة ذلك أفلا يمكن أن يقال إنه محرف عن ( تأليف ) ؟ وأيا ما كانت الحال فإنى أرى البيت منسجما مع سائر أبيات المقطوعة معنى ووزنا وقافية .

وعلق الأساتذة على لفظ ( النوبهار ) الوارد في ص ١٩١ بإيراد كلام لياقوت بين فيه أنه كان بيتا للبرامكة فى بلخ يعظمونه ، وأنهم كانوا يضاهون به بيت الله الحرام ، وأن معنى النوبهار البهار الجديد ، إذ كانت سنتهم إذا بنوا بناء جديدا أو شريفا كللوه بالبهار وهو الريحان .   ولكن البحث العلمى الحديث الذى قام به بارتولد ( دائرة المعارف الإسلامية مادة برامكة ) وبوفات ( رسالته عن البرامكة ص ٢٨ ) يدل على أن النوبهار كان معبدا بوذيا ، وأن لفظ  ( نوبهار ) سنسكريتى الأصل مؤلف من ( لوفا ) بمعنى جديد و ( فيهارا ) بمعنى بيت او معبد ، وقد كانت الهنود فيهارات كثيرة . فإن كان لا بد من إيراد ما قاله كتاب العرب عن هذا البيت ، فيحسن أن يردف ذلك مما براء البحث العلمي الحديث استتماما للفائدة .

وجاء في متن الكتاب في ص  ١٩٩ : " ومما يشبه خبر  عبد الله بن سوار هذا " وعلق الأساتذة على ذلك بقولهم :  فى الأصل : " ومما يشبه خبر هذا عبد الله " الخ . والسياق يقتضى تأخير " هذا " . ولست أرى مع الأساتذة ذلك ،  فتقديم اسم الاشارة على المسلم المشار إليه وارد فى الكتب القديمة ، فصاحب الفخرى يقول : " وهذا خالد هو جد  البرامكة" ( ص ٢١٠ من الطبعة الأوربية) ويقول : " وكان هذا سنباذ رجلا مجوسيا " ( ص ٢٣٢) وأظن أن لقوله وجها من العربية وإذا فلا داعى إلى تغيير عبارة النص بالتقديم والتأخير .

ذلك ما قيدته على هذا الكتاب النفيس وإني ارجو ان كون قد قضيت بذلك حق مؤلفه وحق ناشرب به وحق قرائه . وأقول في ختام بحني إن ما أخذته على الكتاب سواء أكان من ناحية المتن أم من ناحية تحقيق الأساتذة ، لا يكاد يذكر بجانب ما في الكتاب من جليل الفائدة وما في تحقيقات الأساتدة من عظيم الإجادة والإحسان .

اشترك في نشرتنا البريدية