صدر أخيراً كتاب جديد عن هير هتلر، وقد صدرت في الأعوام الثلاثة الأخيرة كتب عديدة عن زعيم ألمانيا الجديدة منها ما يرتفع به إلى السماكين كزعيم ومصلح، ومنها ما يصوره زعيما عادياً لم ترفعه إلى مركزه أية عبقرية أو مواهب خاصة، وإنما رفعته إليه ظروف خاصة. ولكن الكتاب الجديد يمتاز بالتمحيص الهادئ والتصوير الدقيق؛ وهو من قلم كاتب وسياسي فرنسي كبير هو مسيو فرانسوا دي تسان Tessan وعنوانه: (ها أودلف هتلر) Voici Adolf Hitler وقد كان مؤلف الكتاب مدى أعوام طويلة وكيلا لوزارة الخارجية، وهو من الكتاب الساسة
الذين توفروا على دراسة الشؤون الدولية دراسة عميقة متزنة. وكتابه عن هتلر أكثر من ترجمة لهذا الزعيم، فهو في الواقع تاريخ كامل للحركة الاشتراكية الوطنية في الأعوام الثلاثة الأخيرة، وفي سائر وجوهها ومناحيها
ويحاول مسيو تسان أن يعرض حديثه عن هتلر وعن الاشتراكية الوطنية عرضاً محايداً مجرداً عن الشهوات والنزعات الخاصة. وهو يحاول حتى في سرد الحوادث الدامية المروعة التي اقترنت بقيام حكم النازي أن يبتعد عن التفاصيل والتعليقات المثيرة، ويكتفي بالإشارة الطائرة إلى كثير من ضروب الاضطهاد والفظائع التي نزلت بالأحزاب المعارضة وباليهود. بيد أنه لا يسعه إلا أن يقدم إلينا ألمانيا على ضوء هذه الحوادث المثيرة مشبعة بروح العصور الوسطى، متشحة بثوب ظاهر من الهمجية، مستندة إلى القوة الغاشمة وحدها في فهم القانون والحق. ويستعرض المؤلف الحوادث المتعاقبة منذ قيام الحكم الهتلري حتى وفاة هندنبورج واتشاح هتلر بثوب (الزعامة) ، ويفصل لنا حادثة إحراق الريخستاج، وحوادث ٣٠ يونية الدامية، ويشرح لنا النظم والأساليب النازية الجديدة التي أدت إلى توحيد ألمانيا وسحق النظم الاتحادية القديمة، وإقامة أمة موثقة العرى في قبضة طاغية هو في نفس الوقت رئيس حكومة ورئيس دولة.
وبين لنا مسيو تسان آثار النظام الجديد في تعبئة الشباب وسحق الآراء الشيوعية، وتحطيم اليهودية، وإخراج اليهود من حظيرة القانون، وإضعاف شوكة الكثلكة، وعلى الجملة في إنشاء (الدولة الشاملة التي تغذيها تخيلات زعيم متصوف، والتي تعتمد على قوة عسكرية تزيد كل يوم، ومازالت وجهة استخدامها في المستقبل لغزاً لحضارتنا وللعالم) . كذلك يشرح لنا مسيو تسان آثار الإجراءات الدامية التي اتخذها الزعيم بيديه في ٣٠ يونيه، وكيف أنها وقعت تحت تأثير (الريخسفر) (الجيش) وسحقت نفوذ ذوي الأقمصة السمراء، واستبعدت من الحركة عناصر المغامرين، ووضعت حداً لمنافسة فرق الهجوم للجيش؛ وكيف انتهى تعاون الريخسفر مع هتلر إلى إلغاء النصوص العسكرية في معاهدة الصلح، وإقامة جيش ألماني جديد قوامه ستمائة ألف ولم يكن ميسوراً أن تقع هذه الانقلابات الشاملة دون تعبئة
الرأي العام وتوجيهه، ومن ثم فقد لجأت الحركة النازية إلى أشد أساليب الدعوة، واتخذت الفكرة الجنسية والجرمانية أساساً لدعوتها، ونظمت هذه الدعوة بشتى الوسائل، بالمسرح والسينما والراديو والكتابة. كذلك حشدت الجامعات والمدارس والحركة التعليمية كلها لتأييد المبادئ النازية، وأنشئ معهد لصوغ التاريخ القومي طبقاً للنظريات النازية، وأضحت الحركة الفكرية كلها أداة نافذة في يد النظام الجديد تهيئ بها النشء والشباب للخضوع المطبق
ويشرح لنا المؤلف أدوار الحركة التي نظمت لسحق اليهودية منذ بدايتها وكيف أنها انتهت إلى وضع اليهودية من الوجهة الاجتماعية والاقتصادية في نوع من العزلة المطبقة التي تشبه نظام (الجيتو) في العصور الوسطى
ويتناول المؤلف تطورات السياسة الألمانية الجديدة في هذه الفترة وموقف ألمانيا من المعاهدات ومشاريعه السلام، ودعاواها في المستعمرات، وكل ما يتعلق بهذه الشؤون، وما أحرزته في هذا الميدان من النتائج وقد كتب الكتاب بأسلوب قوي متزن تطبعه نزعة السياسي الهادئ والمؤرخ المحقق

