ظهر أخيراً في لندن كتاب جديد للمؤرخ الألماني الشهير أميل كون المشهور في عالم التأليف بأميل لودفيج؛ وهو كتابه الموعود عن (نهر النيل) . وكان لودفيج يشتغل بتصنيف هذا الكتاب منذ عدة أعوام؛ وقد خطرت له فكرة تأليفه مذ زار مصر والسودان في سنة ١٩٢٩، وأثرت فيه مناظر النيل وروعته الخالدة. وعرض لودفيج فكرته على المغفور له الملك فؤاد فأولاه كل عطف وتشجيع، ولقي من جانب السلطات كل معونة في الوقوف على ما أراد من المعلومات، ومراجعة ما شاء من المستندات. ولودفيج مؤرخ بالفطرة، وليس بعالم جغرافي، ولكنه لم يجعل من كتابه عن (النيل) بحثاً جغرافياً جامداً؛ وإنما اتبع في وصف النيل ومناظره ووديانه وفيضانه نفس الأسلوب الذي يتبعه في كتابه التأريخ، فكما أنه لا يعني في ترجمة
الأشخاص بالحوادث العامة قدر عنايته بالحوادث والصور الخاصة وقراءة الأفكار والمشاعر من الأعمال والتصرفات الشخصية، فكذلك قد عني بأن يبرز من النيل شخصيته المعنوية الرائعة وما يرتبط بها من الصور والأفكار التي ترجع إلى غابر العصور، وتسبغ على النيل طابعاً من العظمة الخالدة. وكتاب لودفيج شعري ووصفي أكثر منه جغرافياً، وإن كان المؤلف لم يهمل تقديم المعلومات الجغرافية الكافية. وقد صدر كتاب لودفيج بالإنكليزية لأول مرة، ولم يصدر بالألمانية، لأن لودفيج من الكتاب اليهود الألمان الذين شردتهم ألمانيا الهتلرية، ونزعت منهم كل حقوق الطبع والنشر في ألمانيا، وحرمت دخول كتبهم في الأراضي الألمانية، ولذلك يصدرون اليوم كتبهم في لندن وباريس وامستردام، تارة بالألمانية وغالباً بالإنكليزية أو الفرنسية.

