عرف تاليران الوزير الفرنسي الشهير بأنه نموذج للسياسي الداهية الذي لا يعرف في سبيل تحقيق سياسته مبدأ ولا ذمماً، وأضحى اسمه علماً على السياسة القادرة المتقلبة، بيد أن للتاريخ دورته وتطوراته؛ فإذا كان التاريخ قد رأى في تاليران من قبل
سياسياً غادراً متقلباً، فقد يرى فيه اليوم رأياً آخر. وهذا الرأي الجديد عن شخصية تاليران وعن سياسته يقدمه إلينا وزير إنكليزي هو مستر دوف كوبر في بحث تاريخي جليل صدر أخيراً بعنوان (تاليران) talleyrand والواقع أن حياة تاليران العجيبة تستحق الدرس؛ فقد خرج من الكنيسة إلى السياسة، وخدم لويس الخامس عشر، فلويس السادس عشر، فالمؤتمر الوطني والثورة الفرنسية، فنابليون بونابرت في جميع أطوار حكمه، ثم لويس الثامن عشر، وشارل السابع، وأخيراً لويس فيليب؛ وهكذا وضع تاليران مواهبه تحت تصرف أنظمة وحكومات مختلفة؛ ولم يحجم في أي ظرف عن أن يتخلى عن حكومة أفل نجمها لتأييد حكومة جديدة، ولم ير بأساً من أن يخون عرشاً على وشك السقوط لخدمة عرش تألق نجمه؛ فهذا التقلب الغادر هو الذي يأخذه المؤرخون الفرنسيون على تاليران، ويرون فيه سفالة أخلاقية لا تغتفر؛ ولكن الوزير الإنكليزي يرى في كتابه الجديد رأياً آخر؛ فهو يرى أن تاليران كان مثل السياسي العملي البارع؛ وهو يقدم لنا عنه هذه الصورة القوية: (إن للفرنسيين ذاكرة بعيدة؛ والسياسة في نظرهم هي استمرار التاريخ. والكتاب الفرنسيون ينتمون إلى مختلف الأحزاب والنحل: فهم ملكيون أو جمهوريون أو بونابارتيون. أما تاليران فلم يخلص لناحية خاصة من هذه. ولهذا لم يجد قط مدافعاً عنه في فرنسا. ومع ذلك فليس للفرنسيين أن ينحوا عليه باللوم؛ ذلك لأن تقلباته كانت تبذل في سبيل فرنسا كلها، وهو يصرح بحق أنه لم يتآمر قط إلا حينما يندمج معظم مواطنيه في سلك المؤامرة. وقد هلل كباقي الفرنسيين لمثل الثورة الفرنسية واعتقد في ضرورتها. ولكنه كباقي فرنسا سخط على حكم الإرهاب وخدم الحكومة المؤقتة وناصر نابليون كرسول النظام والسلم. بيد أنه كباقي فرنسا كان يبغض الظلم، فلما سئم من الحروب عاد يسعى إلى إعادة البوربون. ولما رأى استحالة العمل مع شارل العاشر، اتجه نحو لويس فيليب، وقد كانت مثله التي لم يحد عنها قط الملكية الدستورية، وتأييد النظام والحرية في فرنسا. والسلام في أوربا، والتحالف مع إنكلترا).
وقد انتهى الوزير الإنكليزي إلى هذا الرأي بعد البحث واستقراء الوثائق التاريخية الهامة؛ وهو يستعرض كل أعمال تاليران وتقلباته ويشرحها على ضوء الحوادث والأشخاص؛ وهو يجنح إلى العطف في معظم تعليقاته؛ ومن رأيه أن تاليران كان من أعظم الساسة الذين عرفهم العالم، وأن تقلباته المزعومة لم تكن إلا نوعاً من السياسة العملية التي يقدرها الإنكليز قدرها، وأنه كان يتمتع بصفات باهرة جعلت منه أقدر سياسي في عصره.
ونحن إذا قلبنا صحف تاريخنا وجدنا لدينا قرين تاليران؛ ذلك هو السياسي الفيلسوف ابن خلدون؛ فهو أشبه الناس بتاليران في خدمة الحكومات المختلفة، وفي الأخذ بقواعد السياسة العملية، وفي تقلباته مع الظافرين

