وضع الأستاذ الدكتور أ . من ترتن ، خليفة الأستاذ هـ . ١ ر . جب فى تدريس اللغة العربية فى مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية فى لندن ، كتابا طريفا فى نحو اللغة العربية ، عنوانه " علم نفسك العربية ، - Teach Yourself Arabic - وهو حلقة فى سلسلة اسمها - The Eup Teach Yourself Books - وهى سلسلة تتناول تعليم عدد كبير من اللغات والعلوم بأسلوب يسير .
والكتاب مؤلف للطلاب الإنجليز ، بيد أنه مفيد من جملة نواح لمعلمى العربية والمشتغلين بالدراسات العربية من العرب الذين يعرفون الانجليزية ؛ ذلك أن الدعوة إلى تيسير اللغة العربية ما فتئت تتردد منذ زمن بعيد ، ولكن لم يجرؤ احد على الإقدام على هذا التيسير لوعورة المسلك واختلاف الرأى وفقدان التعاون بين مدرسى اللغة العربية فى مختلف البلدان العربية . وهذا الكتاب يصلح أن يكون مثالا أو ، على الأقل ، مرشدا لمن يأنس فى نفسه الكفاية لاقتحام العقبة أو العقبات .
إن مؤلفات الأوربيين عموما فى تدريس العربية فيها سر لا أدرى آهتديت إليه أم لا يزال مغلقا على . فالذى يبدو لى أن ابن اللغة يأخذ اللغة من الأفواه أو الكتب بلا شعور . وما تزال القوالب الكلامية تتوارد عليه يوما بعد يوم فتتسع ثقافته اللغوية وتوسخ ملكته . وإن وجه إلى النظر فى أسرار لغته ودقائقها استيقظ شعوره ، وأضحى ينظر إليها شيئا منفصلا عن ذاته ، وداخلته وساوس كثيرة ، وهذا مسلك متناقض ، للمسلك الطبيعى فى تلقف اللغة ، فاللغة قوالب كلامية تدخل العقل فى أمواج كلية لا جزئية ، ودون شعور .
ولعل هذا علة صعوبة العربية على أبنائها فى الوقت
الحاضر ، فنحن نتجه اتجاها خاطئا فى تعليمها بطريق إيقاظ الشعور ، وأولى لنا أن نسلك الطريق الآخر ، وهو تدريسها قوالب كلية فى ظروفها الطبيعية ، والشعور راكد أو متحرك حركته المألوفة .
أذكر أن نتيجة بعض الفحوص فى اللغات عندنا دلت على أن الطلاب الذين يدرسون فى مدارس عربية يتفوقون فى معرفة قواعد اللغة الانجليزية على الطلاب الذين يدرسها فى مدارس إنجليزية حيث تؤخذ اللغة مشافهة ، ولكن معرفة القواعد شىء ومعرفة اللغة نفسها شىء آخر .
ومسألة أخرى : نرى أكان كبار الشعراء والأدباء متيقظى الشعور بقواعد اللغة ؟ وهل خرج من بين علماء اللغة قواعدها - المتبحرين فيها أدباء من الطراز الأول ؟ هذان سؤالان يلوح لى أن الجواب عليهما سلبى ، اللهم إلا إن كبت المنشىء في ساعة الإنشاء شعوره اللغوى - النحوى - وعبر عن أفكاره بانطلاق ، وليس معنى هذا بالضرورة أن جهل القواعد هو سر الجودة فى الإنشاء ، ولكن معناه أن السبيل إلى معرفة القواعد هو القياس الخفى على المناويل المتحصلة فى العقل من المحفوظ والمقروء ، وهو السبيل إلى تحصيل اللغة ذاتها ؛ ولذلك ما فتىء العلماء قديما وحديثا يقررون أن جودة الانشاء تعتمد على جودة المقروء ، ومن البديهى أن قواعد اللغة داخلة ضمن التراكيب لا أشياء خارجة عنها .
ومهما يكن من شىء فان الغريب عن اللغة يأخذ قواعدها جزءا جزءا ، ويتنبه - ربما عن طريق الموازنة أيضا - إلى مسائل لا تخطر ببال ابنها ، وإن ألف فيها أبرز خصائصها واضحة المعالم .
وهذا فى الحق ينطبق على ما قرأت فى اللغات الأوربية عن نحو لغتنا ، وينطبق أيضا على كتاب الدكتور ترتن الذى ساقنا إلى هذا الاستطراد عن غير قصد .
ويبدو لى أن هذا الكتاب بر الكتب التى سبقته . فهو محيط بأصوات العربية إحاطة علمية دقيقة ، وكتب القواعد عموما تهمل قسم الأصوات ، وتقتصر على ذكر الحروف . وهذا الكتاب يعطينا الأصوات فى جداول تبين مخارجها وصفاتها ، ثم يشرح طبيعة كل صوت شرحا وافيا مقابلا إياه بالأصوات الانجليزية .
وهو لأول مرة - على ما أعلم- يستعمل الحروف اللاتينية الدولية فى كتابة النصوص العربية ، وهذه الحروف - أو الرموز - وضعت فى الأصل لتدوين أية لغة شرقية أو أوربية أو إفريقية على أسس فنية غاية فى الدقة وهذه نقطة أسترعى إليها انتباه سعادة الأستاذ عبد العزيز فهمى باشا وأنصار الحروف اللاتينية . وهو سائر فى عرض قواعد اللغة سيرا لطيفا لا يشعر القارىء بفجوات سخيفة كالذى تراه فى أكثر كتبنا ، فينتقل من الأصوات إلى الحركات إلى الضغط Accent إلى الأسم وإلى التعريف إلى الضمائر البارزة . . . . الخ ، بتسلسل معقول .
وبنحو فى عرض القواعد نحوا واقعيا ، أعنى مجردا من العبارات الفلسفية والتفصيلات التى نجدها حتى فى كتب الأطفال ؛ مثال ذلك يذكر حركات المنادى دون إشارة إلى بناء أو إعراب ، ويدمج المفاعيل فى باب واحد ، مشيرا إلى الفروق المعنوية بينها فحسب ، ويجعل قواعد الهمزة بعبارة موجزة ، وهى أن تنطق اللفظة بلاهمز ثم تثبت الهمزة فوق الحرف .
وعنى بالصرف عناية خاصة ، فوقف عليه جل الكتاب ، ولكنه لم يفصله عن النحو إلا فى مواطن .
وأعطى الأدوات حقها من الشرح ، وحدد معانيها ، ولم يجمعها فى باب واحد حسب عملها كما هو الحال فى كتبنا ، وذكر بعض العلل اللطيفة لطائفة من المسائل ، كتعليله زيادة الألف فى حالة نصب الاسم بأن أهل مكة
كانوا ينطقون ( التنوين = أن ) بالمد .
واقتصر فى أمثلته ونصوصه على النثر ، ولم يورد فى جميع الكتاب بيتا واحدا من الشعر ، وهذا اتجاه جديد له مسوغات يطول شرحها .
وأردف الكتاب بنصوص من العربية والانجليزية للترجمة علاوة على التمارين التى وردت فة نهاية كل درس ، وهكذا حقق الصلة الطبيعية بين القواعد والقراءة .
وهناك ناحية طريفة فى الكتاب ، فالمؤلف مشهور بدعاباته وظرفه حين ينقد الكتب فى المجلات ، ونرى شيئا من ذلك فى ثنايا هذا الموضوع الجاف ؛ مثال ذلك يبدأ فصل ( العدد ) بقوله : إن العدد كابوس الصبر فى المفلس . . . وبعلل فقر اللغة فى بعض المفردات بقوله : إن العربى - ويقصد البدوى - يجلس على الأرض ويأكل بيديه ، وحين يأكل أو ينام يجلب إليه طعامه وفراشه ، ونتج عن ذلك أن كثيرا من الكلمات التى لاغنى عنها فى الانجليزية يندر ورودها فى العربية .
ولا أدرى أيجوز لى بعد هذا أن أشير إلى أمور طفيفة يمكن استدراكها فى الطبعة التالية .
ذكر فى ص ٢٢٣ مجلة الصور مكتوبة بالحروف اللاتينية بكسر الواو والصواب الفتح .
وورد فى ص ١٩٤ ياساعدا فى الجبل بدل صاعدا وكلاهما تطبيع .
وذكر جميع الأصوات التى تدغم بها آل المعرفة كما هو فى كتبنا ، وعلم الأصوات يرد الإدغام إلى علة صوتية يسيرة ، وهى أن الصوت ذا المخرج القريب من مخرج اللام يدغم بها . وشذت الجيم المعطشة ( الشامية ) إذ حقها الإدغام ولكن النحاة لم يفطنوا إلى نطقها الأصلى الذى جعلها قمرية .
وربما تحسن الإشارة إلى الحروف المتشابهة كتابة
كالباء والتاء والثاء ؛ والجيم والحاء والخاء الخ ، من حيث تشابه صورها فى أول الكلمة ووسطها وأخرها تسهيلا على المتعلمين .
ومن يعلم أن المؤلف عالم فى اللغات السامية ، وفى الفقه الإسلامى انظر كتابى : علماء الشرقيات فى إنجلترا ص ١٤ وعلم بكثير من اللغات الأوربية ، وأنه شيخ جليل ، يتضاعف إعجابه بكتابه هذا الذى نسخ ما سبقه فى موضوعه . ( القدس )

