لم يكتب إلى اليوم تاريخ مصر الحديثة كاملاً، وإلا فأين صفحات فلان وفلان من أبطال جهادها والذائدة عن حقوقها؟ وإذا كان تاريخ (محمد فريد) - وهو من زعمائها الآحاد - كادت تغمره الحوادث في لجة النسيان حتى نشأ الناشئ وهو لا يدري عنه إلا ما لا غناء فيه فكيف بمن هم دون فريد أثراً؟ لقد عنى بعضهم داخل الجامعة وخارجها بالكثير من الموضوعات التاريخية، فقرأنا لهم المباحث الطيبة قي شتى فترات التاريخ، ولكنا لم نجد بين إنتاجهم التاريخي شيئاً عن مصر الحديثة المجاهدة
ولقد قيل كثيراً: إنه يصعب كتابة تاريخ الأيام القريبة لاعتبار سياسي؛ وهو قول ينبغي الأخذ به، فالمؤرخ الحق لا يعرف شيئاً يمكن أن يجور به في عمله عن قصد السبيل؛ والإنسانية استطاعت الآن إلى حد كبير أن تحمي العلم الخالص من كل تحكم ظالم؛ وإن أناساً هنا وهناك نشروا مذكراتهم، أو تأليفهم التاريخية، وفيها مساس كبير بالمعاصرين، فخرج عملهم على حظ عظيم من الإحسان والدقة. . . هذا، ووثائق التاريخ المصري الحديث لما تندثر، وفرصة تمحيص رواياته أكثر اليوم مواتا للباحثين؛ ونشر صفحاته ستفيد منه الأمة وناشئتها بصفة خاصة خيراً كثيراً؛ وإذن فليس يجمل إهمال هذه الاعتبارات جميعاً تلقاء الخوف من اعتبار واحد فيه ضعفه.
لا غرو بعد هذا إن نحن قابلنا كتاب (محمد فريد) للرافعي بك، وهو إحدى حلقات سلسلته الذهبية في تاريخ مصر القومي بالكثير من الغبطة والتقدير. . . فهو تاريخ كامل للفترة الواقعة بين سنتي ١٩٠٨ و ١٩١٩، تلك الفترة التي لا نغالي إذا قررنا أن شبيبتنا التي لم تدركها تجهلها، أو - على أحسن الفروض - تجهل الكثير من أحداثها
ولقد جمع الرافعي في كتابه ما يكاد يطلع القارئ على كل ما كان في هذه الحقبة الهامة في تاريخ النهضة المصرية، وكأن القارئ الشاب عاشها فعلا، ولكن لا كفرد عادي يعرف شيئاً وتغيب عنه أشياء، بل كفرد وثيق الصلة بالحركات المختلفة للنهضة، مطلع على دقائقها
ولن يجد الشباب في كتاب الرافعي كتاباً تاريخياً دقيقاً فحسب، ولكنهم سيجدون فيه أيضاً سيرة مثالية توجه نزعاتهم الطامحة
سيرون الجهاد والمثابرة في أسمى صورهما، وسيرون كيف يكون الزهد في المنصب والجاه، وكيف يكون التفاني في المثل العليا بأوفى معانيه. وسيرون السعي السلمي المنظم لإيقاظ الشعور الوطني، وترقية الأفكار العامة، وإحراز الدستور.
وسيرون مولد الكثير من المشروعات الإنسانية في نواحي الاقتصاد والاجتماع والتعليم، وسيرون في جنباته صوراً كثيرة لأدب تلك الفترة، وسيجدون أمامهم من الوقائع والروايات ما يستشفون منه الموضوعات الاجتماعية والسياسية وقتئذ وسيرون - وما أنفع وما أروع! - سيرون العنت
الهائل يلحق بأسلافهم المجاهدين فيزيدهم إيماناً! سيرون كيف كانت المطالبة بالحقوق جريمة يحاكم فاعلوها بالحبس مع الشغل.
وسيرون الأخلاق الواهية، وكيف ينبعث من بني الوطن من يكيدون للوطن وخدام الوطن. ثم سيرون في تاريخ الوطنية أحداثاً لم يعاهدوها إلا في تاريخ الأديان: سيرون الهجرة والفتن والردة! وسيرون بعد حامل الرسالة لا يهن ولا يهون
ليقرأ الشباب هذا الكتاب ليروا فريداً المجاهد تعذبه الغربة، وتؤوده العلة، ويود لو انتقل إلى مكان في نفس أوربا أرحم بمرضه فلا يستطيع لضيق ذات يده! ثم ليروه وهو المصاب بأدواء الكبد والاستسقاء، والذي يغادر مشفى ليدخل آخر، وينتهي من عملية القيلة المائية ليعاني (بزل) الماء الراشح في تجويف بطنه. . . تارة بالتسعة لترات، وتارة بالسبعة عشر لترا. . . ليروا هذا المريض المجهود يدع البلد الذي آنس فيه بعض الشفاء وينفر إلى المؤتمر الدولي الاشتراكي في (لوسرن) ليرفع فيه صوت مصر!
وسيتابع الشباب في الكتاب حياة (فريد) حتى تأفل، وسيسمعون قوله والمنية ترنق عليه: (لست أخاف الموت، لأنه حق، ولكن كل ما كنت أتمناه أن أرى مصر متمتعة بتمام استقلالها!)
وسيسمعون إلى وصيته الدافقة وطنية وأسى وشعراً؛ (فإذا مت فضعوني في صندوق، واحفظوني في مكان أمين، حتى تتاح الفرصة لنقل جثتي إلى وطني العزيز الذي أفارقه وكنت أود أن أراه!)
أما بعد، فقد ترك لنا الأستاذ الرافعي سبيلا ننقد منه كتابه القيم، فهو يتعقب عامداً زعيماً بعينه يبحث له عن زلات، ويفسر الكثير من تصرفاته بما يسيء إلى سيرته؛ والرافعي قد يكون رجلاً حزبياً سياسياً يتلمس الأسباب لرفع مذهب على مذهب، وينظر إلى عمل خصمه السياسي نظرة تبدي المساوئ؛ فهو لذلك قد يكون معذوراً فيما صنع، ولكننا كنا نؤثر أن يغلب الطابع العلمي التاريخي المحض على كتابه العظيم
وفي الكتاب أخطاء مطبعية يضيق المقام عن سردها، ونرجو أن يبرأ منها في طبعاته التالية إن شاء الله وللأستاذ المؤلف شكر الوطن القادر صنيعه ووفاءه
(المنصورة)

