الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 110الرجوع إلى "الثقافة"

كتاب مفتوح، من عمر المختار - إلى الماريشال جرزيانى

Share

عزيزى الماريشال : أكتب إليك هذا وأنا حق واثق من أنك  لم تنسنى، بل حق واثق من أننى وخاصة فى هذه  الأيام، أتمثل لك سواد الليل وبياض النهار، ومهما  يكن من أمر فإن آخر لقائنا لم يمض عليه من الزمان  ما يُنسى الصديق عهد الصديق!

أتذكر، يا عزيزى ذلك اليوم الذى جاؤوك بى  وأنا مقرن فى الأصفاد، فتقدمت إلى أحراسك أن  يلقونى فى الطيارة التى أشرت بإعدادها لمهم لم تقم به  طيارة من قبل، وسرعان ما حلقت بى ، تشق أجواز  الجو ، طبقة بعد طبقة ، حتى كادت تصك وجه  الشمس . ثم قذف بى من ذلك الحالق قذف النواة،  لا رحمة ولا إشفاق!

وإن أعجب لشىء ، وإن أفرح بشىء ، فبطياراتكم التى بلغت هذه السرعة الهائلة ، بحيث تحمل المرء من هذه الدنيا فتبلغه جنة عدن فيما دون عشر دقائق !

ولئن عاب أهل الدنيا طياريكم ، معشر الطليان ، بأنهم لا يحسنون إصابة الأهداف ، لقد اضطرب هذا الحكم عليهم بين الجهل والتجنى . فطياروكم أحسن الطيارين تسديدا إلى المرامى وإصابة للأهداف ، ما دامت القذيفة شيخا فى حدود المائة ، والهدف ظهر الصحراء !

عزيزى الماريشال  : لقد انعقد إجماع أهل العلم على أن الشجاعة تلازمها  الرقة للضعيف ، ورحمة من ليس له بالكفاح يدان .

وكذلك كان شأنكم، يا معشر قادة الجنود ، فانكم   لا تؤذون الأسرى ، وتسرعون إلى مداواة الجرحى من  عدوكم ، كما تداوون جرحاكم سواء بسواء ، وتلقون الجميع  بالبشاشة ، وتعاملونهم بالإكرام ، فما بالك قد صنعت بى ، أنا الشيخ الفانى ، ذلك الذى لم يسمع بمثله أحد فى طول  الزمان . هذا الذى لا ترضى بفعله الحجارة ، لو كانت   الحجارة تشعر وتريد .

لقد التمست لك وجه العذر ، يا عزيزى الماريشال ،  ولا تعجب لأن ألتمس أنا العذر لك أنت، فإننى فى دار  لا تحس فيها حقدً ولا يجد الضغن إلى قلوبنا سبيلا. ألم يقل الله تعالى فى كتابه الكريم: " وَنَزَعْنَا مَا فِي  صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ "  الآية.

وجه العذر — فيما أرى — أنكم ، معشر الطليان ،  أو معشر الفاشست، على الأصح ، وقد جمعتم العزم على  فتح أفريقيا ، لتستنقذوها من الجهالة ، وتخرجوها إلى  نور الحضارة ، رأيتم سلفا أن تشهدوا العالم على مبلغ  ما أحرزتم أنتم من حضارة وعطف على الإنسان . وليس  من شك ، بعد هذا فى أن فعلتك تيك إنما كانت  أصدق نموذج (عينة) لحكمكم إذا ملكتم نواصى الأرض، وبلغتم منيتكم فى استعادة ملك الرومان !

ولعلك ، أيها الماريشال الشجاع جدا، ساعة تقدمت  بإعدامى على تلك الصورة ، قدرت أننى لن أتعذب أكثر  من دقيقة واحدة ، فإننى كنت أجهل مصيرى ، حتى إذا  قذفوا بى فى الجو ، خفق قلبى خفقة أو اثنتين ، ثم

استشعرت صدمة ، هل علمت خطوة البرق؟ ثم لم أدر  شيئً ، ولم أحس شيئا ، حتى رأيتنى فى الجنة ، بين  الصديقين والشهداء . وحسن أولئك رفيقا .

ولعل هذا مما كان داخلا فى تقديرك أيضا ، فأبت  همتك إلا أن تسدى إلى هذا الجميل . جزاك الله عنى  أعظم الجزاء !

هناك يا صديق سؤال يضطرب فى صدرى ولا يجد  له متنفسا من جواب : لقد كنت أعلم ، وأنا من أهل  الدنيا وازددت يقينا حين صرت إلى الآخرة ، أن السيد  المسيح  عليه السلام  ، كان أكبر مظاهر رسالته الرفق  والرحمة ، والمحبة والسلام ، والعفو عمن جنى ، والصفح  عمن أساء . ولقد كان ، عليه السلام ، أول رسول لم يؤيد  بمعجزة من عصف أو خسف ، وإغراق أو دمدمة ،  أو ريح عاصفة ، أو رجفة قاصفة ، وإنما كان يبرئ  الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله. وليس وراء  هذه الرحمة رحمة ، وليس أبلغ من هذا فى باب العطف  على الإنسان ، فهل من الفضائل المسيحية التى تتشادق بها  أنت ومعشرك ، والتى تزعمون أنكم ما شهرتم هذه الحرب  على خصومكم إلا لتسودوها فى العالمين — هل من هذه  الفضائل أن تمثلوا بشيخ مثلى هذا التمثيل ، وتقتلوه  بصورة لم تعهد فى تاريخ التذبيح والتقتيل؟

لا والله ! لقد برئ منكم المسيح الرحيم النبيل ،  وبرئت منكم التوراة والإنجيل !

وبعد، فاعلم ، يا هذا الرجل ، ولعلك الآن أنشأت  تعلم . اعلم أن الله تعالى يمهل ولا يهمل ، وهو للظالمين  بالمرصاد . وإنه ليملى للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته .

ولقد أملى لك وأمهلك وما أمهلك ولا أملى لك ،

إلا ليزيد لك فى العقاب ، ويضاعف لك العذاب ،  ففسح لك فى الأمل ، وأدنى منك كرائم المنى . وقطع ، فى نفسك ، جميع علائق الشك فى أن ستكون الغازى  الفاتح الذى يرد لقومه ملك الرومان القديم ، فى غير  مشقة ولا جليل عناء ، حتى خلت نفسك كذلك ،  وتسلفت الزهو به ، وتقبلت الهناء عليه .

نعم ، لقد أذنت وأذن معشرك ، لا فى بلادكم  وحدها ، بل فى جميع رقاع العالم ، بأن مصر والقناة التى  تسلكها بين البحرين ، وأن السودان من قسمكم ،  كما أضحت الحبشة والصومال والأريتريا من حر ملككم ،  لا ينازعكم على ذلكم منازع ، ولا يستطيع أن يدافعكم  عن شىء منه مدافع . ولقد سكنتم إلى هذا واطمأننتم  إليه ، وخلتم أنكم قد فرغتم من الشغل به . وما لكم  تشغلون البال بما حصل فى أيديكم ، ومكنت لكم القوة  الساطية منه تمكينا ؟ !

أمهلك الله وقومك وأملى لكم ، حتى بلغتم من  حسن الظن بالأيام هذا المدى .

أليس أعداؤكم الإنجليز قد خشوا بأسكم ، فسبقوا  إلى إخلاء وجه الصومال لكم ، كما خلوا بينكم وبين  السلوم وسيدى برانى ، فاحتللتموهما فى غير جهد ولا قتال ؟

إذن لقد تم الأمر لكم ، فأنتم ولا محالة بالغو قصارى  مناكم فى يسير من الزمان ، حتى لقد واعد كثير من  جندكم خطيباتهم قضاء شهر العسل ، بعد أسابيع أو بعد  أيام ، على ضفة النيل ، والنعيم فى واديه الجميل .

ثم ما فعل الله ، يا ماريشال ، بإمبراطورية الرومان ؟     هذا فرنك ويفل يضربك فى كل نهار ضربة . فلا يقنع بأن يسترجع منك سيدى برانى والسلوم ، بل إنه ليغير على ملككم فى لوبيا ، فيفتح بلادها مدينة بعد  مدينة ، ويستولى على حصونها واحدًا بعد آخر . ويأسر

حامياتها التى حشدت فيلقا بعد فيلق ، ويغنم من المدافع  والدبابات والذخائر وسائر آلات الحرب وعتادها ما لو  كنتم تعاقدتم ، من قبل ، مع إنجلترا على أن تورده  مصانعكم إليها بالثمن العاجل ، لعجزت فى هذه الفترة عنه ، ولم تستطع ، على شدة حاجتها إلى المال ، الوصول إليه !

ولقد بلغ من خذلان الله لكم أن تظل طائراتكم ، وهى تعد بالآلاف ، جاثمة فى أفاحيصها(مطاراتها) التى تعد  بالمئات ، فى انتظار الطائرات البريطانية التى تصبحها  وتمسيها كل يوم ، حتى إذا أصلتها ضربا أو تمزيقا ،  وأوسعتها تدميرا وتحريقا ، عادت إلى حظائرها وكأنها  لم تعانِ غزوا، ولم تلاق عدوا !

أفتراك ، يا ماريشال ، قد تعهدت للإنجليز بأن  تعينهم على تمرين طياريهم فى إصابة الأهداف وتسديد  المرامى، فنثرت لهم الطيارات فى كل مطار، ليتعلموا فيها  الرماية فى كل ليل وفى كل نهار ؟

ألا خبرنى بعيشك ؟ لماذا حشدت كل هذه الجيوش !  وهى لا تضطلع من أعباء الحرب بأكثر من التسليم !  ولماذا أقمت كل تلك الحصون ؟ وهى لم تقم بأكثر من  تفتيح الأبواب للغازى المغير! ولم أرصدت كل هاتيك  الموبقات الفواتك من آلات الحروب ؟ إذ هى لم تصنع  أكثر من أن تعد نفسها غنيمة للعدو باردة برود الثلج !

ثم ماذا كنت تصنع أنت ، يا ماريشال ؟ لم يسمع أحد قط أنك قمت بهجمة ، أو تحركت  لاتقاء صدمة ، أو أمددت فيلقا رق حبله ، أو أنجدت  جيشا انهد حيله !

أتراك قد جئت إلى شمال أفريقيا لتتفرج فى هذه  الحرب، لا شأن لك بوضع خطة ، أو تدبير مكيدة ، أو سن منهج ، أو إصدار أمر ، أو المشورة ، ولو ساعة  الضيق ،برأى ؟

صدقنى ، يا ماريشال ، فنحن أهل الجنة لا نكذب  أبدا صدقنى إذا قلت لك : إنك لو كنت ماريشالا فى رواية مسرحية ، وجرى فى أحداثها بعض هذا الذى  يجرى فى لوبيا ، لكان لك من الأثر ، فى عالم الحقيقة ،  أكثر مما رأى العالم منك فى هذه الحرب ، إذ لم يكن  أقل من أن يصدع الماريشال الممثل كرسيا، أو يكسر  طبقا أو يمزق ، ولو بأسنانه ، ستارا !

صدقنى ، يا ماريشال ، إنك لو كان فى موضعك هر لصارع ، أو حمام لدافع وقارع ، أو طفل لنضح ، أو  جدى لنطح !

على أنك لم تصنع شيئا من ذلك قط يا حضرة  الماريشال الغازى الفاتح العظيم .

جرزيانى : لقد قتلتنى مرة واحدة ، وها أنت ذا  تذوق أمر ألوان القتل كل يوم عشرين مرة !

ها أنت ذا ، يا سند إيطاليا ، ومعقل آملها فى ملك  روما القديمة ، لا تفتأ تبوء بالفشل بعد الفشل ، ولا تفيق  من لطمة إلا لتتلقى لطمة ، ولا تجوز بفضيحة إلا لتستقبل  فضيحة ، أرأيت عذابا أشد من هذا العذاب ، وعقابا  على الظالم أوجع من هذا العقاب ؟

اللهم إننى لم أكتب إليك هذا شفاء لحقد ، أو بذلا  لضغن ؛ فقد علمت أننا ، معشر أهل الجنة ، لا نحقد  ولا نضطغن ، ولكن بسطا للعظة وضربا للعبرة .

وفى الختام ، أرجو ، يا حضرة الماريشال أن تنوب عنى فى إزجاء أخلص التهنئات إلى صديقك موسولينى ، قيصر الرومان العظيم ! ،         جنة عدن فى ٢ من المحرم عام ١٣٦٠

( طبق الأصل )

اشترك في نشرتنا البريدية