طالعت في العدد الماضي من " الفكر " مقالا ندد فيه كاتبه الاخ محمود الشبعان بالخطر الذي يداهم كتب المطالعة للاحداث . وأبدى تخوفه من عواقب هذه الكتب التي تعدها لناشئتنا دور أجنبية للنشر ، رامية بعملها الى غاية اقتصادية بحث ، وساعية الى احتكار سوق بكر ، وذلك بما لديها من وسائل جذابة ، مغرية .
ولعمري انه لموضوع دقيق طرقه الشبعان ، ولفت الانظار إليه ، ومؤامرة سوء اماط اللثام عنها فأقام الدليل على اهتمامه بالشؤون التربوية ، وعطفه على قضاياها ؛ وأشهد ان موضوعه قد أثار في نفسي اهتماما شديدا ، ودفعني دفعا لكي أغامر في هذا الميدان ؛ ولكن ليسمح الاخ الشبعان ان اهمس اليه بأني لست بمتحدث عن كتب المطالعة للاحداث ، فقد شرح وأفاض ! ولكني سأتحدث عن موضوع آخر ، اعتقد انه ادعى للبحث ، واعظم خطرا ، واكثر مساسا بواقعنا التربوي الا وهو " الكتب المدرسية بصفة عامة ، وواقعها ، وكتب القراءة بصفة خاصة ، وكيف يجب ان تكون ؟ "
فما هى إذن الكتب المدرسية : هى كتب جعلت هدى للطفل ، وعدة له في فنون شتى ، يلقاها في المدرسة ، ويعود اليها في الدار ، ويستشيرها في وحدته ويستقرئها عن كثب ، وينزع إليها في مختلف اوقاته فيجدها بين يديه ، تقدم له الزاد المطلوب ، وتمده بغذاء روحه وعقله ، وتغدق عليه " المعرفة " وتأخذ بيده اخذا رفيقا ، مخلصا لا شدة فيه ولا عسف لتضعه امام مشاكله ، وواجباته ، وتجعله يقتحمها ، بشغف ، ونهم وصبر كما تجعله يحن اليها ، ولا يخاف رموزها ، فاذا رموزها تحل أمامه ، واذا هو يذلل صعابها ، ويكتشف اسرارها ، ويعي محتوياتها ، واذا هو من فتح الى فتح ، قد ظفر بغذائه فسمح لامكانياته ان تزدهر ، وتتفتح امام النور ، امام " المعرفة "
فاذا سلمنا بأهمية هذا الغذاء الذي تقدمه الى الطفل بين دفتي كتاب وسلمنا بأنه يقدم الى محط آمالنا ، وفلذات اكبادنا ، وعدتنا وعتادنا الى المستقبل،
وجب علينا أن نعرف كيف نهيء ذلك الغذاء وعلى اي أساس نعده ، ومن عسى ان يكون " الطاهي " الامين لغذاء ، دسم ، سليم .
هناك ولا شك عناصر يجب ان تتوفر في الكتاب حتى يكون صالحا ، وحتى يقدم الى الطفل بكل ثقة . واطمئنان ، واول هذه العناصر : " الناحية الادبية " للكتاب : فالكتاب يجب ان يكون من هذه الناحية ، معدا حسب برنامج خاص ، مماشيا لامكانيات الطفل ، ملائما لمقدراته ، سامحا لكل قواه بأن تنمو وتزدهر ، متدرجا من السهل الى الصعب ومن الصعب الى الاصعب ، موفرا له كل وسائل الاغراء ، متوخيا اقوم السبل واقربها الى نفسه نافذا الى قرارة ضميره حتى يزرع فيه الثقة بالنفس . ويجعله حسن التمييز ، نقدي الفكر ، حر الشخصية ، وان يتقدم اليه بما هو اليف لديه ، ومقتبس من وسطه ، وما يحيط به ، وان ينزع به الى اسمى المعاني المقتبسة من تعاليم دينه ، وعاداته ، ولغته ، ووطنه ، بأن يوحي له ايحاء في غير ضغط ، ويلين آلية في غير اسفاف ؛ ومن ثم لزم على كل من يتصدى الى التأليف المدرسي ان يكون خبيرا بعلم نفس الطفل ، عالما بالمادة التي يكتب فيها ، مدركا كل الادراك الغاية التي يريد ايصال الطفل اليها ، وان يكون مرهف الأحساس ، ثاقب النظرة ، لطيف الهاجس ، سليم الذوق ، حتى لا يميل الى التعقيد والخلط . وحتى يصدر عمله ، وقد مخض الرأي ، واطال الاستخارة .
اما الناحية الثانية فهي " الناحية المادية " للكتاب او الاخراج وهي فى اعتقادي ناحية لا تقل اهمية عن سابقتها ، لما لها من تأثير ، وفاعلية على نفسية الطفل . فالكتاب من هذه الناحية يجب ان يكون واضح المعالم ، بديع الاخراج ، جميل الخط ، صقيل الورق ، منسجم الصور ، متناسق الالوان ، لان إخراج الكتاب يؤثر . في الطفل تأثيرا لا شعوريا عميقا ، ويكيف سلوكه ، ونظرته للكون فاذا كان الاخراج بديعا بث في نفسه الشعور بالجمال ، وأماله الى المنسجم من الاشياء وارهف فيه الذوق والاحساس واثر في مظهره الخارجي : في زيه ، وهندامه ، وسلوكه مع اقرانه ، وحتى فى سلوكه الجنسى .
اما اذا كان الكتاب رديء الاخراج ، ردىء الخط ، متداخل الصور ، فانه يقتل في الطفل - حتما - شعوره بالجمال ، ويئد امكانياته ، وينفره عن الكتاب ، كما يدفع به الى البلبلة ، والفوضى الفكرية . وهناك عنصر آخر له قيمته الا وهو :
زهد الثمن مع الاتقان ولا سيما في بلاد كبلادنا لا يجد فيها اطفالنا قوت يومهم ولا ما يلبسون ، ولم تتسع فيها مدارسنا حتى الآن لايواء جميعهم ، وامدادهم بالضروري من المواد المدرسية .
وعلى ضوء هذا نتساءل : هل عندنا كتب مدرسية ؟ وهل اخلصت لهذه المبادىء ؛ نتساءل فيفضي بنا تساؤلنا الى كتب القراءة نتصفحها ، ونعمل النظر فيها ، ونرى ما هيأ مؤلفوها لابنائنا ، وما انتخبوه لهذه العقول الغضة ، المتحفزة الفكر ، من نصوص جعلت لتخاطب منهم الفكر والاحساس ، وتأخذ بيدهم لتطل بهم على معالم الحياة ، فتفسح لخيالهم المجال ، وتفتح امام اعينهم الافاق، وتبث فيهم الشوق للمجهول ، وتمكنهم من فهم " الرموز " والافصاح . فاذا اول ما نجده بين ايدينا " كتاب القراءة واللغة العربية " فنقبل عليه اقبال المتطلع الفاحص ، وتتناول منه " المبادىء " فنقرأ : " كفر ففتك . ردفك فكتفك . " ( ص ٧ ) ونطوى الاوراق فاذا نحن في ص ١١ واذا نحن نقرأ " ربط رقبتك " ونزيد في طي الاوراق فاذا نحن نقرأ " نتف دقنك " " ص ١٢ " "رفسك فرسك" ص ١٦ فنستعيذ من هذا الاختيار لاطفال لم يتجاوزوا السادسة من عمرهم ونتساءل اما كان اجدى ان نتوخى طريقة غير هذه مع الصبيان وذلك بما تنتخبه لهم من شريف الكلام ومصون العبارة . . . ونأخذ " الجزء الاول " عسانا ننسى الصدمة . . . فادا نحن في ص ٩ واذا نحن نقرأ : " أكل كلبك كبابا لابي ، لكأ أبي كلبك ، كلبي لولو لبيب ، كلبك أكول ، ألك كلب ككلبي لولو . لا ! بل كلبك أكول " فنتساءل : ما هذه الكلاب ، واين وجد الكلب كباب أبي ، ثم الا يكون الكلب لبيبا وأكولا في آن واحد ؟ ونخاف نهش الكلاب فنعجل بطي الصفحة واذا نحن في ص ١١ واذا نحن نقرأ " كلبك " " جاكو " اتي كلبك جللا ، أكل كبابا ، جلت ، أبي كلبك جلتا لجأجاكو الى جبل واذا نحن ما زلنا مع الكباب والكلاب فنطوي الصفحات ونطلب السلامة وإذا بنا في ص ١٥ . فنقرأ " سأل أبي جلساءه ، سؤالا سهلا . أ أساء جاكو بأكله كبابي ؟ سكت جلساء أبي . تلجلج أبوك . لا سبب لسكوت جلساء أبي " فنعجب لهذا الاب " المحب للكباب " ونعجب لحديثه مع جلسائه ، ونضيق ذرعا بهذه الاضافات " لا سبب لسكوت جلساء أبي .." ونلعن الكباب والكلاب وتقول : اما من حديث أطرف والذ والصق بنفس الطفل من هذه النصوص التي تميت و لا
تحيي ؟... ونرمي بالجزء الاول ونأخذ الجزء الثاني فاذا نحن نجد الكلب بالدرس الاول " يرافق محمد الى المدرسة " ونجده بالدرس الثاني " يلعب الشطرنج مع بابا مصطفى " فنفر منه فرارا ، وتقلب الصفحات فاذا بكلب آخر " اسمه " عنتر " ونلج في الفرار فاذا نحن " بدار لقمان " و " أثاث الخنصر" ست الرياح " و " سفر جندى الرصاص " و " استحمام عملاق . . ." واذا ترجمة سخيفة ، وسلخ ، ومسخ ، لنصوص فرنسية ليست في حد ذاتها ملائمة لاطفالنا ولا للبيئة التي يعيشون فيها، واذا هي كمن لبس زيا افرنجيا ثم وضع على رأسه عمامة.
ونكاد نيأس من " كتاب القراءة واللغة العربية " ولكننا نصبر صبرا جميلا ونفتح الجزء الثالث فاذا " بالحلاق الثرثار يرسم الاشكال الهندسية على رأس زبونه ص ٨٥ " وادا بشعر بليغ في استقبال رمضان ، والتنويه بشأنه ، واذا بطالع القصيد يتهادى في سماعنا " منغم الجرس!! "
فرحت بمقدمه بطون الناس شهر تحن لذكره أضراسي
واذا سخافات تدمي القلوب أسى ، ورطانة في إسفاف ، فنشور وتقول اما كان على المؤلفين ان يزنوا النصوص بميزان العقل والا يقدموا ما قدموا الا بعد البحث والتمحيص ؟
ونلقى نظرة على الجزء الرابع والخامس فاذا نصوص عربية صميميمة ولكنها أخذت أخذا - دون اى معيار - من " قصص العرب " وغيره من الكتب وإذا هي لم تكلف أصحابها غير مشقة نقلها ووضعها بين دفتي كتاب!..
ونحاول ان نرى الاخراج فلا نجد ورقا مقوى ، ولا ورقا صقيلا ، ولا صورا جذابة ولا ثمنا زهيدا . . . فنؤمن اذ ذاك بأن تدريس هذا الكتاب جناية ... وأي جناية !
وتنفض أيدينا من " كتاب القراءة واللغة العربية " ونأخذ كتاب " إقرأ " فاذا اول ما يلفت نظرنا غلاف من ورق مقوى ، فنتنفس الصعداء ونفتح دفتية فاذا هو محاولة تجديد في الطريقة والاسلوب ، واذا نحن قد نسينا أو كدنا " كلبناجاكو " وكيف أكل كبابا سليجا " وكيف امتلأ الدن وقال قطني - الجزء الثالث ص ١٤ " وكيف " كان بهلول راجعا من السوق على حماره " تكتوك " الجزء الثاني ص ١٧٥ "
ولكننا ننظر للخط والاخراج فنحس بخيبة مرة تنغص فرحتنا ، وتعيد إلينا الأنقباض ... فالخط رديء يذكرنا " بلافتات الاشغال العامة قديما " والصور شوهاء باهتة لا تحرك اوتار النفس ، ولا بها نبض حياة ، ونحن نعلم ان الصور إذا لم تكن حية نابضة ، منسجمة الخطوط ، ناصعة الالوان ، قادرة على ان تقرب النص إلى ذهن الطفل ، ولم تكن تستطيع أن تخاطب خياله ، وأن تحدث له جوا ملائما للنص فتوحي إليه وتملك عليه لبه ، وتفتح أمامه الافاق كانت قذى في العين وكانت خطوطا جامدة تضر ولا تنفع . فأنت تجد تمرا بص ١٥ من الجزء الاول أقرب منه إلى الباذنجان منه الى التمر ، وترى حراثا بص ٢٧ من الجزء الثاني كانما يجر خنازير ، وتجد وردة بص ١٢- أقرب الى عش عصفور منها الى وردة ، وصورة للشتاء ص ٦٠ . مطموسة المعالم ، كلطخة حبر ، وتجد تشويها للخلقة البشرية في مجموعها في وقت كان يجب أن تكون فيه الصور أقرب الى الجمال والفن.
وخلاصة القول ان فقرنا في ميدان التأليف المدرسي مخجل ، مدفع وأمورنا فيه تمشي عن غير هدى ...
ومن اسباب فقرنا في هذا الميدان ان اللغة العربية كانت الى وقت قريب غريبة في مدارسنا ، مهضومة الجانب ، ومنها ان الذين تصدوا للتأليف المدرسي لم يعالجوه معالجة جدية ، ولم ينهضوا به على الوجه الاكمل، ولا كلفوا انفسهم عناء الصبر والتدبر ، لانهم لم يقدروا اهمية الرسالة الملقاة على عاتفهم حق قدرها ...
إنه لجرح نغار ، ووضع بائد ينخر تعليمنا ، ويقضي على امكانيات اطفالنا ، وإنه لموضوع خطير يجب على وزارتنا الفتية ان تعطف عليه مخلصة كل الاخلاص حتى تجد له الدواء الناجع ، والحل المرضي ، فلقد عيينا بأمر هذا الداء العياء ، وآن أن يصم صدى هذه الكتب .
فما عسى أن يكون العلاج ؟ الرأي عندي ان نخرج بالكتاب المدرسي من الميدان الفردي ، الضيق ، الى الميدان الجماعي الفسيح ، وذلك بأن تكلف الوزارة اناسا مخلصين . قادرين على التأليف ، وأن تشرف بنفسها على الطبع ، وتقوم بما يتطلب ذلك من نفقة ، حتى تقدم لابنائنا كتبا زهيدة الثمن متوفرة فيها أسباب النجاح وليس معنى ذلك ان تمنع الافراد من ان يؤلفوا ، وينتجوا ، بل لها ان تنظر في كل كتاب يقدم إليها فتقول فيه كلمتها ، وتشتري حق طبعه من صاحبه إن كان صالحا ، وتقوم هى بطبعه والاحجرت استعماله بمدارسنا ان كان غير صالح .
والخلاصة ان الامر جد ، وان مستقبل ابنائنا مناط بما تقوم به في هذا الميدان فعسى ان نهيء الغذاء النافع للطفل وعسى ان نسلك طريق الرشد .

