الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 311الرجوع إلى "الرسالة"

كتبنا وتآليفنا: محاضرة للأستاذ كرد علي

Share

ألقى الأستاذ الكبير محمد كرد علي محاضرة عن   (كتبنا  وتآليفنا)  في أحد نوادي دمشق، استمع إليها نفر من أدباء الشام

ورجالاتها وطلابها، بينهم الأستاذ عبد الحميد الحراكي بك مدير  المعارف العام، والأستاذ خليل مردم بك، والأمير مصطفى الشهابي،  والأستاذ فارس الخوري، والأستاذ زكي الخطيب وغيرهم

وكانت محاضرة الأستاذ موجزة تقريباً، بدأها بذكر معنى  التأليف والتصنيف لغة، ثم حدد الوقت الذي بدأ فيه التأليف عند  العرب بتدوين القرآن والسنة والشعر. . . ثم تخطى الأستاذ القرون  مسرعاً، حتى أدرك العصر العباسي، حيث التأليف المزدهر المثمر.  فلما كانت المائة الثالثة للهجرة، بدأ الضعف يدب في التأليف،  لضعف الدول والممالك، فلم يلق التأليف آنئذ ملكاً يحميه أو سلطاناً  يغذيه. وأتت بعد ذلك كارثة بغداد وهمجية جنكيز خان، فخلت  مدينة السلام، وبخارى، وسمرقند، وخوارزم، وطوس، من  العلماء وضاع منها كثير من المؤلفات

وجاء الترك، فسعت إلى القضاء على العرب قضاء لا حياة  بعده، فرقد العرب، حتى هبت مصر فأيقظتهم بعد سبات طويل

ويصف الأستاذ كرد علي حالة مصر في أوائل عصر النهضة  فيقول إن أدباءها وعلماءها كانوا ما يزالون متأثرين بمؤلفات عصور  الانحطاط. أما الأزهر فكان شبحاً بلا روح واسماً بلا مسمى،  فلما جاء الشيخ محمد عبده سعى في إحياء التأليف، وأخرج الكتاب  من الركيك إلى النثر الذي كان في القرنين الأول والثاني. ثم ذكر  أثر الأستاذ الإمام في إصلاح الأزهر، وأثر الجامعة المصرية القديمة  في نشر العلم بوساطة المحاضرات التي كانت تلقى فيها، حتى إذا  اطلع الشرقيون على مؤلفات الغربيين، سعوا إلى تقليدها، فبدأت  الفواصل في الكتابة، وعنى بأمر المسارد بأنواعها من تاريخية  ولغوية وغيرها

أما أثر الصحافة في تشجيع التأليف فكان ظاهراً لما كان  للنقد - على سخفه - من أثر بالغ في نفوس المؤلفين

وقايس الأستاذ بين الشيخ بخيت المحافظ والشيخ أحمد إبراهيم  المجدد، وذكر كيف قاوم الأزهريون الشيخ النجار

ثم انتقل الأستاذ إلى التأليف في وقتنا هذا بمصر، فقال إن  التأليف الحديث ناتج عن اضطرار لا عن رغبة، لأن معظم المؤلفين  في مصر، إنما يؤلفون بحكم الوظيفة والمنصب. وقال إن هناك  مؤلفات لها شأنها، ولو أننا اتبعنا الطرق التي اتبعها   (حافظ باشا عفيفي)   في كتابه   (على هامش السياسة)  وحاولنا أن نحرر أفكارنا كما فعل    (قاسم أمين)  فيما ألفه و   (عبد الرحمن الكواكبي)  في كتابه

(طبائع الاستبداد) لبلغ التأليف عندنا درجة رفيعة

وأنتقل الأستاذ بعد ذلك إلى الكلام عن الشام، فذكر  احمد فارس وأثره في التأليف واهتمام المسيحين به، ولا سيما  آل اليازجي وآل البستاني

أما في العراق وتونس فلم يبدأ التأليف إلا عقب الحرب العظمى.  وساعدت جامعتا بيروت الكاثوليكية والبروتستانتية على ازدياد  التأليف، كما ساعد ذلك في دمشق الجامعة العربية والمجمع العلمي ثم ذكر الأستاذ حاجتنا إلى التأليف وقايس بين مؤلفينا الذين  يقنعون بكتاب أو كتابين ومؤلفي الغرب الذين لا يفتأون يخرجون  للناس كتباً، وقال إن التأليف يجب أن يزداد وأن يرمي إلى نزع  الحواجز بين الخاصة والعامة

وختم الأستاذ محاضرته بقوله إن التأليف هو رمز الحضارة  وعنوان المجد، فلنسع لإظهار هذا المجد وإبراز تلك الحضارة والمحاضرة بالجملة موجزة، سهلة اللغة مرسلتها، ولكنها  لا تظهر ما للأستاذ من علم واسع واطلاع شامل

ونحن نشكر للأستاذ جهوده، ونتمنى لو أنه يترك من حين  إلى حين برجه الذي بُني من الكتب، والذي ينزوي فيه ويطل  على الناس يريهم آياته ويسمعهم نتائج قراءاته (دمشق)

اشترك في نشرتنا البريدية