الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 547الرجوع إلى "الرسالة"

كتب السياحة

Share

كتب السياحة كانت توفيقاً ونجاحاً يوم كانت السياحة  نادرة عسيرة

بل هي كانت يومئذ أكثر من توفيق ونجاح:  كانت  واجبا إنسانياً أو (فرض كفاية) يقوم به قليل من الناس  عن جميع الناس

فقد كان الانتقال من قطر إلى قطر عملاً مقصوراً على  التجار أو المقاتلين، وربما ساهم فيه من حين إلى حين شاعر  يقصد ممدوحاً وتلميذ يحج في طلب أستاذ. وكل هؤلاء يعنيهم  ما طلبوه وتعمدوه، وقلما يعنون بالمشاهدة أو بتسجيل ما يشاهدون

إنما كان يعني بالمشاهدة والتسجيل أفراد معدودون في كل  جيل، يخرجون في مسوح الزهاد أو حباً للرحلة بين أرجاء  البلاد، ويعمد واحد منهم في كل جيلين أو ثلاثة أجيال  إلى تسجيل ما رآه ووصف الأقوام التي عاشرها والأقاليم التي  عاش فيها، فيؤدي (فرض الكفاية) الذي أشرنا إليه، ويدل  الأمم على الأمم والعصور على العصور

وكان هذا العمل لازماً في زمانه، ولا يزال كذلك لازماً  لنا في هذا الزمان

ففي زمانه كان كل قطر غريباً عن كل قطر غيره وإن قاربه  مقاربة الجوار، فالسائح على ثقة من حمل الغرائب التي تشوق  وتروق، وهي كذلك تعلم وتفيد

وفي زماننا هذا نقرأ الرحلات لنعرف بلادنا كما نقرأها  لنعرف البلاد الأخرى، فالقاهرة في القرن الرابع عشر غريبة  عن أبناء مصر الحديثة كغرابة الصين في زمانها أو في هذا  الزمان، ونحن نود أن نسمع عنها كما نود أن نسمع عن توكيو  وبكين وستالنجراد، لأنها خبر شائق وعلم مفيد

وقد نحيط بعادات الأمم الخالية فنصحح بعض الغرور الذي  يركب أبناء العصر الحاضر فيخيل إليهم أنهم هم السابقون إلى  كل طرافة وأن المتقدمين في باب الطرائف هم اللاحقون

نحن اليوم نغرق في العملة الورقية ونعلم ما نعلم عن سبائك  الذهب والفضة في المصارف والخزانات الدولية، فيسبق إلى وهمنا  أنها حال طريفة وأنها عرض من أعراض الحروب في الآونة  الحاضرة، ولكننا نفتح ابن بطوطة فنراه يقول عن أهل الصين  في القرن الرابع عشر للميلاد: (وأهل الصين لا يتبايعون  بدينار ولا بدرهم، وجميع ما يتحصل ببلادهم من ذتك يسكبونه  قطعاً كما ذكرناه، وإنما بيعهم وشرائهم بقطع كاغد: كل  قطعة منها قدر الكف مطبوعة بطابع السلطان، وتسمى  الخمس والعشرون قطعة منها بالشت وهو بمعنى الدينار عندنا،  وإذا تمزقت تلك الكواغد في يد إنسان حملها إلى دار كدار  السكة عندنا، فأخذ عوضها جدداً ورفع تلك، ولا يعطي على  ذلك أجرة ولا سواها، لأن الذين يتولون عملها لهم الأرزاق  الجارية من قبل السلطان، وقد وكل بتلك الدار أمير من كبار الأمراء. . .)

فقد كان أهل الصين إذن (عصريين) في ناحية من النواحي يوم كان العصريون في ظلمات القرون الوسطى،  يجهلون أنفسهم كما يجهلون أهل الصين!

ونحن اليوم نحسب أننا قد أحطنا بالقاهرة خبراً، وذرعنا  أحياءها شبراً شبراً، وجعلناها امتحاناً للريفي الذي يضل فيها،  ويخطئ الطريق إلى معالمها وضواحيها، فإذا نحن غرباء في القاهرة

نسوح بين بقاياها التاريخية كما نسوح بين بقايا المدن التي لم  نطأها بأقدامنا، لأن ابن بطوطة يرينا قاهرة أخرى، وإن  شابهت قاهرتنا في بعض المشابهة، حين يقول في بعض  أوصافها:   (. . . ويقال إن بمصر من السقائين على الجمال  أثني عشر ألف سقاء، وإن فيها ثلاثين ألف مكار، وأن بنيلها  من المراكب ستة وثلاثين ألفاً للسلطان والرعية، تمر صاعدة  إلى الصعيد، ومنحدرة إلى الإسكندرية ودمياط، بأنواع الخيرات  والمرافق. . . وأهل مصر ذو طرب وسرور ولهو: شاهدت بها  مرة فرجة بسبب برء الملك الناصر من كسر أصاب يده، فزين  كل أهل سوق سوقهم وعلقوا بحوانيتهم الحلل والحلي وثياب  الحرير، وبقوا على ذلك أياماً. . . وأما المدارس بمصر فلا يحيط  أحد بحصرها لكثرتها، وأما المارستان الذي بين القصرين  - عند تربة الملك المنصور قلاوون - فيعجز الواصف عن محاسنه،  وقد أعد فيه من المرافق والأدوية ما لا يحصر، ويذكر أن مجباه  - أي مورده - ألف دينار كل يوم)

فكتب السياحة التي بهذه المثابة تصيب توفيقاً لا ينقضي  بانقضاء زمانه، لأنها تتلقانا بالغرائب من بلادنا ومن بلاد غيرنا،  ولولاها لاحتجبت هذه الغرائب عنا وجهلنا أموراً لا يخلق بنا  أن نجهلها

أما السياحة في زماننا هذا فالتوفيق فيها يقل على قدر سهولتها  وتيسر أسبابها، وكأنما تزداد صعوبة الكتابة عن الرحلات كلما  تمهدت الرحلات وقلت صعوباتها.

فالأرض اليوم دار واحدة أو يوشك أن تصبح دارا واحدة: لاينقضي اليوم حتي تعم أخباره جميع أنحائها ، ولا تنقضي  الأيام المعدودات حتي يشاهد هذا الخبر رأي العين بشخوصه ومواقعه ومشاهد أرضه وسمائه حينما طابت رؤيته لساكن من سكان البلاد المعمورة . فلا غني للسائح من جهد في تمثيل ما يراه علي الصورة التي تستغرب أو تشوق أو تنم علي طرافة ، ولا سبيل له الي الاتيان بالجديد الا أن تتسني له الوسائل التي لاتتسني لغيره ، أو المكانة التي تقترن بكلامه ولا تقترن بكلام الأخرين من السائحين. ألقيت من يدي كتاب دنيا واحدة لمؤلفه السياسي

المشهور مستر وندل ويلكي فلم أتمالك بعد الفراغ منه أن أستحضر  هذه الخواطر في خلدي جملة واحدة

فالرجل لا شك جم الذكاء جم الحصافة الدراية ولا شك ان وسائله الي الاطلاع علي دخائل الدول اوفر من وسائل السائحين من الصحفيين والمتفرجين ، او اشباه الصحفيين والمتفرجين

ولا شك انه قد جاء بالمفيد الشائق فيما لحاط به من طريق  هذه الوسائل الخاصة ومقام دولته في السياسة العالمية ولكنه كلما تجاوز هذا وقف حيث يقف غيره بين مازق السياحة العصرية ، فهو عن الغرائب حيث لا يجدها، وهو قد يصادف التوفيق مصادفة او يعدوه التوفيق كما يعدو  كل سائح غيره في بلاد هو غريب عنها

والخطأ في هذا خطؤه من جانب، وخطأ من يلقونه ويلقاهم  بالأسئلة والأجوبة من جانب آخر

إليك مثلاً كلامه عنا وعن أحاديثه مع بعضنا حيث يقول:    (إن السحر الذي كان لأفكارنا الغربية في شئون السياسة  قد قوبل بالتحدي في عقول العرب واليهود والإيرانيين، وقد  راقبونا الآن عن كثب زهاء جيل كامل كنا خلاله نختصم  فيما بيننا وفيما بين أبناء الأمة الواحدة منا، ونتساءل في قيمة  الأسس التي قامت عليها عقائدنا)

فهذا كلام رجل مستعد لأن يتلقي وجهة النظر من غيره لو أجابه الذين سألهم عنها ، ولكنه كان يسأل فلا يجاب ، أو كان يسأل فيجاب بالتحفيظ والمراوغة كما قال : (حينما  ذهبت لقيت أناسا مؤدبين ولكنهم شكوكيون أو متوجسون يقابلون أسئلتي عن قضاياهم بأسئلة من عندهم عن قضايانا نحن فيها تهكم لا يخفي ، وكثيرا ما كانت مسألة الأجناس وسوء وضعها ببلادنا تبرز الي الأمام في أحاديثنا  ، كما كان كل عامل في حكومة يعجب لموقفنا من حكومة فيشي . ويود العرب واليهود معا لو يعلمون أهذه التصريحات التي تهتف فيها باسم الحرية انما تعني كما عنت في الماضي توسعا في الانتداب  والوصاية ؟)... الي اخر ما قال من هذا القبيل

وعندي أن الصراحة المطلقة في جواب رجل يقابل الأمور  هذه المقابلة المفتوحة للنقد والاستطلاع قد كان أنفع وأجدى،

وأن المراوغة أو الشكوكية هنا ليست من أمانة الفهم والوطنية  وإن عدت من أدب الخطاب، بين السائل والمسئول

ويشبه هذا قوله بعد ذلك: (لقيت باشوات في كل استقبال  حضرته، ومنهم كثيرون متزوجون بأجنبيات، وهم من الوجهة  الاجتماعية جذابون مرحون، ولهذه الطبقة تماثيل تمتلئ بها الميادين

(ولقب الباشا تراث متخلف من العصور العثمانية، وكان  يخلع من قبل على القادة العسكريين أو حكام الأقاليم الذين أبلو  في خدمة الدولة، فأصبح اليوم عنوان تشريف

(. . . ولكني حين سألت مضيفاً لي - وكان شاباً مصرياً  صحفياً - عن هذا اللقب هل يخلع على أحد لأنه ألف كتاباً  عظيماً؟ أجابني: يجوز أن يخلع. . . لولا أنه في مصر قل أن يحفل  أحد بتأليف الكتب!

(وسألته: أينال الرجل لقب الباشا لأنه يشتغل بتصوير الصور؟ (فأجابني: ولم لا؟ إلا أن الذين يصنعون الصور في مصر  لا يوجدون

(وسألته أيضاً: هل استطاع مخترع عظيم قط أن ينال ل قب الباشوية؟ فكان جوابه مرة أخرى أن ليس لدينا مخترعون  ولا علم لي بأحد منهم منذ عهد الفراعنة)

فالخطأ هنا من جانبين لا من جانب واحد لأن المستر وندل ويلكي لا يسأل عن الخطأ في فهم هذه  الأمور كما يسأل عنها ذلك الصحفي (المصري) الذي جرد  مصر من التأليف والتصوير والثقافة تجريداً يحق لمن يسمعه  من (مصري) أن يسبقه في المضمار، وهو غير متهم النيات

ويلوح لنا أن الرجل كان حسن النية باحثاً عن الحقيقة غير  متعنت في إنكارها، ولكنه سأل من لا يحسن أن يجيب فكان في ذلك عذره، أو كان مشاركاً في اللوم إذا اتجه إليه ملام

وقد ننصفه حين نقول إنه جمع في كتابه الصغير أوفر عدد  من الحقائق وأقل عدد من الأخطاء. فقال في مائة وسبعين  صفحة صغيرة ما يقوله غيره في ألوف الصفحات، وذلل صعوبة  الصناعة - صناعة الكتابة عن الرحلات في الزمن الحديث -  تذليلاً يشهد له ببراعة صحيفة وملكة قصصية ليست موفورة  الشيوع بين الكبراء من رجال السياسة

وقد ذكر في الفصل الأول من كتابه أنه عبر في سياحته  واحداً وثلاثين ألف ميل ولم يقض في الهواء أكثر من مائة  وستين ساعة، وهذا عنده - وعندنا - دليل صادق على أننا نعيش  اليوم في (دنيا واحدة) كما اختار أن يسمي كتابه، ولكن  الدنيا الواحدة، بل الدار الواحدة، بل النفس الواحدة، تحتاج  إلى أكثر من مائة وستين ساعة، بل مائة وستين يوماً لفهمها  على جليتها، وتصويرها في ظواهر أحوالها وبواطن حقيقتها.  ولعل الرجل الذي يستطيع أن ينظر إلى الدنيا نظرة واحدة  مستطيع أن يستدرك من أخطائه ما تتفرق به الأقوال وتتشعب

حوله الآراء.

اشترك في نشرتنا البريدية