الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 640الرجوع إلى "الثقافة"

كتب عالمية :, قصة سان ميشيل

Share

لم ينل كتاب في العصر الحديث من سعة الانتشار مثل ما قال كتاب " قصة سان ميشيل" الذي وضعه الدكتور أكسيل مونتيه ، فمنذ صدور هذا الكتاب في عام ١٩٢٩ باللغة الإنجليزية بلغت طبعاته إلى اليوم خمسا وسبعين طبعة ، وترجم إلى ثلاثين لغة حية ، ويبعث من طبعته التي ظهرت في عام ١٩٤٩ نسخ أكثر مما بيع من الطبعة الأولى .

ولقد قابلة النقاد بحفاوة منقطعة النظير ، وتقدير فاق كل الحدود . فقال أرنولد بنت : " هذا كتاب يتيح لكل إنسان بغيته " وقالت جريدة الديلي نيوز : " إن في هذا الكتاب مادة كافية لان يستفي منها كتاب القصة القصيرة إلى آخر أيام حياتهم " .

وقد ولد مؤلف الكتاب في السويد ، ثم درس الطب في باريس حيث مارس مهنته وأصبح طبيب الطبقة الراقية المفضل ، ثم رحل إلي إيطاليا واشتغل بالطب هناك ، ثم أصبح طبيب الأسرة المالكة في السويد ، وقضي آخر أيامه بإنجلترا.

ما هو موضوع " قصة سان ميشيل " ؟ سؤال من الصعب الإجابة عليه ، حتى إن المؤلف نفسه يقول : " لقد وجد النقاد صعوبة في محاولتهم تصنيف قصة سان ميشيل وأنا لا يدهشني ذلك ! بعضهم وصفه بأنه تاريخ حياتي . وبعضهم وصفه بأنه مذكرات طبيب . ولكنى أعتقد أن الكتاب ليس هذا ولا ذاك . فمن المؤكد أنني لست بحاجة

إلى أن أملا خمسمائة صفحة بقصة حياتي ، حتى لو لم أغفل منها عامدا نواحيها الحزينة المؤثرة .

" وكل ما استطيع قوله ، أنني لم اقصد وضع كتاب عن نفسى ، بل إن الأمر عكس ذلك تماما . لقد حرصت طوال الوقت على أن أنحى شخصي جانبا ، فإذا ما استحال الكتاب بعد هذا تاريخا لحياتي ؛ فلا بد أن أبسط طريقة يتبعها الشخص إذا ما أراد أن يكتب عن نفسه : هي أن يحاول جاهدا أن يفكر في شخص آخر ! أما أن هذا الكتاب مذكرات طبيب ؛ فإنه أبعد عن الواقع ، فإن بساطته وصراحته تبعده عن أن يستأهل هذا الوصف ، إن للطبيب كأي إنسان الحق في أن يسخر من نفسه بين الآن والآن ، وربما حق له أن يسخر من زملائه لو كانت لديه الجرأة على احتمال نتائج هذه السخرية ! لكنه لا يجوز له أن يسخر من مرضاه ، كما لا يجوز له أن يبكي من أجلهم ؛ فإن من يرثي لمرضاه لا يصلح أن يكون طبيبا ، وإلى جانب ذلك فإن الطبيب الشيخ يجب أن يتردد كثيرا قبل أن يجلس إلى كرسي وثير ليكتب مذكراته ، فخير له أن يحتفظ لنفسه بتجاربه عن الحياة والموت . فيترك الموتي في سلام ، ويدع الأحياء فيما هم سادرون فيه من خداع ! " .

وأيا كان الوصف الذي يجب أن نصف به هذا الكتاب . فإنه كتاب يضع أمام أعيننا صورا حية ، مجلوة رائعة ، كتبها أكسيل مونتيه الذي وهب إلى جانب البصيرة النافذة والنظرة المتغلغلة في أعماق النفس البشرية ، حسن الأداء ونصاعة البيان . إنه يتحدث عن أيام كان يطلب العلم في باريس فيقول :

" الحي اللاتينى" . حجرة طالب في فندق المستقبل . . أكوام من الكتب في كل مكان على المائدة والمقاعد وعلى الأرض . وهناك على الجدار صورة شاحبة لجزيرة كابري . الصباح في ردهات مستشفى السالبتربير والأوتيل ديه ولا يبتي انتقل من سرير إلى سرير لأطالع الفصل تلو الفصل في كتاب الألم الإنساني الذي كتب بالدم والدموع ، وبعد

الظهر في قاعات التشريح ومدرجات مدرسة الطب أو معامل مؤسسة باستير أتطلع في المجهر بعيون دهشة إلى ذلك العالم غير المنظور ، إلى تلك الكائنات المتناهية في الصغر التي تسيطر على حياة الإنسان وموته ، وفي المساء أجاهد في صبر لفهم الحقائق المستعصية والعلامات الخالدة للاضطراب والمرض جمعها ورتبها المشاهدون من كل أرض .

وتعلمت أن أدرك دقائق تلك الآلة الضخمة : الجسم الإنساني ، وذلك العمل المنظم الدقيق لعجلاتها وتروسها في الصحة وما ينتابها من اضطراب في المرض ثم توقفها بالموت .

وعرفت الآن سر تلك الآلام التي تصيب المرضى ، وتشدهم إلى أسرتهم فلا يستطيعون فكاكا ، واستطعت أن استخدم الأسلحة الجراحية الحادة ، أقاتل بها ذلك العدو الرهيب الذي يجول في الأبهاء في كل ساعة من ساعات الليل والنهار . يندفع أحيانا مسرعا إلى القاعة يصرع ذات اليمين وذات الشمال يصرع الشيخ والشاب في غضب أعمى كأنه المجنون يشدد قبضته على رقبة أحد ضحاياه في بطء ، ويرفع الضمادة عن جرح نازف في آخر حتى يصفي آخر قطرة من دمه . وأحيانا يأتي في خطوات مسترقة ، صامتا هادئا فيضم جفني شقى بتألم بلمسه حنون ، فإذا هو قد استغرق في نوم أبدي وهو يبتسم .

لا أشعر في كثير من الأحيان بقدومه ، ولكن الأطفال الصغار الذين يأوون إلى صدور أمهاتهم هم الذين يحسون بقربه فيستيقظون من غفلتهم صارخين في هلع حين يمر بهم .

في أول الأمر عند ما كنت أقف لا حول لي ولا قوة على جانب السرير ، ويقف هو منتصرا على الجانب الآخر ، لم أكن ألحظه . كانت الحياة هي كل شئ عندي في ذلك الحين ، وكنت أعرف أن مهمتى تنتهي حين نبدأ مهمته ، فلم أكن استطيع إلا أن أدير وجهي عنه وأنا محنق لأني هزمت ، ولكنى بدأت أخيرا آلفه وأرقبه في اهتمام ، وأتوق إلى أن أعرفه وأفهمه . بدأت أدرك أن له نصيبه من العمل

كما أن لى نصيبى وأن له مهمة يؤديها كما أن لى مهمة . وأننا زملاء قبل كل شئ وأنه إذا ما انتهى صراع الحياة بفوزه . فمن الخير أن ننظر إلى بعضنا مواجهة دون خوف وأن نصبح صديقين . . وجد ذلك جاء وقت كنت اعتبره صديقي الأوحد . كنت انتظره بشغف بل وأحبه . على أنه لم يبد عليه أنه اهتم بى قط ! لو استطعت أن اقرأ في وجهه العابس لعلمنى كل شئ . ولملأ تلك التغرات الناقصة في معلوماتي الضئيلة عن آلام البشرية . هو وحده الذي قرأ الفصل الأخير الذي ينقص كتبى الطبية . حيث تجد شرح كل معضلة وحل كل مشكلة وجواب كل سؤال واضحا . ."

وفي فصل آخر يتحدث الكاتب عن ممارسته الطب في باريس وما لاقى من صعاب فيقول : " شارع فيتير . الدكتور مونتيه ، من الثانية إلي الثالثة . جرس الباب يدق باستمرار، والرسائل تستدعيني حالات مستعجلة بالليل والنهار ، والتليفون ذلك السلاح المميت في أيدي النساء العاطلات . غرفة الاستشارة تمتلئ بالمرضي من كل نوع ووصف . . معظمهم من مرضي الأعصاب ، وأغلب هؤلاء من الجنس الناعم . . كثيرون منهم مرضي حقيقة ، مرضا خطيرا كنت أصغي في حذق إلي ما يقولون ، وأفحصهم بكل ما أملك من دقة وعناية ، وألفا أننى استطيع أن أجد وسيلة لمساعدتهم . هذه الحالات لا أجد ميلا إلى الحديث عنها الآن وربما فعلت ذلك يوما . . لكن إلي جانب هؤلاء كثيرون ليسوا مرضي على الإطلاق إلا بالوهم ، كانوا يقصون قصة طويلة ويتحدثون عن جداتهم وعماتهم وأحمائهم أو يخرجون من جيوبهم ورقة صغيرة يقرأون منها فيضا من الأعراض والشكوي ( مرض الورقة الصغيرة كما كان يدعوه شاركو ) وكان هذا جديدا علي أنا الذي لم أتعود العمل خارج المستشفيات حيث لا وقت لهذا الهذر السخيف . . ولكني عندما ازددت معرفة بالطبائع البشرية تعلمت أن أمنح هؤلاء معاملة أفضل . على أننا لم نكن على وفاق قط . يحزنون عندما أقول لهم إن مظهرهم يوحي بالصحة وإن وجوههم تفيض بالحيوية ، ولكنهم

يفرحون جدا إذا ما أضفت أن لسانهم فيه بعض القذارة . وكنت أشخص معظم هذه الحالات علي أنها إفراط في الطعام ، الإفراط في تناول الفطائر والحلوي بالنهار والعشاء الدسم بالليل . . وربما كان هذا أقرب تشخيص من الحقيقة ، ولكنه لم يلق نجاحا ، فما من أحد كان يقبله . كانوا يحبون تشخيص . . التهاب الزائدة الدودية . فتحولت إليه تدريجيا، كانوا يشكون من الزائدة الدودية التي في عقولهم لا في بطونهم ، وعالجت عددا كبيرا من هذه الحالات بنجاح . ولكن لما ذاعت الأنباء بأن الجراحين الأمريكيين قد بدأوا حملة لإزالة الزائدة الدودية في كل إنسان في الولايات المتحدة ، بدأت حالات الزائدة تهبط بطريقة تنذر بالخطر . كانت السيدات الأنيقات يصحن : " يزيلون الزائدة ؟ . . زائدتي ؟ ! " . وكن يتعلقن بها تعلق الأم بوليدها فكيف يعشن بدونها . وكان الأطباء يقولون : " يزيلون الزائدة ؟ " وهم ينظرون إلى كشف مرضاهم ويضيفون " ثم نسمع قبل بمثل هذا . . لم ! ليس هناك شئ في هذه الزوائد . . نحن نفحصهم مرتين كل أسبوع ونعرف ذلك . . لا بد من محاربة هذا الرأي بكل قوة ! " .

وبدا أن . . التهاب الزائدة الدودية . . في النزع الأخير ، وأنه يجب اكتشاف مرض آخر ليلبى طلب الجماهير . . وسرعان ما أجهدت العقول وضنك في السوق مرض جديد ، التهاب القولون !" هذه شكوى لطيفة ، ثم هي بعيدة عن متناول مبضع الجراح . . وهي دائما تحت أمر من يطلبها وتوافق مزاج كل إنسان ..."

وهكذا يمضي المؤلف العظيم يعرض علينا صورا رائعة ، تمتاز بالحياة والوضوح في أسلوب سلس جذاب ، صورا للحياة في إيطاليا وفي السويد ، ثم في تلك الجزيرة الصغيرة حيث اشترى منزلا يقضي فيه أخريات أيامه .

ما أشد تلهف قراء العربية على ترجمة لهذا الكتاب العظيم .

اشترك في نشرتنا البريدية