الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 193الرجوع إلى "الثقافة"

كتب وشخصيات

Share

لم أكن أود أن أعرض لهذه القصة المحزنة ، لولا أن عرض لها الأستاذ ( قاف) بالثقافة . كنت اشفق من عرض مأساة الضمير الأدنى في الصحف ، ومن تشكيك القراء في هذا الضمير ، ومن تبديد الهالات التي تحيط بصحافة الأدب ، هذه الصحافة التي تخاطب أولئك القراء من فوق منبرها ، ونطلب إليهم ان يثقوا في ضمائرنا ، وأن ينتفعوا بآرائنا الصادرة عن هذا الضمير

ولكن الأستاذ " قاف " لم يشفق هذا الاشفاق فأشار إليها . إذا فليسمع القراء تفصيلات القصة :

كنت قد تعاقدت مع قراء " الرسالة " على ان ! أكتب لهم ثلاثة ابحاث : أولها عن " العقاد " بمناسبة كتابه " عبقرية محمد " والثاني عن " توفيق الحكيم " بمناسبة كتابه " بجماليون " والثالث عن " طه حسين " بمناسبة كتابه " دعاء الكروان والحب الضائع " .

ونشرت الرسالة بحثي عن العقاد . وجاء دور توفيق فقضيت معه اسبوعين كاملين درست فيهما جميع ما كتب دراسة دقيقة . ونبهتني هذه الدراسة الشاملة إلي امر إن أدبنا الحديث قد نهض نهضته فأصبحت المكتبة العربية تشتمل الآن جميع الأبواب : فيها ادب المقالة والبحث ، وادب القصة والرواية ، وادب السيرة والترجمة ، وادب البحث التاريخي . . ولكن بابا واحدا ينقصها وهو ادب النقد .

لقد وجدت مقالات متفرقة في نقد " الكتب " ولكن لم يوجد شيء في نقد " الأدباء وأعني تقويم كل اديب ووزنه في مجموعة اعماله واستخلاص طبيعته واسلوبه ووضع مفتاح شخصيته في أيدي قرائه .

ماذا يساوي كبار أدبائنا بالضبط ؟ ماذا يساوي العقاد وطه وتوفيق وهيكل والمازني وسواهم من كبار الادباء ؟

إنهم مشهورون ، ولكن ما هي طبائعهم ؟ ما هي مشخصاتهم ؟ ما طريقتهم كل ذلك لم يكشف عنه احد .

وكتبت عن توفيق " بحثا مركزا جد التركيز يكشف عن طبيعته وطريقته وادواته الفنية . وأومضت في نفسى فرحة كبيرة وقد انتهيت من هذا الفصل فإذا توفيق الحكيم شاخص مجسم بكل ما فيه . وكان ذلك كله فيما يملأ أربع صفحات من الرسالة ، وبعثت به إليها ، وانا أضمر أن أتناول كل أديب كبير في البلد بمثل هذا الأسلوب

ولكن وا أسفاه !

لقد وقعت الجفوة في هذه الأثناء بين الرسالة وبين توفيق الحكيم وأنا غافل عن هذا ، أحسب أن التعاقد الذي بيني وبين القراء كان كذلك بين الرسالة وبينهم . وأحسب أن الأمر ليس أمر توفيق ، بل هو امر الأدب والضمير الأدبى!

حلم جميل ! ومتي صحت الأحلام؟

إن الرسالة إذا لتتعلل في الأسبوع الأول بأن المقال وصل متأخرا عن موعده أو لو كان قد وصل في الميعاد الذي اعتدت إرسال كلماتي فيه ؟ أجل !

وإن الرسالة لتتعلل في الأسبوع الثاني بأن المقال طويل ) او لو كانت " الرسالة تنشر - وقد نشرت منذ قليل - مقالات أطول في موضوعات لا ترتفع على هذا الموضوع ؟ أجل !

وما تعودت الرسالة من قبل أن تتعلل علي ما يكتبه هذا القلم ، ولكنها الجفوة بينها وبين توفيق الحكيم أو لو كان حظ توفيق من الكتابة لا يزيد على حظ الأدب ؟ أو لو كان توفيق من كتاب الرسالة والرواية الذين قلعنا علي أكتافهم ؟ أجل

تلك هي قصة " كتب وشخصيات " او قصة الضمير الأدنى للصحف التي هي سجلات الأدب العربي !

اشترك في نشرتنا البريدية