كان جورج أنطونيوس ، مؤلف كتاب " يقظة العرب " كما يصفه عبد الرحمن عزام باشا : " رجلا عربيا فاضلا خبيرا بالمسائل العربية والإنكليزية ، وهو قد نشأ ، كما يقول معرب كتابه : " في أحضان الفضية العربية وهي تجتاز أدق مراحلها ، ثم رافقها واحتك بقادتها المعروفين والمجهولين ، ودرس أحوالها من أمام الستار ومن ورائه ، وكان إلي جانب ذلك مثقفا ثقافة إنكليزية ممتازة "
هذا هو مؤلف " يقظة العرب " الكتاب الذي أحدث عقب صدوره سنة ١٩٣٨ في الأوساط العربية والإنكليزية واليهودية ضجة كبري ، اختلفت دوافعها
باختلاف وجهات النظر إلي القضية العربية أما على حيدر الركابي ، الذي قام بتعريب كتاب أنطونيوس ، فهو في طليعة الشباب السوري ثقافة عالية ، وأخلاقا سامية ، ترك أطيب الأثر في مدارس العراق وعند تلامذته فيها ، يوم عاد إلى سورية ليخدمها في عهدها الجديد ، فإذا بنجمه يلمع في وزارة الخارجية منذ تأسيسها إلي اشهر خلت ، إذ استحال عليه العمل فيها وكركن من أركانها ، فتركها وحمل نفسه رسالة " الجيل العربي الحديث " في صحيفة يومية اخذ يصدرها بدمشق ، وهو يناضل اليوم في خضم من الصحف التي تصدر في سورية ليثبت للناس قدرته على حمل الرسالة التى ندب نفسه لها راضيا مختارا .
إن كتابة "يقظة العرب " سجل موجز لتاريخ الحركة العربية ، ومؤلفه يرمي به كما يذكر لنا في أول فقرة من مقدمته : " إلى رسم الخطوط الكبرى لاصول تلك الحركة وثموها ، والمشاكل الرئيسية التي جابهتها ، وذلك بعرض متصل للوقائع يتخلله شئ من التحليل وانا اعتقد أن الأستاذ الركابي أسدي بعمله إلي المكتبة العربية خدمة خالدة ؛ لأن القضية العربية ، على خطورة شأنها ، لم تورخ حتى اليوم التاريخ الكامل ؛ ومما يجعل لهذا الكتاب قيمة كبرى انه جمع بين آراء رجالات العرب وبين آراء رجال الغرب في الحركة العربية ، مما ثم يسبق لأحد من مؤرخي القضية العربية ان وفق لمثله .
هذا وإني ما كدت انتهى من قراءة الكتاب حتى اخذت اشعر بشعور مؤلفه الذي ، على حد تعبيره ، كان يحس ( ان ميزة الكتاب الوحيدة ، هي في أنه حوي بعض المعلومات التي لم تكن معروفة لدى الجمهور ، والتي قد يكون لها نفع في تسوية المشاكل التي تجابه العالم العربي في علاقته مع دول الغرب الكبرى ) .
هذا هو أحدث كتاب يخرج للناس بلغة عربية صحيحة عن تاريخ القضية العربية ، وضعه مؤلفه كما يقول عزام
باشا لخدمتها ، وتعتريه معزية خدمة لبلده الذي ( انبعث منه أول صوت في الدعوة إلي الوحدة العربية ) وللبلاد العربية جميعها
إن نسبة المؤلف الطبية التي تبدو واضحة في كتابه ، تجعلنا نشكره ميتا على جهوده من جهة ، وتحملنا علي غض الطرف عن النواقص التي لم يخل الكتاب منها من جهة أخرى ، ولسنا اليوم في معرض تعداد هذه النواقص ، وحسبنا ان المعرب نفسه يؤكد في مقدمته ان في الكتاب ( بعض الهفوات في الوقائع ) ولكنها كما يذكر ( تفتقر بالنظر إلى صعوبة البحث وتشعبه ، وفقدان المصادر الموثوقة أو تشوشها ) . ويظهر أن الأعذار التي أيدها الأستاذ الركابي لعدم إخراج ملاحق الكتاب الكثيرة مع نسخته ، نتيجة ظروف الحرب القاسية ، هي نفسها التي جعلته يلمح لنا عن تلك الهفوات دون أن يعمل على الإشارة إليها في هامش الصفحات أو في ذيل الكتاب ، ونرجو ان نري هذا في الطبعة الثانية
إن مكتبة كل عربي جديرة ، بعد اليوم ، بأن تحوي نسخة عربية من كتاب يقظة العرب ليكون صاحبها قد أدى واجبه نحو نفسه قبل كل شئ ، ومن ثم نحو مكتبته إن كانت محترمة عنده .
- في بلاد اللؤلؤ تأليف فيصل العظمة مطبعة الاعتدال دمشق ١٩٤٥ صفحة ١٥٦
فيصل العظمة من محامي دمشق الشباب المتوقدين حماسة الذين كرسوا خطواتهم للسعي في سبيل خدمة العروبة وقضية العرب الكبرى ، ما كاد ينجح في الحصول علي إجازة الحقوق حتى قبل العمل في معارف الكويت ، وهو شاب منعم ، ثم يغترب ولم يسافر ، فلما كان يوم السفر اضطر للبكاء في موقف الوداع ، وغادر داره وبلده كما يقول
" مشيعا بالدموع دموع الأهل والأصدقاء حتى إذا ما انتهت السنة الدراسية أسرع بالعودة إلي دمشق ، وفي ردهة المجمع العلمي حاضرنا عن البلاد الى كان فيها ، فملا نفوسنا لذة بمعرفة ما كنا نجهله عن جزء من بلادنا العربية ثم أخرج للناس قبل بضعة أشهر كتابا أسماه " في بلاد اللؤلؤ" يصف نفسه في مقدمته فيقول : ( أنا شاب أومن بفكرة الوحدة العربية ، وهي غايني في الحياة ، وأعمل لها بكل قواي ) ثم يبين غايته من الكتاب قائلا : ( وغايتي من إصدار هذا الكتاب تعريف الوطن العربي الا كبر على الكويت القطر العربي الأصغر ، لأن التعارف كما ذكرت ، خطوة نحو الوحدة العربية المنشودة )
إن في كتاب الأستاذ العظمة صورا هامة عن بلاء الكويت يبدو صدقها من خلال الزخارف الكثيرة التي اقتضتها المجاملة ، ودفعه إليها حب مدح الكويتيين ، بعد أن ترك فيهم أصدقاء كثيرين أكرموا وفادته ، وخففوا عنه الم الاغتراب الذي لم يفارقه منذ ترك دمشق ، حتى عاد إليها ، واطمأن إلي أهله وأصدقائه فيها
إن كتاب " في بلاد اللؤلؤ " قد سد فراغا هاما في مكتبتنا ، مما يجعل له قيمة كبري عند من يؤمن بأن بلاد العرب يجب الا تبقي مجهولة لدى العرب انفسهم ، وزادته جامعة الدول العربية إيمانا بضرورة تقارب الاقطار العربية والتكتل في وجه اعدائها ذوي المطامع الواسعة والرغبات الاستعمارية
إن جهود الأستاذ العظمة في إخراج كتابه هذا ، واضحة يشكر عليها . والأمل فيه ان بير بالوعد الذي قطعه على نفسه ، فيعمد في الطبعة الثانية إلي تركيز كتابه ورفع ما فرضته عليه ظروف المجاملة ودعت إليه العواطف الرقيقة التى يتحل بها ، والتي تبدو في بعض الفصول أكثر مما يجب ، ليأتي كتابه بعدئذ قويا كاملا
