الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 461الرجوع إلى "الثقافة"

كراهة الناس

Share

معظم الناس يستخلصون من تجاربهم الخاصة أحكامهم على الأقرباء والبعداء ، ومقاييسهم للأشياء ، ويعتقدون أن ما يلائمهم ويتجاوب مع نفوسهم يطابق كذلك أهواء الغير ويلبى مطالبهم النفسية . والرجل الذى تدفعه طبيعته إلى تأمل الجانب المشرق من الحياة سيلون حياة الناس بألوان عاطفته ، فيحسن بهم الظن ، ويرى فيهم الخير ، ويعقد بهم الأمل ، ويهون من شأن عيوبهم ، ويلتمس المعاذير لاخطائهم . والرجل الذى يسوقه مزاجه إلى مواجهة جوانب الحياة القائمة يسوء ظنه بالناس ، ويشك فى قابليتهم للخير والصلاح ، وربما يجد نوعا من المتعة والتسلية فى إحصاء عيوبهم ، وتقصى سقطاتهم ، والمبالغة فى تصوير عجزهم وضعفهم ، وعنده أن ذلك مما يثبت أصالة فلسفته ويؤيد صدق نظرته وعمق حكمته !

وفريق من هؤلاء المتشائمين جبلت نفوسهم على حب الإنسانية ؛ فهم يرثون لحالها ، ويتألمون لوجيعتها ، ولكنهم مع ذلك يائسون من الإصلاح ، منكرون للتقدم ، وهم يشكون فى قدرة العقل ، وفى فضيلة الإنسان ؛ ومن أمثال هؤلاء اليائسين الرحماء حجة شعراء العرب أبو العلاء المعرى ، فقد كان على تشاؤمه وسوء ظنه بالناس والحياة جم العطف واسع الرحمة ، يود لو استطاع أن ينقذ هؤلاء الغرقى فى سيل الحوادث وهباب الدهر ، وحينما ينتقص الناس ويعدد مساوئهم ومخازيهم لا يتعالى عليهم ، ولا يستثنى نفسه ، ولا يشمت بهم ، ولا يتشهى هجاءهم ؛ فهو يريد للناس الخير ، ويود لهم السعادة والتوفيق ، ولكنه لا يقبل أن يغالط فى الحقائق نفسه ، ويؤثر الصدق فى القول ، ويترفع عن التزوير والسفسطة .

ومن المتشائمين من طبعت نفوسهم على كراهة البشر ، والنفور منهم ، والضيق بهم ؛ وأمثال هؤلاء يزيد تشاؤمهم

فى كراهتهم للناس ، ويقوى عندهم نزعة الازدراء والتنقص ، ويجعل لهم قدرة عجيبة على استشفاف العيوب ، وتحرى أوجه النقص فى الأخلاق والعادات والتقاليد وسائر ما تعتز به الإنسانية .

والتشاؤم القائم على كراهة الناس قد يقترن بالفهم الدقيق ، والفطنة البالغة ، والذكاء الخارق ، والبراعة فى الكشف عن نواحى الخسة فى الطباع الإنسانية ، والتشائم الكاره للبشر يستعمل ما أوتيه من البصيرة فى إثبات أن السفالة والنذالة والخسة هى الصفات الغالبة على الإنسان ، وأن الغباء الشديد والسطحية والعامية والشناعة والفظاعة والسماجة والرعونة هى السمات الشائعة والقاعدة المطردة ؛ فالعالم فى نظره لا يسكنه سوى الثقلاء السمجاء والبله والمخرفين والنوكى والحمقى والداعرين والطرارين والنصابين والمحتالين .

والمتشائمون من هذا الطراز لا يثورون على الأقدار ، ولا يتسخطون أحكام القضاء ، وإنما يلاحظون معاصريهم ، ويراقبون أعمالهم وتصرفاتهم ، ويحطون عواطفهم فى غير شفقة ، ويشرحون أفكارهم ، ويتسلون بمشاهدة كبرياء الانسان المغرور الأجوف ونفاقه وعجزه الفكرى والأخلاقى

ويخص أصحاب هذا اللون من ألوان التشاؤم المتعصبين المتشددين بنصيب وافر من سخريتهم واستهزائهم ، وكراهتهم ومقتهم ، ومن ثم تحاملهم على التقاليد المتبعة ، والعرف السائد ، والآراء والمعتقدات الاجتماعية الغالبة ، وهم لا يترددون فى الاستهانة بقداستها ، وانتهاك حرمتها ، ويسوؤهم ويثير نقمتهم ادعاء القدرة على فهم أسرار الكون وحل ألغاز الأبدية ، ويشحذ فيهم ملكة السخرية ونزعة التنقص والميل إلي الهجاء ؛ فتشاؤمهم ليس تشاؤم الراحم للبشر ، الرائى لآلامهم ، وإنما تشاؤم المشاهد المحتقر الساخر المؤثر للتهكم والتهانف والشماتة والرواية .

ومن هؤلاء الكارهين للبشر أبو الطيب المتنبى ،

وهو يروى لنا فى إحدى قصائده خلاصة تجربته للناس فيقول :

إذا ما الناس جربهم لبيب

         فأنى قد أكلتهم وذاقا

فلم أر ودهم إلا خداعا

         ولم أر دينهم إلا نفاقا

وحينما يلعن الناس ، ويحمل على معاصريه ينتزع نفسه من صفوفهم وينأى بجانبه عنهم ويحتاط لنفسه ، ويحاول أن يعلل اختلاف طبعه عن طبيعتهم كما فى قوله :

ودهر ناسه ناس صغار

         وإن كانت لهم جثث ضخام

وما أنا منهم بالعيش فيهم

         ولكن معدن الذهب الرغام

والكاتب البريطانى الكبير سويفت فى طليعة كارهى البشر ، ومحتقرى الإنسانية ؛ وكتابه المعروف " رحلات جلفر " أهجية مرة قاسية من أقوى الأهاجى التى وجهت إلى البشرية ؛ وقد افتن فى تصوير ملهاة مأساة الإنسان ، ومزج فيها السخرية البالغة بالفكاهة الطلية البارعة ؛ وقد أراد أن ينال من كبريائنا الإنسانية ، فصور المجتمع الكامل الوحيد مجتمع الأحصنة لا جمهورية أفلاطون ولا أتوبيا السير توماس مور ؛ ويلمح قارئ هذه الرحلات العجيبة أن ازدراء كاتبها للبشر يتزايد من فصل لآخر ، حتى ينتهى إلى هذه الإهانة الشديدة للبشرية ؛ وفى أثناء ذلك ينكر على الإنسانية كل فضيلة ، ويجردها من كل مزية ، ويعيب عليها سياستها وأديانها وآدابها وشجاعتها وعلمها وتاريخها وحضارتها ؛ والواقع أن هذا الكتاب الخالد قضية على البشرية تتضاءل إلى جانبها القضيات المضرية المعروفة أو المجهولة ، وهى قضية شاملة مستوعبة لم ينج من شرها شئ ؛ ففى لابوتا وفى أكاديمية لاجادو سخر سويفت بفلاسفة ما وراء الطبيعة والعلماء والحالمين ،

وفى جلبيدرب سخر بأكاذيب المؤرخين ، وكشف عيوب أسلافنا المتقدمين ؛ وفى وصفه لأهل ليليت يرينا ضئولتنا وتفاهة تفكيرنا ، ولا يكتفى بذلك بل يعود فيؤكد لنا قماءتنا وقلة حولنا ، بأن يضمنا إلى جانب عمالقة يرويد فجناج ، وفى لابوتا وبالنهاربى يعكس الجنون الإنسانى فى مرآه محدبة تزيده ضخامة ومسخا وتشوبها ، والخلافات السياسية ليست فى رأى سوفت أجل شأنا من الخلاف بين لابسى الكعب العالى ولابسى الكعب الوطئ ، والفرق الدينية تشبه هؤلاء الذين يكسرون البيضة من جانبها والذين يكسرون البيضة من طرفها ، ووزراء الدولة ينالون مناصبهم ببراعتهم فى الرقص على الحبل المشدود ؛ ورأيه فى النساء وجمالهن يشبه رأى المتنبى الذى يقول :

ومن خبر الغواني فالغوانى

         ضياء فى بواطنه ظلام

ويزيد سوفت على ذلك أن جمال النساء لا يخلو من القبح والدمامة ؛ وخلاصة رأيه أن كل ما يبدو لنا جليلا رائعا يتكشف لنا ضعفه ، ويتجلى لنا عيبه لو زاد نصيبنا من الحكمة والعظمة . ولقد شفى سوفت فى هذا الكتاب غليله من الإنسانية ، وصب عليها لعنته ، وسخر بها فى كل وضع من أوضاعها ، وفى كل عمل من أعمالها ؛ ولا أعرف حملة على الجبن والضعف والسخف الإنسانى ، أشد من حملته أو أكمل منها وأوفى ، وأشمل وأهم ؛ وكل ذلك فى بلاغة لامعة ساحرة ، وإن كانت قاسية وحشية لا تعرف الرحمة ولا اللين .

على أن الإنسانية قد عرفت كيف تنتقم لنفسها من سوفت وتجازيه صاعا بصاع ، فجعلت هذا الكتاب المحزن العميق الذى يجمل بالرجال أن يتأملوه طويلا كتاب تسلية للأطفال ؛ ولعل أشد ما يضحك فيه الأطفال هو ما يستدر دموع الخجل من عيون الرجال !

وكراهة البشر لا تقتضى الابتعاد عنهم واعتزالهم ؛ ففولتير مؤلف كانديد على علمه بالسخف الإنسانى والضعف البشرى كان رجلا اجتماعيا ؛ وسويفت نفسه لم يعتزل المجتمع ، ولم يهجر الناس على عنفه وشدة احتقاره لهم ؛ ولكن بعض كارهى البشر مثل فلويير - الروائى الفرنسى الكبير - أشاروا بإعتزال الناس ومجانبتهم والفرار منهم جهد الطاقة ؛ وقد آثر فولتير العكوف على نفسه باعتبارها الملجأ الوحيد فى عالم السخف والسطحية ؛ وعنده أن هذا هو ما يحمل بالرجل النبيل الأخلاق المهذب النفس ؛ وكان شبح البهيمية الإنسانية يطارد فلوتير فى كل مربأة وكل ثنية ، ويقف له بالمرصاد ، ويطالعه فى صور مختلفة وأزياء متعددة ، وقد بحث عن مهرب من هذه البهيمية الكامنة فى الفن والتأمل .

ويقول إسيل فاجيه فى دراسته القيمة لفلويير : " كبرياؤه وحياؤه وفرط حساسيته جعلت منه رجلا خجولا ميالا إلى العزلة كارها للبشر " . وهذا المزيج من الغرور والحياء أحال فوليير رجلا غريب الأطوار لا يعنيه من أمر دنياه إلا ما يتصل بشئونه الخاصة ، وكان كثيرا ما يقول عن الأشياء الخارجة عن دائرة اهتمامه : " هذا لايعنينى ، ولذا ليست له قيمة " , كأن الأشياء لا توجد لها قيمة إلا إذا كانت تعنيه عناية خاصة .

وكان يسوؤه أن يحاول أحد إرشاده أو نصحه ، ويثير غضبه الشديد ؛ وقد كتب إليه مرة صديقه دى كامب ينصحه ويشير عليه بالخير فى أمر من الأمور ، فكتب إليه فلويير من رسالة له : " يبدو لى أن بك لوثة من ناحيتى ، وهذا عيب خطير - وأرى أن هذه اللوثة شئ مضحك ، وهذا كل ما فى الأمر ، فأقلل من عنايتك بأعمالى فإننا لا نسير فى طريق واحد ولا نقلع فى نفس الزورق ، ولست أريد مرفأ سوى البحار العالية ، فإذا غرقت سفينتى فلا تأس ولا تحزن ولا تحمل نفسك العناء " .

وهذا كله لأن صديقه ظنه إنسانا عاديا كسائر الناس الذين يقبلون أن تقدم لهم النصائح والإرشادات ، ويشكرون أصدقاءهم لعنايتهم بهم ، واهتمامهم بأمورهم ؛ ولكن فلوبير كان يرى نفسه من طراز آخر ، فلا يجوز فى شرعته أن يستعلى عليه أحد بتقديم النصيحة ، وكان جزاء صديقه هذا التأنيب اللاذع ثم مقاطعته مقاطعة أبدية ، لأن هذه النصيحة تركت فى نفسه الحساسة جرحا لا يندمل !

وكتب بعد ذلك إلى إحدى صديقاته يقول لها عن هذه الحادثة : " إنى حسن الأخلاق وطيب إلى حد معلوم ، بحيث لا تمس حدود حريتى ، فإذا حاول أحد أن يتجاوز أطراف عالمى الخاص رددته على عقبيه ونبذته بعيدا ، ولقد أخبرته أن الغير يعملون بلا حاجة إلى أضوائى، وكل ما أريده أن لا يخنقوا أنفاسى بشموعهم " .

وقد ظهرت فى فلوبير بوادر الكراهة للبشر من مطالع شبابه ؛ كتب فى الثامنة عشرة من عمره يقول : " لا تظن أننى لم أفصل فى اختيار مهنة ، ومن المؤكد أننى لن أختار أى مهنة ، لأننى أحتقر الناس احتقارا شديدا يجعلنى غير راغب فى أن أنفعهم أو أضرهم " . ويقول فى موضع آخر : " لقد ولدت قليل الإيمان بالسعادة ، ومن يوم ليوم يتزايد اجتوائى لإخوانى البشر ، وذلك مما يسرنى " . ويتساءل فى إحدى رسائله : " لماذا يثير سرورى اكتشافى للأعمال الخاطئة ! إنى أحب أن أرى الإنسانية وقد صغر من شأنها وقلل من احترامها ، وسخر بها ، ولهذا السبب أضمر بعض الاحترام للنساك والزاهدين " .

ومن الغريب فى حياة فلوبير أن كراهته للإنسان وضيقه بسخفه وغبائه ، جعلته شديد الكلف باقتفاء آثار السخف الإنسانى لكى يشبع نهمه من كراهته وازدرائه ؛ فهو يجب أن يتأمل السخف الإنسانى طويلا لكى يزداد له كرها ؛ والتزم فلوبير ذلك حتى أصبح يستشعر المتعة فى

الكشف عن العيوب البشرية والأخطاء والنقائص ، وصار يجد لذة شيطانية فى وصفها وتصويرها ؛ فالبشر السخفاء فى رأى فلوبير يستحقون منه الشكر والتقدير ، لأنهم يتيحون له فرصة الاحتقار والتسلى بمشاهدة غرورهم المنتفخ ، وتحليل أفكارهم المضحكة ؛ وقد جيء بهم إلى هذه الأرض للترفيه عن فوليير وأمثاله من الفلاسفة الساخرين !

وشوبنهاور يجعل الرحمة أساس الأخلاق ، ولكن الذى يبدو من حياته الخاصة هو أنه كان كارها للبشر ، شديد الاحتقار لأفهامهم ، راغبا فى الاستغناء عنهم ؛ ولكن الإنسان مهما احتقر الناس لا يستطيع أن لا يبالى بأفكارهم وآرائهم ، ولذا كان شوبنهاور برغم احتقاره للناس وازوراره عنهم يحب الاعتراف به ، والثناء عليه والالتفات إلى فلسفته ؛ ولا نزاع فى أنه مما أوقد كراهته للناس إعراضهم فى صدر حياته عن آرائه وإغفالهم شأنه ، وعجزهم عن تقدير قيمته ؛ ولما جاءته الشهرة فى أواخر حياته كان شديد الحرص على معرفة ما يكتب عنه ، وما يقال فى فلسفته ، مما يدل على أنه كان أقل احتقارا لآراء الناس مما يبدو ؛ ولا نزاع فى أنه كان رجلا طريف الشخصية ، معتدا بنفسه ، ميالا إلى الاستقلال ؛ ولكنه برغم ذلك كان يميل إلى التشجيع من الغير ويحب العناية بفلسفته والإقبال عليها ، كما يدل عليه هذا الحرص الشديد على معرفة أثر آرائه فى النفوس .

والواقع أن إدمان التفكير ورهافة الإحساس وحب الاستقلال والطرافة والأصالة ، يحمل الإنسان شديد الشعور بفرديته ، وهذه الفردية تثير شعور الانسان بوجود حرب خفية بينه وبين المجتمع ، لأن المجتمع بطبيعته يحاول أن يزيل الشعور بالفردية ، ويخضع الفرد لأحكامه ومقاييسه وعاداته وتقاليده وأساليبه ومناهجه ؛ ولذا يغلب على أصحاب الفنون وكبار المفكرين الميل إلى العزلة والاعتصام

بالنفس ؛ فإذا اقترنت هذه النزعة بالمزاح المتشائم فقد تقوى بحدتها وتستفحل شدتها وتستحيل كراهة صماء للناس ، واحتقارا للبشر لا كفاء له ؛ وقد بلغ ذلك نهايته ، وأوفى على غايته فى حياة بعض كبار الكتاب من أمثال سويفت وفلوبير والمتنبى . والميل إلى الرحمة هو الذى نأى بمثل أبى العلاء المعرى وأناتول فرانس عن مثل هذا المصير المحزن والموقف القاسى .

اشترك في نشرتنا البريدية