الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الثقافة"

" كرسي " من النحاس، باسم السلطان المملوكي محمد بن قلاوون

Share

كانت صناعة التحف من النجاس المطبق (١) بالفضة من أزهر الصناعات بمصر في عصر المماليك . وكان السلاطين والأمراء والأغنياء يحرصون على اقتناء تلك التحف ويوصون بعملها خصيصًا لهم . وقد وصل إلينا عدد كبير منها ، نرى بينه الأباريق والمسارج والشماعد ، والأوعية المختلفة الشكل والمقلمات والمباخر وآنية الزهور وما إلى ذلك . ولكن أخطرها شأنًا وأرفعها قيمة " كرسيان " من نحاس أصفر محفوظان بدار الآثار العربية في القاهرة ، ويعدان من أنفس ما فيها من كنوز فنية . وهما من نوع " كراسي العشاء " التي عرفها الشرق الإسلامي ، ولا تزال بعض أنواعها الخشبية مستخدمة في ريفه حتى اليوم

وقد نال أحد هذين الكرسيين شهرة عالية ، فصار من بدائع الفنون الإسلامية التي يحرص مؤرخو الفنون على تصويرها ، ويعنى الهواة برؤيتها ؛ ولا يتردد أي متحف من المتاحف في دفع آلاف الجنيهات للحصول على مثلها .

ومهما يكن من شئ فهو " كرسي " أو خوان صغير

من نحاس أصفر منشوري الشكل مسدس الأضلاع (انظر الصورة في الصفحة المواجهة) مخرم وملبس بالفضة ، وارتفاعه ثمانون سنتيمترًا ، وأصله من مارستان السلطان قلاوون .

أما الأسباب التي جعلت لهذه التحفة الفنية ما لها من قيمة جليلة فإن أبينها ما يأتي :

أولا - أن هذا الكرسي نادر جدًا ، فإننا لا نعرف من نوعه في العالم كله إلا الكرسي الآخر في دار الآثار العربية ، والصينية العليا (القرصة) من كرسي يشبههما . وهي محفوظة الآن بمتحف اللوفر بباريس .

ثانيا - أنه باسم سلطان جليل من سلاطين المماليك , فإن في وسط " قرصته " عصابة مستديرة من الكتابة الكوفية ذات الزخارف والحروف المتداخلة في بعضها ، والمدببة في أعلاها كأسنة الرماح . ونص هذه الكتابة : " عز مولانا السلطان الملك الناصر ناصر الدنيا والدين محمد ابن قلاون " وفي القرصة عدا ذلك ست مناطق فيها كتابة بالخط النسخي المملوكي ونصها : " عز لمولانا السلطان الملك الناصر العالم العامل المجاهد المرابط المثاغر المؤيد المنصور سلطان الإسلام والمسلمين قاتل الكفرة والمشركين محيي العدل في العالمين ، مجير المظلومين من الظالمين ، ناصر الملة المحمدية ، ناصر الدنيا والدين ابن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي " (انظر الشكل رقم ٢) .

أما جوانب الكرسي الستة فإن كلا منها مكون من أربع " حشوات " مخرمة بينها قضبان ، وعلى الحشوات والقضبان كتابات منزلة بالفضة لا تختلف كثيرا عن الكتابة سالفة الذكر ، وفيها دوائر عليها رسوم بط صغير ،

وفيها أيضا جامات مستديرة مكتوب فيها : " عز لمولانا السلطان " ومما يلفت النظر في كتابات هذا الكرسي عبارة " ناصر الملة المحمدية ، وهو لقب لم يرد كثيرًا بين ألقاب السلاطين والمماليك .

ثالثا - أن على أرجل هذا الكرسي كناية عليها تاريخ صناعته واسم الصانع . وهذا أمر غير شائع في الفنون الإسلامية ، وإليك نص هذه الكتابة : " عمل العبد الفقير ، الراجي عفو ربه ، المعروف بابن

المعلم الأستاذ محمد بن سنقر البغداد السنافي ، وذلك في تاريخ سنة ثمانية وعشرين وسبعمائة في أيام مولانا الملك الناصر عز نصره " . وقصارى القول أن هذه التحفة الملكية لا تكاد تقدر

بثمن ، وذلك لندرتها ، وإتقان صناعتها ، وجمال شكلها , وتناسب أجزائها ، ودقة زخارفها ، وما لصاحبها من عظم الشأن ، ولأنها مؤرخة ، وعليها اسم صانعها .

اشترك في نشرتنا البريدية