الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 485الرجوع إلى "الرسالة"

كرملة الكرملي

Share

أعود فأصحح للأب أنستاس ماري الكرملي أخطاء  أخرى وقع فيها؛ والأمر في هذه المرة أخطر، فقد جمع إلى الأخطاء  التاريخية أخطاء روحية؛ ولقد قال " ربليه "  قدس الله روحه:    " إن علماً بلا ضمير خراب للنفس " ؛ فما بالك إذا كان العلم  زيفاً حمله الرافدان؟

لو أن الأب أنستاس ماري الكرملي العالم النحرير والروحاني  المتواضع زف إلى ما يقول " كرملة" يستسيغها الذوق لقبلتها،  ولكن كرملته حصرم تمجه النفوس. إن في نفسي إيماناً بأن

العلم والروحانية لا ينزلان بنفس إلا هذباها، ونحن كلما  ازددنا توغلاً نحو آفاق المعرفة ازددنا دنواً من حدودها  وإحساساً بتلك الحدود، فتهدأ جوارحنا ويسكن غرورنا.  وأنا قد أقبل من رجل أن يعتز بماله إن كان صانعاً

أو تاجراً، وأما العالم فالزهو منه ممقوت

إن روح العلم الصحيح لا تعرف نغمات الكرملي. العلم  تواضع كما أن الدين محبة؛ وأين هذا من كلام الأب؟ أنا لا أعرف  التأكيد في أي شيء ولذا قلت - أيها الأب أنستاس ماري  الكرملي - إذا صح هذا أو ذاك. والأب الجليل العالي الكعب  في كل أمر لابد قد قرأ أفلاطون، ولابد أن أستاذه قد قال له  سنة ١٨٨٧م إن موضع الجمال في أسلوب أفلاطون موضع  السحر، موضع السمو، كثيراً ما يتركز في الحرفين An اللذين  يضافان إلى الأفعال اليونانية لينقلا التأكيد إلى الاحتمال،  والأب الخطير يستطيع بلا ريب أن يترجم ب إذا صح الخ ...

ثم إنني أيها الأب أنستاس ماري الكرملي لم أستنجد بعلم  الأستاذ كراوس كما أني لم أغتصب منك أسلابك العلمية الثمينة،  وإنما الذي حدث أن مجلة الرسالة لم تنشر مقالي كاملاً كما تستطيع  أن تلاحظ ذلك من ابتدائه بنقط، ولو أنها نشرته كاملاً لرأيت  أني سلمت لك بأنك تعرف أسماء أتيقوس وتيودسيوس وغيرهما  ممن لا يعتبرون إلا قطرة في بحرك الملح الأجاج. ولو أنها نشرته  كاملاً لعلمت أني لم أنشر هذا المقال رداً عليك وأنا لا صبر لي  على قراءة تحقيقاتك التي تبعدها عني روحك الوديعة الطاهرة،  وإنما أردت أن أحاج الأستاذ كراوس لأننا اختلفنا في هذا  النص قبل أن ينشر الكتاب. وأنت أيها الأب أنستاس ماري  الكرملي لا ريب مرهف الحس لطيف الذوق فكيف غاب  عنك أن قولي: " اللهم إلا أن يكون لدى الأستاذ كراوس علم  آخر. . . الخ "  لا يفيد طلب النجدةر

سلمت إذن للأب الكبير بأنه قد عرف اسم أبيقوس،  ولكنني أنكرت عليه أن يعرف عنه أكثر من ذلك بدليل أنه  زعم أنه روماني وهو يوناني. ولقد فطن إلى هذا الأب نفسه  عندما راجع دفاتره وراجع العلماء الأفاضل الذين يجتمعون معه  فوضعوا خطاً - كما يقول - تحت جملتي التي تحمل هذا المعنى،  ووضع الخط هذا وتأمين الأب على وضعه هو طريقة العالم

الفاضل في الاعتراف بخطئه. وإذن فقد كنت محقاً في أن  أصحح له هذا الخطأ

بقيت مسألة الكراكي التي لم أعثر بها فقلت " إنها خرافة  لا نعلم عن نسبتها إلى قومودس وأتيقوس شيئاً " . وهذا حق،  فأنا لم أعثر بها في حياتهما؛ وأعود فأكرر أنني لم أعثر بها ولا أقول  لم أعثر عليها - كما يقترح اللغوي الكبير الأب الكرملي -  لأن المعنى الذي أريد أن أعبر عنه هو  أننني لم أعثر بها، أي لم أقع  عليها. وللأب الفاضل أن يظهر علمه - إذا أراد - في غير هذه  التوافه، وأن يتفضل بأن يترك للكاتب الحق في أن يتصرف  في اللغة وفقاً للمعنى الذي في قلبه

وأما مسألة أبيقوس ونسبه الكراكي إليه، فهذا لن يفيد  الأب الكرملي في شيء، لأن النص يقول: " إن تودورس  أو قومودس ملك يونان كتب إلى أينقس الشاعر أن يزوده  بما عنده من كتب فلسفية " . . . وإذا كان من الثابت أن  قومودس قد عاش في القرن الثاني بعد الميلاد، وأن أبيقوس  الذي فرح الأب باكتشاف أحد أصدقائه لوجوده قد عاش  في القرن السادس قبل الميلاد، فإنه يكون بين الرجلين ثمانية  قرون. أيريد الأب الشيخ أن يطير في طائرة عصرية ليجمع  بين العصرين !

لم يكن لي أن أتجه نحو أبيقوس ما دمت قد رجحت كومودس هذا ما يستحق الرد في كلام أوفى كرملة الكرملي، وأما  ما دون ذلك، فالعلم منه بريء.

اشترك في نشرتنا البريدية