تقاس قوة الأمم في هذه الأيام بمقدار ما لديها من الصناعات؛ فالصناعة هي أساس المدنية الحديثة، تستطيع الأمة بها أن تتوفر على المصادر الأساسية التي يتوقف عليها كيانها وهي إحراز الثروة المالية، والمحافظة على الحدود، وزيادة السلاح. . . والصناعة هي السند الوحيد الذي يمكن أن يعول عليه لتحمل أعباء الإدارة الحديثة، وإحراز المال الوفير لتدبير شئونها. ومما لا شك فيه أن الأمم التي لها شهرة في عالم الصناعة تحرص دائماً على الاحتفاظ بكيانها الصناعي، ولا يتيسر ذلك إلا بوجود الخامات الجيدة التي تتوقف عليها الصناعات.
فإذا أتيح لنا أن تفحص الآلة الميكانيكية لإحدى الطائرات وجدناها تتركب من معادن كثيرة قد لا تقل أنواعها المختلفة عن عشرين نوعاً. ولا يمكن أن يضحي بمادة واحدة من المواد التي تتركب منها دون أن نضحي بشيء من قيمتها.
قد يقال عن تغيير الخامات واستبدال مواد صناعية بها، ولكن هذا إذا صح فإلى حد محدود، إذ أن الخامات المعدنية لها قوى وخصائص لا تغني إحداها عن الأخرى كل الغناء
وتستخرج المعادن من المناجم الخاصة بها، فإذا أعوز وجودها لا يمكن الحصول على ما يقوم مقامها في الصناعة. فإذا لم توفق الدولة إلى الحصول على معدن لصناعة من الصناعات، فإن الخسارة لا تقف عند ضياع هذه الصناعة فيها، ولكنها تقع على نظام المملكة على وجه العموم.
فالأمم التي تريد التوسع والنفوذ، يجب أن تستحوذ على أكبر مقدار من الخامات لصناعاتها. فإذا كان الأمر كذلك، تبينت لنا تلك الصلة التي تربط بين النشاط السياسي والحصول على الخامات. فإذا دققنا النظر في مركز إيطاليا مثلاً، وجدنا أن هذه الأمة لا تملك مورداً واحداً لنوع من المواد المعدنية. وليس في مقدور موسوليني أن يخلق من إيطاليا أمة قوية إذا اتكلي على الزراعة وحدها، فهو يلجأ إلى استصدار الفحم والزيت والحديد والنيكل والمغنيسيوم
والصفيح وهي المواد الأولية للصناعات، من بلاد غير بلاده
ولم تكن بلاد الحبشة قد عرفت جيولوجيا قبل الفتح الايطالي، ولكن قد تبين أخيراً أن هذه البلاد تحتوي على أكبر مناجم للبلاتين والذهب والفضة والنحاس والحديد والبوتاس والرصاص والفحم والزيت (وهو أهم ما تصبو إليه إيطاليا) وهذه مواد ذات قيمة لا تقدر، وهي ولا شك تستحق ما بذل لأجلها من المشتقات. فلا يصح أن يقال أن التوسع الإيطالي في تلك البلاد كان يقتضيه ازدياد عدد السكان في إيطاليا مع ما هو معروف من رداءة الجو في تلك البلاد، وعدم ملاءمته للإيطاليين بحال من الأحوال
أما ألمانيا فهي تحصل على ما يكفيها من الفحم، إلا أن ضياع الألزاسي واللورين جعلها تتكل على بلاد أخرى في الحصول على الحديد والذهب. وقد استورد منها في العام الماضي ٢٠ مليون طن. ولا شك أن ألمانيا يهمها أن تطمئن على توريد هذه المواد إبان الحرب، ولا يمكن ذلك إلا إذا وضعت البلاد التي توردها تحت إشرافها (بقصد تشيكوسلوفاكيا)
أما إسبانيا فماذا تقدم للأمم التي تهتم بها سياسياً؟ مما لا شك فيه أن الثروة المعدنية لتلك البلاد لا يستهان بها، فهي تحتوي على موارد عظيمة للحديد الممتاز والصلب والنحاس وغيرها من المعادن التي تستوردها ألمانيا من الخارج. . .
وهكذا حيثما وجهنا النظر وجدنا المواد الصناعية هي المحرك لتلك الأمم والحافز لها على التطاحن والحرب
