الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 226الرجوع إلى "الثقافة"

كفاح الموت، تاليف الدكتور يول دى كرويف

Share

الرجل الذي طارد الموت في فراش الأمهات

ليس بمستطاع أن يحيط المرء إحاطة شاملة كاملة عادلة بكل الأعمال التي قام بها كل الرجال في كفاح الموت . فهذا فوق قدرة إنسان واحد ، وفوق كفايته . ولقد قرأت في تاريخ الطب مؤلفات عظيمة مفصلة وسيعة ، فوجدت رجال الطب ذوي الصدارة ، رجال الطب السياسيين ، رجال العلم ذوي الظاهر البارق والباطن الفارغ يحتلون من تلك الكتب فراغا أكثر أو كالذي يحتله رجال الطب الحقيقيون وأهل العلم السباقون إلي مغالبة الموت ، فكل الذي فعلته ،

كل الذي طلبته ، أن أطلع على هوية بعض من خيار هؤلاء الرجال ، وان أتعلم أي حظ ، وأي مصادفة ، وأي طبع من شتى الطباع ، وخلق من شتيت الأخلاق اعان كلا من هؤلاء  على تخطي ما صادف في سبيله خاصة من عقبة كأداء .

وسأتحدث أول حديث عن " زامل قبس " Senunelweis

ولا تخجلن أيها القارئ من جهلك هذا الاسم . فلقد سألت انا عنه في العام الماضي عشرة من الأطباء الفهماء ، فلم أجد من بينهم من يذكر هذا الأسم الهنغاري الغريب غير واحد ذكره في غير تظن ذكر الواثق من ذاكرته .

عاش هذا الرجل عيشة فيها ما يؤسي له ، ودعني اقول وفيها ما يؤسف له ، ولكنه مع هذا كان في محاربي الموت

من أجدهم حيلة ، وأصدقهم إبداعا ، إنه لم يكن غير طبيب بسيط قامت في نفسه رغبة ملحة ان يجد سبيلا آمنة تسلكها الأم الوالدة لتخلص من الموت بنفسها وما ولدت . وقد وجد هذه السبيل ، ووجدها سنوات قبل رب الميكروب " بستور "Pasteur وسنوات قبل صاحبه " لستر "Lister فأثبت بذلك قبلهما ان الموت لا ينبعث دائما في داخل أجسامنا ، وانه قد يتلصص فيدخل إليها من خارجها . ولأول مرة في التاريخ اثبت ان من اسباب الموت ما يمكن دفعه ، واخذ السبيل عليه ، فلا يدخل إلي أجسامنا أبدا .

لقد أثبت روبرت كوخ Robert Koch بعد لأى أن المكروبات يمكن قتلها . ولكن قبل كوخ بسنين ابتدع " زامل قيس " حيلة ندفع بها هجوم بعض من تلك الجسيمات الخفية . وابتدع تلك الحيلة وهو لا يعلم عن هذه الجسيمات شيئا . ومع كل هذا فلا يزال من مآسي الطب اليوم أن نري أكثر من سبعة آلاف امرأة أمريكية يمتن في العام الواحد ، في غير ضرورة ، من حمي النفساء ، فتلك هي الحمى التى وجد صاحبنا من ذلك الزمن البعيد سبيلا لتوقيها يكاد يكون كاملا .

لقد مضي خمسة وثمانون عاما منذ أرانا هذا الهنغاري كيف تقطع الطريق على هذه الميكروبات التي تدخل الدم فتحله حلا ، هذه المكروبات التي تقتل اليوم أما أمريكية من كل ثماني عشرة يمتن بين الخامسة عشرة والرابعة والأربعين . وليس فينا من طلب الموت لهؤلاء . وإذن فهي العناية الناقصة والإهمال الآثم ، وإغفالنا ما كشفت لنا هذا الهنغاري من ذلك الزمان . وهذا يدفعني أن أتساءل : أحقا نحن في حاجة إلي زيادة من علم ، أم نحن في حاجة إلي زيادة من دقة وزيادة من وثوق ذمة في تطبيق ما نعلمه من علم ؟

إن قصة " زامل قيس " أو " زامل " اختصارا ، تكشف لنا عن اكثر من وجه يسوءنا نحن الأتى ندفع الضرائب لنعول بها العلم الطبي ، والفن الطبي ، بوصف أنهما يدفعان عنا الموت ويحفظان لنا الحياة . إن " زامل ؟ طرد من وظيفته بفينا ، عاصمة النمسا ، بسبب أنه اكتشف تلك الطريقة لخلاص الأمهات من الموت ، وتلك وصمة في تاريخ الطب لا تدانيها وصمة في قذارتها ، وكل ذنبه أنه كان امينا فوق ما يجب ، مستقيما فوق ما يلزم ، إذا طلب امرا ذهب إليه قدما في غير التواء أو مواربة . وعاد بعد طرده إلي بلده ، إلي بودابست عاصمة الهنغار . وفي هذا البلد اثبت مرارا وتكرارا قدرته على طرد الموت من فراش النفساء . ومع هذا ظل السادة المتغطرسون من أمراء طب النساء يضحكون منه ساخرين ضحكات عاليات ترددت اصداؤها في جنبات أوربا ، وتحت اصداء هذه الضحكات كانت فتيات أمهات يأخذن سبيلهن إلي الموت ، أينع ما يكن شبابا ، وأحق ما يكن بالحياة وأقدر عليها لو عقل العاقلون .

وانتهي " زامل " بأن كتب وثيقته البديعة العظمي ، تلك التي لا يذكرها اليوم احد . وفي تلك الوثيقة صرخ هذا الهنغارى في وجوه أطباء أوربا ضرخته الكبرى : " ان قفوا هذه المذبحة ايها الذباحون " وبصرخته هذه بدأت ترهف إليه الآذان .

كان " زامل " منذ شبابه الأول مستقل الرأي عنيدا . وعمدة أبوه طفلا ، وسماه اسما غريبا لا يعدم ان يثير لدي سامعيه من قومه شيئا من ابتسام ، سماه " إجناز " . وكان ابوه تاجرا من تجار بودابست ، وفي عام ١٩٣٧ ارسله أبوه إلي فيينا Vienna ليتعلم القانون . وذات يوم ، وعلى غير سابق عزم ، وبقصد التفرج لا غيره , اصطحبه

صديق إلي مشرحة الجامعة ، وكان استاذ يقوم على انظار الطلبة بعرض تشريحي . فكان اثر هذه الزيارة في نفسه ان حرق " زامل " كتب القانون ، وذهب توا يسجل اسمه في الجامعة لدراسة الطب .

كان " زامل " خشن المظهر ، ذا عينين كبيرتين براقتين كان هنغاريا قحا ، خفيف الخطو ، كثير المرح ، يفور نشاطا ويفور حياة . واختصر اصدقاؤه له اسمه " إجناز " تحببا ، فدعوه " نازي " . وكان إذا زأط وفرح وابتهج ، زأط بالقدر ، وعلى الأسلوب الذي لا يعرفه غير أهل فيينا . كان شابا من أولئك الشبان الذين إذا رآهم الناس قالوا : إنه لا رجاء فيهم ولا مستقبل لهم . ولكنه خيب ظن الناس فيه عندما صار له ان يختار فرعا للطب يتخصص فيه ، فلقد اختار املأ هذه الفروع بالمصائب والمآسي ، اختار فن التوليد . وفي عام ١٨٤٤ عندما صار طبيبا شابا فخورا تباها يحمل إلي جانب اسمه لقب " دكتور في الطب " بدأ في ازدهاء يعين الأمهات على وضع أولادهن ، وذلك في قسم الولادة بالمستشفى العام بعاصمة النمسا . وكان قسما ذا سمعة كريهة .

وفي الشهر الذي انضم فيه إلي هيئة المستشفى ، مات في قسم الولادة ست وثلاثون والدة من ثمان ومائتين . كانت الولادة داء كالأدواء تموت منه الناس .كان خطرها كخطر أسوا أنواع ذات الرئة ) النيمونيا ( أو أقل قليلا .

كان " زامل " يعمل في المستشفى بين اساتذة ضخام الاسم عظام البذة ، وبين مساعدين لهم أغرموا بالمنطق الضخم والكلمات الكبيرة المسيرة ، وب " نعم " يقولونها دائما أبدا للسادة الرؤساء الأجلاء . فظهر " زامل " بينهم في تخلفه شاذا غريبا . وعدوا من غرابته ، إنه لم يستطع ان يألف موت هؤلاء الفتيات الأمهات ، وان يعود نفسه فتطمئن إلى هذه الموت فلا تعود تذوب وراءهن

حسرات ، لقد كان توليدهن بالمجان : كن فتيات فقيرات ، وأكثرهن حملن عن طريق لا تباركه الكنيسة . ولكن مع هذا ، وبرغم هذا ، ظللن في عين " زامل " نساء كالنساء ادميات ، وملأ الأمل قلبه فأخذ يعاونهن على إلقاء هذه الأحمال وهي ثقيلة عسيرة ، لأنها الأولى لهن . فإذا وضعتها أمتع نفسه وأراحها ان يراهن ، برغم إجهادهن ، قد صعد الدم إلي وجوههن احتياجا ، وقد اخذن إلى صدورهن تلك الصور الصغيرة الأولى من الحياة ، يحتضنها ، فيجدن في احتضانها لذة الأمومة الأولى .

ويمر يومان . . فإذا بحمرة تلك الوجوه ، وكانت من سعادة وغبطة ، تنقلب هنا وهناك في عنبر المستشفى ، إلي حمرة من حمي مشئومه تثور هائجة في تلك الأجسام

وتمر ثلاثة أيام.. فيأخذ " زامل " ينتقض كلما سمع أما يقطع عليها حديثها الحلو الحنون إلي وليدها آهات من آلام  كآلام الوضع ، إلا أنها أكثر في أجسامهن اندفانا وأبعد غورا . ويأخذ يطمئنهن " لا تجزعي يا سيدتي ، فسينتهي كل شئ إلى خير ، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه الأمل الخائب لم يترك للصديق المؤاسى غير الكذب يقوله عامداً .

وتجف حلوقهن ، فيرفعن إليه على قلق أبصارهن . ويطلبن الماء . قليلا من ماء ، قليلا من ماء . ماء ، ماء ، دائما أبدا . ويحاول ان يبتسم ليحي فيهن الأمل . ويجس ارساغهن فيجد نبضا سريعا ، يأخذ يزداد سرعة فسرعة ثم يأخذ في سرعته يزداد ضعفا فضعفا ، حتي لا يكون إلي عده من سبيل .

وتمر أربعة أيام . . . فنجد " زامل " قائما يخاتل هؤلاء المسكينات عن مصيرهن ، يضاحكهن ، ويسائلهن عن أسماء ولائدهن ليخفي جزعه من رؤية بقع غريبة ، زرقاء  بنفسجية ، أخذت تبين على أيديهن وأرجلهن .

لشد ما أحزنه أن يري تلك الوجوه قد شحبت حتي صارت كالشمع بياضا ، ولشد ما طيبه ان يري تلك الشفاه الباهتة تتمتم له في خفوت : " نعم ، أحسن يادكتور ، لقد خف الألم كثيرا " .

وعندئذ كان يشيح بوجهه عنهن ، لعلمه أنها خفة ألم تنذر باقتراب الموت . ) يتبع (

اشترك في نشرتنا البريدية