الرجل الذي طارد الموت في فراش الأمهات
ليس بمستطاع أن يحيط المرء إحاطة شاملة كاملة عادلة بكل الأعمال التي قام بها كل الرجال في كفاح الموت . فهذا فوق قدرة إنسان واحد ، وفوق كفايته . ولقد قرأت في تاريخ الطب مؤلفات عظيمة مفصلة وسيعة ، فوجدت رجال الطب ذوي الصدارة ، رجال الطب السياسيين ، رجال العلم ذوي الظاهر البارق والباطن الفارغ يحتلون من تلك الكتب فراغا أكثر أو كالذي يحتله رجال الطب الحقيقيون وأهل العلم السباقون إلي مغالبة الموت ، فكل الذي فعلته ،
كل الذي طلبته ، أن أطلع على هوية بعض من خيار هؤلاء الرجال ، وان أتعلم أي حظ ، وأي مصادفة ، وأي طبع من شتى الطباع ، وخلق من شتيت الأخلاق اعان كلا من هؤلاء على تخطي ما صادف في سبيله خاصة من عقبة كأداء .
وسأتحدث أول حديث عن " زامل قبس " Senunelweis
ولا تخجلن أيها القارئ من جهلك هذا الاسم . فلقد سألت انا عنه في العام الماضي عشرة من الأطباء الفهماء ، فلم أجد من بينهم من يذكر هذا الأسم الهنغاري الغريب غير واحد ذكره في غير تظن ذكر الواثق من ذاكرته .
عاش هذا الرجل عيشة فيها ما يؤسي له ، ودعني اقول وفيها ما يؤسف له ، ولكنه مع هذا كان في محاربي الموت
من أجدهم حيلة ، وأصدقهم إبداعا ، إنه لم يكن غير طبيب بسيط قامت في نفسه رغبة ملحة ان يجد سبيلا آمنة تسلكها الأم الوالدة لتخلص من الموت بنفسها وما ولدت . وقد وجد هذه السبيل ، ووجدها سنوات قبل رب الميكروب " بستور "Pasteur وسنوات قبل صاحبه " لستر "Lister فأثبت بذلك قبلهما ان الموت لا ينبعث دائما في داخل أجسامنا ، وانه قد يتلصص فيدخل إليها من خارجها . ولأول مرة في التاريخ اثبت ان من اسباب الموت ما يمكن دفعه ، واخذ السبيل عليه ، فلا يدخل إلي أجسامنا أبدا .
لقد أثبت روبرت كوخ Robert Koch بعد لأى أن المكروبات يمكن قتلها . ولكن قبل كوخ بسنين ابتدع " زامل قيس " حيلة ندفع بها هجوم بعض من تلك الجسيمات الخفية . وابتدع تلك الحيلة وهو لا يعلم عن هذه الجسيمات شيئا . ومع كل هذا فلا يزال من مآسي الطب اليوم أن نري أكثر من سبعة آلاف امرأة أمريكية يمتن في العام الواحد ، في غير ضرورة ، من حمي النفساء ، فتلك هي الحمى التى وجد صاحبنا من ذلك الزمن البعيد سبيلا لتوقيها يكاد يكون كاملا .
لقد مضي خمسة وثمانون عاما منذ أرانا هذا الهنغاري كيف تقطع الطريق على هذه الميكروبات التي تدخل الدم فتحله حلا ، هذه المكروبات التي تقتل اليوم أما أمريكية من كل ثماني عشرة يمتن بين الخامسة عشرة والرابعة والأربعين . وليس فينا من طلب الموت لهؤلاء . وإذن فهي العناية الناقصة والإهمال الآثم ، وإغفالنا ما كشفت لنا هذا الهنغاري من ذلك الزمان . وهذا يدفعني أن أتساءل : أحقا نحن في حاجة إلي زيادة من علم ، أم نحن في حاجة إلي زيادة من دقة وزيادة من وثوق ذمة في تطبيق ما نعلمه من علم ؟
إن قصة " زامل قيس " أو " زامل " اختصارا ، تكشف لنا عن اكثر من وجه يسوءنا نحن الأتى ندفع الضرائب لنعول بها العلم الطبي ، والفن الطبي ، بوصف أنهما يدفعان عنا الموت ويحفظان لنا الحياة . إن " زامل ؟ طرد من وظيفته بفينا ، عاصمة النمسا ، بسبب أنه اكتشف تلك الطريقة لخلاص الأمهات من الموت ، وتلك وصمة في تاريخ الطب لا تدانيها وصمة في قذارتها ، وكل ذنبه أنه كان امينا فوق ما يجب ، مستقيما فوق ما يلزم ، إذا طلب امرا ذهب إليه قدما في غير التواء أو مواربة . وعاد بعد طرده إلي بلده ، إلي بودابست عاصمة الهنغار . وفي هذا البلد اثبت مرارا وتكرارا قدرته على طرد الموت من فراش النفساء . ومع هذا ظل السادة المتغطرسون من أمراء طب النساء يضحكون منه ساخرين ضحكات عاليات ترددت اصداؤها في جنبات أوربا ، وتحت اصداء هذه الضحكات كانت فتيات أمهات يأخذن سبيلهن إلي الموت ، أينع ما يكن شبابا ، وأحق ما يكن بالحياة وأقدر عليها لو عقل العاقلون .
وانتهي " زامل " بأن كتب وثيقته البديعة العظمي ، تلك التي لا يذكرها اليوم احد . وفي تلك الوثيقة صرخ هذا الهنغارى في وجوه أطباء أوربا ضرخته الكبرى : " ان قفوا هذه المذبحة ايها الذباحون " وبصرخته هذه بدأت ترهف إليه الآذان .
كان " زامل " منذ شبابه الأول مستقل الرأي عنيدا . وعمدة أبوه طفلا ، وسماه اسما غريبا لا يعدم ان يثير لدي سامعيه من قومه شيئا من ابتسام ، سماه " إجناز " . وكان ابوه تاجرا من تجار بودابست ، وفي عام ١٩٣٧ ارسله أبوه إلي فيينا Vienna ليتعلم القانون . وذات يوم ، وعلى غير سابق عزم ، وبقصد التفرج لا غيره , اصطحبه
صديق إلي مشرحة الجامعة ، وكان استاذ يقوم على انظار الطلبة بعرض تشريحي . فكان اثر هذه الزيارة في نفسه ان حرق " زامل " كتب القانون ، وذهب توا يسجل اسمه في الجامعة لدراسة الطب .
كان " زامل " خشن المظهر ، ذا عينين كبيرتين براقتين كان هنغاريا قحا ، خفيف الخطو ، كثير المرح ، يفور نشاطا ويفور حياة . واختصر اصدقاؤه له اسمه " إجناز " تحببا ، فدعوه " نازي " . وكان إذا زأط وفرح وابتهج ، زأط بالقدر ، وعلى الأسلوب الذي لا يعرفه غير أهل فيينا . كان شابا من أولئك الشبان الذين إذا رآهم الناس قالوا : إنه لا رجاء فيهم ولا مستقبل لهم . ولكنه خيب ظن الناس فيه عندما صار له ان يختار فرعا للطب يتخصص فيه ، فلقد اختار املأ هذه الفروع بالمصائب والمآسي ، اختار فن التوليد . وفي عام ١٨٤٤ عندما صار طبيبا شابا فخورا تباها يحمل إلي جانب اسمه لقب " دكتور في الطب " بدأ في ازدهاء يعين الأمهات على وضع أولادهن ، وذلك في قسم الولادة بالمستشفى العام بعاصمة النمسا . وكان قسما ذا سمعة كريهة .
وفي الشهر الذي انضم فيه إلي هيئة المستشفى ، مات في قسم الولادة ست وثلاثون والدة من ثمان ومائتين . كانت الولادة داء كالأدواء تموت منه الناس .كان خطرها كخطر أسوا أنواع ذات الرئة ) النيمونيا ( أو أقل قليلا .
كان " زامل " يعمل في المستشفى بين اساتذة ضخام الاسم عظام البذة ، وبين مساعدين لهم أغرموا بالمنطق الضخم والكلمات الكبيرة المسيرة ، وب " نعم " يقولونها دائما أبدا للسادة الرؤساء الأجلاء . فظهر " زامل " بينهم في تخلفه شاذا غريبا . وعدوا من غرابته ، إنه لم يستطع ان يألف موت هؤلاء الفتيات الأمهات ، وان يعود نفسه فتطمئن إلى هذه الموت فلا تعود تذوب وراءهن
حسرات ، لقد كان توليدهن بالمجان : كن فتيات فقيرات ، وأكثرهن حملن عن طريق لا تباركه الكنيسة . ولكن مع هذا ، وبرغم هذا ، ظللن في عين " زامل " نساء كالنساء ادميات ، وملأ الأمل قلبه فأخذ يعاونهن على إلقاء هذه الأحمال وهي ثقيلة عسيرة ، لأنها الأولى لهن . فإذا وضعتها أمتع نفسه وأراحها ان يراهن ، برغم إجهادهن ، قد صعد الدم إلي وجوههن احتياجا ، وقد اخذن إلى صدورهن تلك الصور الصغيرة الأولى من الحياة ، يحتضنها ، فيجدن في احتضانها لذة الأمومة الأولى .
ويمر يومان . . فإذا بحمرة تلك الوجوه ، وكانت من سعادة وغبطة ، تنقلب هنا وهناك في عنبر المستشفى ، إلي حمرة من حمي مشئومه تثور هائجة في تلك الأجسام
وتمر ثلاثة أيام.. فيأخذ " زامل " ينتقض كلما سمع أما يقطع عليها حديثها الحلو الحنون إلي وليدها آهات من آلام كآلام الوضع ، إلا أنها أكثر في أجسامهن اندفانا وأبعد غورا . ويأخذ يطمئنهن " لا تجزعي يا سيدتي ، فسينتهي كل شئ إلى خير ، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه الأمل الخائب لم يترك للصديق المؤاسى غير الكذب يقوله عامداً .
وتجف حلوقهن ، فيرفعن إليه على قلق أبصارهن . ويطلبن الماء . قليلا من ماء ، قليلا من ماء . ماء ، ماء ، دائما أبدا . ويحاول ان يبتسم ليحي فيهن الأمل . ويجس ارساغهن فيجد نبضا سريعا ، يأخذ يزداد سرعة فسرعة ثم يأخذ في سرعته يزداد ضعفا فضعفا ، حتي لا يكون إلي عده من سبيل .
وتمر أربعة أيام . . . فنجد " زامل " قائما يخاتل هؤلاء المسكينات عن مصيرهن ، يضاحكهن ، ويسائلهن عن أسماء ولائدهن ليخفي جزعه من رؤية بقع غريبة ، زرقاء بنفسجية ، أخذت تبين على أيديهن وأرجلهن .
لشد ما أحزنه أن يري تلك الوجوه قد شحبت حتي صارت كالشمع بياضا ، ولشد ما طيبه ان يري تلك الشفاه الباهتة تتمتم له في خفوت : " نعم ، أحسن يادكتور ، لقد خف الألم كثيرا " .
وعندئذ كان يشيح بوجهه عنهن ، لعلمه أنها خفة ألم تنذر باقتراب الموت . ) يتبع (

