وصل الفائت : " زامل " طبيب هنغاري اكتشف بعد جهد أن حمي النفاس داء بعد ، وأن الطبيب غافله وان الأطباء عليهم أن لا ينقلوا من فحص امرأة حامل إلي فحص اخري ، أو من فحص مريض ذي داء عفن إلى فحص حامل ، حتى يطهروا أيديهم بماء الكلور . وسخر منه الأطباء واضطهدوه . فهاجر من غينا إلى مسقط رأسه بودابست . وأتى في بودابست بنتائج باهرة ، ولكن الأطباء اهملوه . فلما ضاق بهم هددهم بمخاطبة جمهور الناس في هذا الأمر من فوق رؤوسهم . والآن اقرأ:
هدد " زامل " الأطباء بما هدد ثم أخذت الريح من بعد تهديدة تهب حيث ارادها ، وأخذت أساتذة أوربا تشترك في الصيحة العامة لوقف المذابح الجارية .
في هذا الوقت انفذ " زامل " ما توعد الأطباء به حين لم يكن في الحق إلي ذلك حاجة . فكان يلقي الخطيبين في الطرقات ، وهو لا يعرفهما ، فيستحي بهما جانبا من الطريق يحدثهما عن ضرورة الغسل بالكلور عند الوضع
ولاحظت زوجته الشابة مارية عندئذ شيئا من اختلال في أتزان مشيته . وكان يحضر المادب فيأكل كالتهمان . وكان يثور غاضيا في وجه من ناقضه في الهناة مهما صغرت ، إلا وجه أطفاله الصغار . وكان تسأله الكثير لزوجته عن حاله ، وقد تشكك فيه ، يثير الرحمة ويعطف القلب . كان يسألها : " ماذا دهاني ؟ ماذا أصاب رأسي
ويأتي صيف عام ١٨٦٥ . فإذا به يعود إلي فينا ، وإذا بمارية إلي جانبه تعينه في رحلته إليها ، وأصغر
أولادها لا زال عند ثديها . ألا ما كان أجدرها أن تكون عودة المنتصر الفاتح
كان الأستاذ إشبات Spit أول أستاذ دمغه ( زامل) دمغا في أول كتاب له مفتوح . واليوم يخرج هذا الأستاذ يعلن ثوبته على الملاء ، وفي الورق ، ويقرر أن النظافة وحدها - أن طهارة الأيدي وطهارة العدد هي السبيل التي لا سبيل غيرها لدفع حمي النفاس عن الأمهات ، ولكنها نوبة جاءت متأخرة لم يستمرئ " زامل " سرورها
وخرج من القطار فأسرعوا به إلي بيت صديقه القديم ، إلي بيت الأستاذ " هبرا " ، وكان " هبرا " أول من واساه في محنته الأولى ، عندما كشف " زامل " لأول مرة أن النساء إنما متن من سم يديه .
في هذا البيت القديم كان " زامل " ولد زوجة صديقه قديما . ولدها بنفسه ، وعند ما خرج الوليد حمله بين يديه ليريه لامه وهو يصيح لها ضاحكا ضحكته الرنانة القديمة : إنه غلام
كان هذا في زمان غير . أما اليوم . . فقد دخل زامل " هذا البيت بقدم فقدت شيئا من قيامها ووثوقها ، وقد جلله الكبر فتراءي كالشيخ برغم عامه الخامس والأربعين أو نحوه . وخيته الشعثاء تفر فيها الشيب . وعيناه انعلمتا فذهب عنهما بريق عين الصقر ، والصقر يقظ لماح
ورفع بصره فرأي زوجة صديقه " هيرا وفي لحظة فعلت الذكري أفاعيلها ، فصح محنة المريض ، وصفا بصره ، وضحك لها ضحكته القديمة ، فكانت كشبح الميت أو كطيف الحالم . وصاح لها صيحته الأولى : " إنه غلام ! ألا تذكرين المرة الأولى عند ما قلت لك إنه غلام ؟ "
ومضي زامل " دقائق يتحدث في شوق واهتياج إلي " هيرا " ، وتحرق إلي رؤية معمله . ثم يعود الستار فينسدل فجأة على مخه ، فلا يري إلا ظلاما . فيسر ع به " هيرا " إلي عربة مغلقة تسوقه إلي مستشفى المجاذيب وفي المستشفى يوضع في حجرة ويغلق فيها من ورائه الباب .
في الثاني عشر ١٢ من أغسطس عام ١٨٦٥ قام الجراح الشهير لستر Lister بعمليته الجراحية الشهيرة الأولى الذي حمي فيها الجسم الإنساني ان تدخله اسباب الموت ، افتدري متي كان هذا ؟ كان هذا بعد ثمانية عشر عاما من كشف ) زامل " كيف يدخل الموت إلي اجسامنا ، ومن بعد كشفه ، بطريقة اجلي وادق ، كيف تمنعه من دخولها . واليوم كم من الناس من يذكر لستر ؟ وكم منهم من يذكر زامل ؟ !
ومات زامل ( في السابع عشر من أغسطس عام ١٨٦٥ . فقد كان جاء إلى مستشفى المجاذيب وبأصبعه شكة من مشرط طاش عند آخر عملية أجراها في بودابست . فات متسمما دمه . مات من ذلك السم الذي كشفه . مات من ذلك السم القاتل الذي يتلصص إلي أرحام الأمهات . ولم يمهله الموت في هذا المستشفى غير أسبوعين اثنين ، قضاهما حيا كميت ، فكان موته لطف من الله كبيرا
وقد أرحه المؤرخون ، وصوروه جميعا ، إلا واحدا ، في صورة الشهيد الذي قتله الظلم وقتلته الحسرة . فزعموا أن الذي ذهب بعقله إغفال الناس كشفه ، وسخرية خصومه الأطباء بأمره . وإني أسف أن أقول إن هؤلاء المؤرخين عمدوا في هذه الناحية من تاريخه إلي الشعر والخيال . فالحقيقة الخالية من الشعر ، العارية من الخيال ، تبرز جلية من تقرير الطبيب الذي فحصه بعد موته ، فقد أظهر هذا الفحص أن " زامل " كان به التهاب مزمن في سحايا المخMeningitis ، وضمور في
المخ نفسه ، واضمحلال في الحبل الشوكي . وهذه الأشياء ليست مما ينتجه الظلم أو يؤدي إليه اضطهاد
أكد " زامل " في خاتمة مقاله الشهير الخالد : ان حمى النفاس لا تأتي أبدا من " عدوي ذاتية " تحل بالأمهات
وقال : إن الذي خفف من حزنه على آلاف الموتي من الأمهات الوالدات تصوره اليوم السعيد الذي هو لا بد آت في المستقبل القريب حين تضع الام ولدها وهي أمنة من تطرق الداء إليها مما حولها
وكتب : فإذا لم يشأ الله لي أن أري هذا اليوم بعيني رأسي ، وحماني الله أن تكون هذه مشيئته ، . .
وكتب ؛ فإذا جاء الموت ، بيض ساعات الأخيرة فيه ، اعتقادي أن يوما كهذا لابد آت ، تأخر الزمن به قليلا أو كثيرا
خشي زامل أن لا يرى يوما كاليوم الذي وصف . واستعاذ بالله أن يحرم رؤيته فما أعانه . من أجل هذا رحب على ان ا كتب لحياة هذا الهنغاري المنكوب خاتمة ، ووجب ان تكون هذه الخاتمة مرة . إن الذين حرموا " زامل " أن ري هذا اليوم إنما هم الأطباء .
إن الذي قصر أعمار هؤلاء النسوة ، ولا يزال يقصر أعمارنا نحن الناس ، إنما هو إهمال الأطباء كشف " زامل " ، وما أتى أخيرا به من كشوف
لقد مضي الآن نحو من ثمانين عاما منذ أمل زامل هذا الأمل الجميل الحزين في انقطاع هذه الحمى عن النساء من النساء ، ومع هذا نجد اليوم في بلدة هذا سبعة الاف أم يقتلن من جراء هذه الحمى كل عام . نعم يقتلن ، فإن لا أجد كلة أصدق منها في التعبير عما هو حادث . ويقتلن لأن أحدا من الناس اهمل فلم يتبع ما نصح به هذا الهنغاري المنسي أن يتبع لدفع هذا الداء القاتل الذي يسم الدماء
وما تلك النصيحة غير النظافة ، والنظافة وحدها
ولست أقول هذا لأن زامل قد نسي ، ولو أنه قد نسي حقا ، وبدون شك ، فليس من الضروري ان يذكر " زامل " لتصح النساء وينجون ، وإنما الذكر كل الذكر لحيله التي اتبعها في مغالبة الموت ، وهي حيل روعتها في بساطتها .
وهي حيل تنتج حتما ما أريد بها ، فحتي في أمتنا هذه ، حيث هذه الحمى فضيحة في الطب كبري ، حدث ما لم يكن في الحسبان . حدث أن ٢٥٢١٢ من النساء دخلن مستشفى الولادة بمدينة شيكاجو ، دخلنه على اعوام ، فلم يمت منهن بهذه الحمى غير امرأة واحدة
فهذه اذن نبوءة زامل " قد تحققت أي تحقيق ، وهذه اذن طريقته ، سهلة غاية السهولة ، ممكنة غاية الإمكان .
وعلى يد من تحققت هذه النبوءة ؟ على يد الدكتور (ديلي) de Lee نعم إن " ديلي هو الرجل الذي كان له الفضل في نفض التراب عن تلك الحقائق التي اكتشفها " زامل " قديما ، فترامت في بساطتها الكاملة الأولى . إن (ديلى) شئ كثير من جنون النظافة الذي كان يساور ذاك الهنغاري الشموس . إن ديلي قضى في مهنة الطب خمسة وثلاثين عاما ، قضى أكثرها في ثمانية مستشفيات كبرى ، فالذي رأته عيناه كثير وشتيت .
وقد رأي حمي النفاس في كل مستشفى عمل فيه ، ثم هو يخرج يتحدث عن المفاجع التي تقع في هذه المستشفيات بعد أن حفيت فيها رجلاه . تلك المفاجع التي يهمس بها الأطباء فيما بينهم ، فلا تصلنا نحن أهل الشارع ورجال الشعب ونساء همسة منها : في هذا المستشفى ، وهو من الدرجة الأولى ، أندلع الوباء فأصابت الحمي عشرا من النساء ، منهن ست في خطر ، وثلاث في سبيل الموت . وفي ذاك المستشفى عشرون إصابة ، ست منها تتنفس اخر أنفاسها . وفي هذا . وفي ذاك وهلم جرا ، كل
في البلاء ، سواء .
إن هذه المفاجع التي تحدث في الظلام آثارت ديلي حتى قال إن عنابر الولادة في المستشفيات العامة مكامن لا تؤتمن على حياة الوالدات . فأي قول أشد سخرية من من هذا القول . في المستشفيات العامة لا تؤمن الحياة ! في هذه المستشفيات حيث المعامل مليئة بالأجهزة الثمينة الغالية ،
والأدوات اللامعة الرائعة ! في هذه المستشفيات حيث علماء المكروب يؤدون رسالة العلم الصحيح بالكشف عن كل ما يكشف عن هذه المخلوقات الدقيقة القاتلة ، عن تلك البذور الصغيرة المنظومة كحبات السبح إذ تتلصص إلي أجسام النساء فتحل مابها من دماء . تلك المكروبات التي لم ير " زامل " شيئا منها ، ولم يسمع " زامل " شيئا عنها ، وإنما اتي ما اتي في حربها علي جهل بها . حم في هذه المستشفيات عينها تحتشد البلايين من هذه المكروبات تتهيأ للوثوب ، تحت أنوف هؤلاء الأطباء النبلاء ، وهؤلاء البحاث الأجلاء .
بالطبع لا يستطع مستشفى من المستشفيات العامة أن لا يصاب بهذه المكروبات . وليس في استطاعة مخلوق ان يمنعها ان تشرب حينا فحينا إلي الولادة من علي الجراحة تارة ، ومن المعمل تارة ، ومن قاعة الموتى تارة أخري . . لا لا ليس " زامل " قائل هذا . إنما هو " ديلي " بقوله عام ١٩٢٧
ولكنك ترد على هذا القول فتقول : إذن فما نفع كل هذه الآلات الحديثة والوسائل العجيبة . كان كل ما عند ذلك الهنغاري في زمانه العتيق وعاء به ماء به كلور . اما الآن فلدينا مطهرات البخار براقة لامعة ، ولدينا صنوف البدع للتطهير ، ولدينا قفازات من مطاط ، ولدينا الواقيات من القناعات ، ولدينا من المطهرات الوان مختلفات يزجيها أصحابها في الأسواق فيجنون منها الغنى والثراء
( يتبع)

