وصل المائت : " زامل " طبيب شاب عنغاري ، يعمل في قسم الولادة الأول بمستشفى عام بغينيا . و ( كلين ) رئيسه وأستاذه ذو رأي في الطب عميق . والنساء يمتن بكثرة من حمى النفاس في قسم الولادة الاول . والقسم الثاني أقل موتى ، والسبب غير معروف . .( وزامل) يجاهد في معرفه في غير طائل .
ثم كان أن أفيل " زامل " من وظيفته . وسبب هذا أنه كان بالمستشفى قبل " زامل " مساعد يقال له " إبريت " Breit، وكان يشغل الوظيفة التي شغلها " زامل " من بعده . فلما عاد إبريت وجب على " زامل "
أن يخلى له مكانه وسبب آخر : أن " إبريت " لم يكن كرامل كثير الحسرة على من كمن يمتن من النساء ، ولم يكن يحرج (إ كلاين) بالتسأل الكثير عنهن . وجد إ كلين " الفرصة سانحة للخلاص من " زامل " فطيره . فقضي صاحبنا الشتاء كله يتعلم الإنجليزية ، ويختط الخطة للذهاب إلي انجلترا ، وإلى دبلن عاصمة إيرلندا ، ليتعرف السبب الذي من أجله يقل الموتى من حمى النساء في مستشفياتها .
ثم حدث أن " إبريت " فاز بمنصب أستاذية بمدينة ثوبجن بألمانيا . وعرض المنصب الخالي على " زامل " فقبله ، وعاد إلى وظيفته مرة اخرى وقد كان المنتظر أن يرفضه حفظا لكرامته . . ولكنه لم يرفض .
وقبل أن يشغل منصبه ذهب إلى مدينة البندقية يترواح قليلا . ولما عاد عاد إلي استغراقه القديم في العمل وكان يقول إن رحلته إلي البندقية شفت نفسه من سقمها فلم يعد يركبه الهم ، لا بسبب ما أصابه في الإقامة
من حيف ، ولا لعجزه عن الوصول إلي اسباب تلك الحمى .
ولم يكه يكشف عن ساعده للعمل حتى جاءه الخبر بأن صديقه عالم الأمراض البيلوجي " كولتشيكا " Kolitechka! قد مات وفرغوا من دفنه توا _ مات متسمما دمه على أثر شكة طائشة من مشرط ، شكه إياها طالب عند امتحان جثة في قاعة الموتي .
عند امتحان جثة !
مهلا ، دعني أفكر . نعم نعم " زامل " في طلب التقرير الذي كتب عن موت صديقه الدكتور . وأخذ التقرير في يده ، وأخذ يقرؤه ، فأخذت ترتعد به أصابعه . نعم نعم . . إن الأمر كما ظن تماما . . يا للغباوة ، يا للعمي . سم في الدم . . دخل جسم " كولتشيكا " من سكين في قاعة الموتى ، سم في الدم ، و . ماذا تكون حمي النفاس غير سم في الدم ؟ !
ألا ما أغباه ! ألا ما أشد ما كان من عماء ! وهو الذي حدق ألف مرة في بواطن الموتى من النساء ، وهي حمراء ملتهبة . نعم ،.... .... نعم إنهما ستيان . لا شك في هذا .
وتملكته الفكرة في لحظة . ولم تكن خطرة بالرأس كسائر الخطرات - كانت إحساسا شاملا كاملا غريبا ، بدأ عند أم رأسه وغزي في سلسلة ظهره إلي أدنى قدمه . أعمل الطالب مشرطه في جثة امرأة ماتت من حمي النفاس ، ثم طاش المشرط في يده فجرح جسم الطبيب . فمن هذا الجرح دخل السم القاتل
جرح ؟ ! وكيف تأتي الجراح إلي الوالدات من النساء ؟ ! أمر يسير : إن كل امراة تلد يتجرح رحمها كله من الداخل تجرحا .
وسم الجثث ، ماذا حمله إلي هذه الجراح بباطن هذه الأرحام ؟ ! امر يسير ايضا . أمر وضح له وضوحا جعله يرتعد له ارتعادا . إنه هو نفسه حامل هذا السم ،
هو وتلاميذه . الم يذهب هو وهم ، يوما بعد يوم ، وشهرا بعد شهر ، من قاعة الموتى مباشرة إلى مضاجع الامهات بعنابر المستشفى يفحصونهن . نعم إنهم ذهبوا بعد غسل أيديهم . ولكن ما تلك الرائحة التي علقت بتلك الأيدي من تلك الجثث بقاعة الموتى ، وعلقت بها ساعات بعد خروجهم منها ؟
نعم تلك الرائحة التي فخر في غبائه بها ، وحث في جهله طلبته عليها ، حتى صارت هي والجثث شغله الشاغل وهمه الأول وهم طلبته .
بتلك الرائحة ، بهذا السم على ايديهم ، كانوا يدخلون على النساء ، فيدخلون هذه الأيدي في بواطن النساء ، يفحصونهن . .
إنه هو القاتل
وتراءت له هذه الحقيقة ، وشاعت فيه ، بأسرع مما يستطيع القول وصفه .
والقسم الثاني للولادة من المستشفى ، لماذا كان أرحم على النساء وأقل خطرا ؟
لأن من قمن على توليدهن فيه قابلات ، والقابلات يتفحصن الجثث بقاعة الموتى .
ولماذا كان الموت أسرع إلي الجواري ، وهن في ريعان شبابهن ، حين يلقين أول أحمالهن ؟ !
لأن وضعهن أطول من غيرهن . وبطول الوضع يكثر فحص الطبيب إياهن ، وإدخاله يديه بالسم في بطونهن .
وكان يحدث أن تلقي الجارية حملها قبل الأوان ، حتى في الشارع ، في طريقها إلى المستشفى . فهؤلا ، كان الموت أبطأ إليهن . فلماذا ؟
لأن الأطباء لم يمحنوهن أبدا .
كان " زامل " رجلا كامل الرجولة ، فلم يحجم عن اتهام نفسه لما بان له جرمها ، إنه القائل وكفي .
اشتعلت هذه الحقيقة في صدره ، واضطرمت ،
وتأججت . حتى العذر لم يلتمسه لنفسه ، فلم يقل إنه جرم الجاهل
ولم يكن أكديميا فقيها ، ولم يكن فيلسوفا ، فلم يمنه من هذا السم كنهه ، فنحا في أمره منحي عمليا ، فأخذ توا يطلب الوسيلة للخلاص منه .
وعمر شهران أو دونهما . ويجيء مايو عام ١٨٤٧ ، فنري " زامل " قد فرغ من فحص جثة بقاعة الموتى ها هو ذا قائم يغسل يديه بالصابون ، ويتسلهما المرة بعد المرة ، ثم ها هو ذا يغوص بهما في وعاء ملئ بماء الكلور(١ ) وبغسلهما في هذا اناء ، ثم يغسلهما حتى يخرج الأمر إلي حد السخف . ويغسلهما حتى يكون مسهما زلجا.
ويرفعهما أثناء الغسل إلي أنفه يتشممهما مرة بعد مرة ، ثم أخيرا يهز رأسه راضيا ، فقد أقنع نفسه أن رائحة الجثة ذهبت عن أصابعه فلم يعد لها أي أثر فيها . ويبتسم الطلبة من حوله خاصة ، ولعلهم كانوا يتبادلون النكات همسا . كانت ساعة من ساعات الدهر عظيمة ، تراءت خرفاء ، بلهاء سخيفة .
ثم هو يقوم على تلاميذه يرقب عن قرب ايديهم وهم يغسلونها ويدعكونها في ماء الكلور دعكا . إنهم الآن لا يبتسمون . إنهم لا يبتسمون وهو ناظر . لقد كان يعرف في عينيه بارق الجد ، كانت تشع من عينيه تلك الشعاعة الأولى لكل إيمان جديد بمعتقد جديد ، لهذا لم يكن يأذن في هذا الأمر بهوادة أو مزح .
ثم هم من بعد ذلك يذهبون إلى الأمهات في قسم الولادة الأول ، ويأخذون يفحصونهن صفا صفا ، والأمهات على أسرتهن رواقد ، في وجوههن الم الوضع ، وفي أعينهن خوف الحمى ، وحق لهن الخوف .
في إبريل مات من الأمهات الوالدات ثماني عشرة من كل مائة . وجاء مايو ، جاء آخره ، فهذا " زامل " غسل الأيدي بالكلور ، وجاء يونيو . . فهبطت نسبة الوفيات
إلي اثنين في المائة ، أو فوقها بقليل . وجاء يوليو . . فهبطت النسبة إلى واحدة في المائة ، فكانت بذلك ادني من نسبة الوفيات في قسم الولادة الثاني ، في القسم الذي اشتهر بقلة موتاه إذن فتلك البسمات الساخرات الكافرات كانت في غير موضعها . فالكلور ، موضوع السخر ، قد غسل فعلا أسباب الموت على هذه الأيدي .
لو أن هذه التي أكتب أقصوصة ، لاختتمتها عند هذا الختام السعيد كما تختتم الأقاصيص . ولو ان " زامل " لم يكن له غير هؤلاء الأمهات مشغلة ، لتيسر له الأمر وهان ؛ فهؤلاء الزوجات الصغيرات الفقيرات ،
وهؤلاء الفتيات الأمهات الأخربات المتروكات المخونات من غير الزوجات ، كل هؤلاء اصبحن اليوم يستطعن الذهاب إلي هذا القسم من المستشفى بوجوه مستبشرة ، فلم يعدن يسمعن عن هذا القسم انه مذبحة يذبح فيها الاصحاء أحياء . ولم يكن ، هن وأزواجهن ، أو إذا لم يكن لهن ازواج فنهن واباؤهن وأمهاتهن ، لم يكن يعنين أو يبالين كيف دفع " زامل " البلاء عنهن . ولو انهن خيرن لصوتن جميعا لرفع مرتبه ، أو لترقيته إلي استاذية .
فهذا كان حاله لو لم يكن له مشغلة غير الأمهات في المستشفى .
ولكن في الحياة الواقعية يوجد إلي جانب هؤلاء الأمهات أساتذة ، ويوجد ما يسمى هيئات العلم الرسمية ، العلم البحث ، العلم إلا كديمي . ويوجد كذلك رفوف ورفوف تملؤها صفوف وصفوف من كتب سمينة هائلة تعلم الأطباء فن توليد النساء . ولم يكن في هذه الأوراق الكثيرة ، ولا بين ألفاظها المستعجمة الكبيرة ، من سبب لحمي النفاس غير هذا الخرف الذي يتحدث عن عن جوهر جوي سماوي أرضي سببا لهذه الحمى ولم يكن بين سطورها لسوء الطالع سطر يتحدث عن غسل الأيدي بالكلور .
وألعن من هذا أن " زامل " لم يكن بعد بلغ الثلاثين من عمره ، ولم يكن إلا محدثا ، فلم يكن له في العلم باع قديم نعم إنه اكتشف لأول مرة في التاريخ كيف يتلصص السم إلي الدم ، وعن اي طريق يدخل الصحيح من الأجسام . ولكن " زامل " كان شابا جامح الصبا ، عامي اللسان ، خطاء في النحو ، جهولا لآداب اللياقة في العلم وبين العلماء . وسماء الأساتدة زياط بودا يسب ،
خائل " زامل " أسباب الموت فصرفها عن هؤلاء النسوة بتطهيره الأيدي بطريقة بسيطة معقولة ، بغسلها في محلول كلور الجير ( ١ ) ، يغسلها في محلول مادة يشتريها المشتري من اي مخزن عقاقير ببضعة مليمات .
وأثبت لأول مرة في تاريخ البشر إمكان ذلك . وقد كان الأمر هينا لو كان هذا كل ما أتي . ولكنه بكشفه هذا أساء إلي العلماء الآجلاء . بكشفه هذا ، بأتيانه هذا ، بهذه الجرامات القليلة من كلورو الجير قد ضيع محصول ثلاثة قرون من علم مكدس في كتب للطب ضخمة تتحدث عن أسباب مجهولة ، ثلاثين ، لحمى النفاس في لغة طنانة رنانه تملأ الأشداق وتضيق بها الحلوق . نعم ، إنه بطريقته البسيطة هذه ، التى تحيا بها كل هؤلاء الأمهات في شهري يونيو ويوليو ، أثبت أن كل هؤلاء الأساتذة الذين لا يغسلون أيديهم بالكلور ، هم وحدهم المسئولون عن هذه الضحايا ، ما كان منها وما يكون . وزاد الامرحرجا أن " زامل " لم يكن يحسن التأنق في كلامه . ولا المداهنة فيه ، وإنما كان يقول القول صريحا جافا .
أفبعد هذا يستغرب المرء من ( إكلين) وزملائه أهل العلم الرصين ، أن يختطوا الخطة لزامل يطلبون بها دمه (يتبع)
حقوق الطبع محفوظة للمترجم

