فقر الدم الخبيث فقر الدماء ، وفقر الجيوب
وصل الفائت : طبيب شاب أمريكي اسمه " مينوت " من آل " مينوت " ، وهي اسرة في الطب عريقة ، وداء عياه هو فقر الدم الخبيث .
أولع " مينوت " بطمس الدماء ، وأولع بالأمراض التي تتسبب عن اختلال في الدماء , واتخذ من فقر الدم الخبيث دراسة له .
ووجد فيما وجد أن مرضي هذا الداء تتحسن حالهم أحيانا لغير سبب ظاهر ، فينظر دماءهم تحت المجهر ، فيري فيها كريات جديدة غربية ، هي كريات دم حمراء وليدة نزلت حديثا إلى الدم ، أنزلها مصنع الكرات الحمراء بالجسم وهذا المصنع هو نخاع العظام .
ويزول هذا التحسن في المرضى لغير سبب ، فتختفى من الدم هذه الكرات الوليدة .
فكر " مينوت " ما فكر ، وبحث ما بحث ، وأخيرا وجد من كثرة تسآله مرضاه أنهم لا يأكلون كما يأكل الناس ، فيقصرون في ناحية ، ويبالغون في ناحية ، وهم لا يأكلون في ميعاد .
عندئذ وقر في نفسه أن هذا الداء سببه شىء ينتج من شذوذ الطعام . وإذا وفق الطعام يكون دواؤه .
ثم وقع على الكبد فأطعمها لمرضاه الخصوصين فشفاهم بها من الداء . ثم أخري صديقه الدكتور " مرفى " بأن يجربها في مرضي المستشفى فتقوا بها كذلك . عند ذلك أعلن في مجمع الأطباء أن أكل الكبد يشفى من الداء . والآن اقرأ :
وكان " مينوت " قد نقل مكتشفه من غلظته الأولى وخشنته ، إلي رقة العلم وجلوته ، فجعل له حسابا دقيقا ، وجعل له دقة معجبة ، فأنت تذكر في تلك الأيام السود الأولى ، حين لم يكن من هذا الداء مهرب إلا الموت ، ان
المريض كان يشعر بغتة بتحسن يجىء من غير ما سبب ، ثم يذهب هذا التحسن كما جاء من غير ما سبب . وتذكر أن " مينوت " كان يحدق في الدماء في تلك الفترات التي ينتعش فيها المرضى فيجد تلك الكرات الحمراء الوليدة ، ذات النسيج الشبكى الذي يتراءي أزرق بعد اصطباغه تحت المجهر ، يجدها وقد تكاثرت في الدم معلنة مبشرة بهذا التحسن الكائن الذي لا يلبث أن يذهب فتذهب معه هذه الكرات
كان هذا قبل أن يطعم " مينوت " الكبد مرضاه . واليوم يطعمهم الكبد فتتحسن حالهم ولكن لا تسوء من بعد ذلك . فماذا جري لتلك الكرات الشبكية الوليدة المبشرة بالخير التى يصنعها نخاع العظام ليصبها في مجرى الدماء من الأجسام ؟ لقد بدأ " مينوت " بعدها بمجرد إطعام مرضاه الكبد ، وعند شعورهم الأول بأن حالهم يطيب ، وقبل ان تثخن في عروقهم الدماء . فما الذي وجد ؟ وجد شيئا كعلم الرياضة في انضباطه ، أو كالكيمياء الطبيعية في اطراد نتائجها . شيئا منتظما لا يشبه القلب أبدا ، وجد ان المريض الذي يعطي الكبد تظهر الخلايا الشبكية الوليدة في دمه حتما . ووجد أن المريض كلما كان حظه من الداء كبيرا ، كان حظه من تلك الخلايا الناشئة كبيرا بنسبة ذلك . فكلما نقصت كرات الدم الحمراء عدا ، زادت هذه الخلايا الشبكية عدا ، وكان حدها الذي تبلغه ارتفاعا أبعد وأعلي وهي تبلغه في بحر خمسة ايام من دخول الكبد إلى امعدتهم
لقد كان هذا اختبارا رائعا اثبت بطريقة علمية لا شبهة فيها أن أولئك المرضى في تلك الأيام الأولى عند ما كانوا يقولون إنهم كانوا يحسون شيئا من التحسن ، إنما كانوا يقولون صدقا . ألم يجد " مينوت " في دمائهم تلك الخلايا الشبكية الوليدة ، وذاك التحسن العارض قائم ؟ ! ثم أليس هو الآن يجدها متكاثرة ، والتحسن على أكل الكبد متزايد ؟ ! إن ظهور تلك الخلايا الشبكية لدليل صادق على أن نخاع العظام قد صح فعاد إلي صناعته الأولى ، صناعة
الكرات الحمراء . وإن عدد تلك الخلايا الشبكية لمقياس صادق يقيس به الباحث اثر الكبد وغير الكبد في هذا الداء ، ويقيسه سريعا في قليل من الأيام ، فلا يفوت على المريض المستيئس فرصة الشفاء . نعم إنها لمقياس صادق للشفاء يأتي بواسطة الكبد وغير الكبد ، وما قد يقترح بديلا من الكبد . ونقول بديلا من الكبد عمدا ، فقد كان لا بد من بديل منها ، فإن كثيرا من المرضى أكلوا الكبد ، فأكلوها ثم أكلوها حتى عافوها ، حتى وهي لينة المضغة ، طيبة المذاق ؛ ويعافونها فيرفضونها فتسوء حالهم من جديد ويعودون القهقرى .
إن فقر الدم الخبيث يجىء الناس لأن شيئا في مكنة الحياة اختل بأجسامهم ، ترس صغير طار من تروسها ، شئ ضاع من أشيائها ، نقص وقع في حاجة من حاجاتها وهذا النقص يسد ، وهذا الضائع يرد بأكل الكبد ، والمثابرة علي أكلها ، وأكل الكثير منها .
اكتشف " مينوت " علاقة ما بين هذه الخلايا الشبكية الوليدة وبين ما يجني مريض هذا الداء من شفاء ، فاتخذ هذه العلاقة وسيلة يقدر بها في قليل من أيام ما تفعل الكبد وأبدلة الكبد في المريض ، سواء دخله هذا عن طريق طعام يطعمه فمه ، او حقنة تحقنها ذراعه . وقد اهتز العلم والعلماء لهذا الكشف الجديد من ساعة اكتشافه ، ومن هؤلاء ، الأستاذ " كون " Edwin Cohn وهو استاذ علم وظائف الأعضاء بمدرسة الطب بجامعة هرفرد . بدأ " كون " يستخدم هذا الكشف في فحص الكبد ذاتها ، ليتعرف فيها هذا الأكبر الخفي الخبئ .. فعرف أخيرا ان اكثر مادة الكبد لا فائدة منها ، وانه يمكنك نقى هذا الأكثر واستبقاء خلاصة قليلة ، فيها كل ما كان بالكبد من شفاء .
وجاء " مينوت " و مرفى " خلاصة من بعد خلاصة مما استخلصه " كون " بطرائقه ، وهي طرائق علمية صميمة ،
فأطعماها مريضا بعد مريض من مرضاهم ، ونظرا بالمجهر في دماء هؤلاء ، المرضى ليتعرفا اي تلك الخلاصات انفع وأفعل - أيها يحرك أنخعة عظامهم المريضة لاستئناف عملها . نظرا في المجاهر يبحثان عن تلك الخلايا الشبكية الوليدة التي تنعش الأمل ، وتفتح باب الرجاء . .
لقد كان في الأكباد ذاتها الكفاية لو استطاع كل الناس أكلها ، ولكن من المرضى من يبلغ به الحال ان يعافها فيرفضها ويفضل الموت عليها . فتلك هي العقدة التي لا بد من حلها ، ولم يكن حلها هينا .
فلهؤلاء المرضى جهز " كون " خلاصات لم يكن من الصعب تعاطيها ، وهى مركزة تركزاً يكفي معه تعاطي القليل جدا منها . ولكن هذه الخلاصات كانت عالية الكلفة ، لا يقدر عليها كل جيب .
فماذا يصنع من ليس عنده فضل من مال ينفقه في شراء هذه الخلاصة ليطول بها أجله ؟
وهم هذا " مينوت " وصاحبه " مرفى " ولو أن المسألة لم تكن علما بحتاً .
عندئذ أخذ " مرفى " يعينه طالب طب اسمه " بلوى " Bowie ، أخذا يصنعان من الكبد مرقا ، وأخذا يبخران المرق ويركزانه حتى بلغا به حجما تستسيغه الحلوق . ثم ذهب " باوى " يشتغل مع الدكتور " فاصل " William Castle ، وكان هذا الأخير يعمل قديما مع " مينوت " في أحد المعامل . فبدأ " فاصل " ، بعينه " باوى " ، في العمل لصالح من جمعوا إلي فقر الدماء فقر الجيوب ، فطبخوا من الكبد مرقا يطبخ في البيوت .
كان " فاصل " مزيجا من ثلاثة رجال من رجل ذي عقل يعمل عن فطرة سليمة ، وطبيب بسيط لم يرتفع بدراسته إلى مراقى الطب العالية ، وبحاثة يميل بطبعه إلي إبداع كل جديد . فبدأ عمله باستخدام عقله الفطري السليم فيما صنع " كون " من مرق . " وكون " استاذ عظيم في جامعة عظيمة شهيرة . فدرس " فاصل " هذا المرق ،
ودرس علما مفصلا طبقه " كون " في طبخه ، واستنتج طريقة اخرج بها من الكبد مرقا كمرق اللحم طيبا ولذاذة طعم . ولم يجد في نفسه الحرج الذي قد يجده بعض العلماء ، فأقر بأن امرأة من مرضاه هي التي أعطته الفكرة الأولى .
وكان مرقا يمكن تحسين طعمه ولو خرج من كبد خشنة جامدة رخيصة تنظرها فتحسبها لا تصلح لغير الكلاب .
وكان لا يستخدم في تجهيز هذا المرق إلا أجهزة توجد في أفقر البيوت ؛ فرامة لحم ، وطبق كبير من زجاج أو فخار ، وحلتان ، وقطعة قماش من شاش ، وكوبة ماء فبهذه الأجهزة وحدها يخرج حساء له قوة في بناء الدم في هذا المرض كقوة أغلي الأكباد وأشهاها .
والفقير مهما بلغ من الفقر لا يعجز عن اربعة من القروش يشتري بها كل يوم كبدا عجوزا رخيصة من أكباد الأبقار تعطيه القوة التي يتمسك بها بأطراف الحياة ، والتمسك بالحياة حق لا يمكن أن يجحده أحد حتى أكثر الناس فقراً .
إن أحسن ما يذكر به هؤلاء الأطباء ، أطباء بسطن ، أنهم لم يضيعوا أوقاتهم في معاملهم يهذبون اكتشاف " مينوت " ويشذبونه ، ويجلونه جلوة علمية ، ويلبسونه حلة رائعة أكديمية يصبح بها شيئا رفيعا ، مستقر " أرفف عالية لا ينالها إلا الطوال الأمجاد . إنهم بدلا من أن يصعدوا بهذا المكتشف إلى حيث لا يناله إلا أهل البذخ والثراء ، نزلوا به إلى جذور الإنسانية الدنيا ، إلى أوطأ طبقات المجتمع ، فأنالوه أفقر رجل شاك وأفقر شاكية .
إن قصة هؤلاء الأطباء لم تتم بعد ، ولن يكون لها تمام إلي حين بعيد ، وليس بالمستطاع حكايتها هنا لأن الأيام لاتزل قائمة في كتابها . إن الطريقة البسيطة التي اكتشفها مينوت لتعرف سير الداء ، وقياس ما يكسبه المريض من الشفاء ، بعد ما يتولد عنده في الدم من خلايا صغيرة شبكية تحي الأمل وتبعث الرجاء ، هذه الطريقة قد اقتبسها الآن
كل البحاث في بقاع الأرض ، وبها أخذوا يطلعون على كشوف في الطب أعمق وأعجب . وهي كشوف يطمئن بها الدارس على أن القصة التي بدأها " مينوت " لا بد ستكون لها خاتمة سعيدة هانئة . ومن هذه الكشوف الجديدة كشوف " فاصل " ، وهي أعمقها وأعجبها . بدأها بتفكيره في الأسباب التي من جرائها تعجز أنخعة العظام عن صنع الدماء .
فكر " فاصل " فهداه فكره إلى ان المعدة هي المسئولة عن كل هذه المتاعب - نعم المعدة دون سائر أعضاء الجسم وأحشائه . إن الرجل السكير القديم السكر الذي تنحست معدته يصاب بفقر الدم الخبيث . . والمريض الذي تنزع منه معدته لسرطان فيها فيعيش بعدها بقدرة قادر ، يصاب بفقر الدم هذا ومنه يموت . فهل يا ترى تصنع الأمعدة ، وهي سليمة ، شيئا من الطعام يجري في الدم ، فإذا بلغ أنخعة العظام اغراها بصنع دم للجسم جديد ؟
ولم يكن عند " فاصل " حيوانات للتجارب . ولو كان عنده منها ما نفعه ذلك شيئا . فالحيوانات لا تصاب بفقر الدم الخبيث ، وإنما يصاب به الحيوان الإنساني وحده . ولم يكن " فاصل " في العلماء قصير الحيلة ، فاتخذ من نفسه هو حيوانا يجرب فيه .
بدأ يجرب في نفسه ، ويسومها في التجربة عذابا لم يذكره من بعد إلا ضحك منه . ذلك انه أقرض معدته لمرضاه . كان يقوم في الصباح فيفطر على لحم مفروم مسوي ، حتى إذا استقر اللحم في معدته تركه مدة فيها تفعل فيه فعلها . ثم لا يلبث ان يضع إصبعه في حلقه ، ثم . . كع ، وإذا باللحم يخرج من حيث دخل . فعل هذا اليوم بعد اليوم ، والأسبوع بعد الأسبوع . لم يمل ولم يقهر .
ويطعم هذا اللحم المكعوع مرضي الداء ، وقد خف دمهم حتى بلغ المدي ، فماذا حدث ؟ حدث الحدث الأكبر المنتظر . حدث أن تلك الخلايا الشبكية الوليدة
الصغيرة المرجوة ظهرت في شرايين المرضى واحتشدت كما يحتشد الأمل فى ظلمات اليأس ، أو كما يحتشد جند الخلاص حول القلعة المرهقة وقد أوشكت على التسليم فذلك اللحم المفروم الذي قر في معدة " فاصل " بعض حين ، إنما قر فيها لتصنع منه المعدة تلك المادة المجهولة ، ذلك السر الخفي الذي يمتصه الجسم فيجري فيه إلى حيث الأنخعة فيحركها إلى صنع الدم الجديد وينشطها . ولكنه لم يمهل حتى يجري في جسم " فاصل ، وإلى أنخعته ، وإنما حمل إلي أمعدة المرضي ليجري في اجسامهم وليبلغ أنخعتهم . وقد كان ، فجرت في دمائهم تلك الخلايا الوليدة تبشر بالشفاء كما كانت تجري من بعد إطعام الكبد تماما .
عندئذ اجتمع أطباء ثلاثة يستخرجون من عذاب " فاصل " في تلك التجارب راحة لبعض بني الإنسان وكان هؤلاء الأطباء الدكتور " شرب " Sharpe , وهو موظف في شركة الأدوية الشهيرة ، " برك دافز " Parke Davis & Co , والدكتور "استرجس " Sturgis والدكتور إسحق Isaacs . وكان لهم معمل بديع في جامعة مستشجان Michigan مخصص لأبحاث فقر الدم الخبيث . ففى هذا المعمل استخرجوا مسحوقا صنعوه من معدة الخنزير بعد تجفيفها . وأسموا هذا المسحوق فينتركيولين Ventriculin , فكان تأثيره في الداء كتأثير الكبد ، وزاد فكان احسن طعما .
وجرى " فاصل " فيما هو جار فيه ، فوجد انه لو اخذ شيئا من خلاصات الكبد التي استخلصها الأستاذ " كون " وأعطاها المرضى ، لا في حلوقهم بلعاً ، ولكن في جلودهم حقنا ، كان أثرها بالحقن اضعاف أثرها بالطعام .
ثم أثبت " فاصل " و " استرجس " و " إسحق " أن في إمكان المريض ألا يأكل الكبد ولا خلاصات الكبد ، سواء صنعها في حساء في بيته أو اشتراها مسحوقا من صيدلي ، ومع هذا يحيا ويطيب ويعمل ويرتزق ،
وذلك بالذهاب مرة واحدة في الشهر ، أو في السنة الأسابيع ، إلى طبيب أو مستشفى ، فيحقنه حقنة صغيره من خلاصة في وريد بذراعه .
إن من الأدواء أدواء لا شفاء منها أبدا . وفقر الدم الخبيث ، على ما أعلم ، أول داء في هذه الأدواء استطاع محاربو الموت أن يجدوا منه إلى الخلاص منقذا . وهذا المنفذ الذي وجدوه إلي الخلاص فتح في الطب سين ومن واجد هذا الخلاص ، ومن صاحب هذا الفتح ؟ إنه " مينوت " أصلا وفرعا !
انتهى
