داء السكر ، وقصة دوائه الوحى ينزل فى السحر
وصل الثالث : طبيب جراح ناشئ فى كندا يدعى ( بنتنج ) ، يعيش من عيادة صغيرة ومن تدريسه فى الجامعة . يحضر دروسه لتلاميذه فيأتى فى دراسة غدة البنكرياس ، وهى غدة تمتد فى الجسم من يسار الإنسان إلى يمينه وراء المعدة وتصب قناتها مع القناة الصفراوية فى الأمعاء ( فى الاثنى عشرى ) . وفى هذا البنكرياس نوعان من الخلايات خلايا كبيرة تفرز عصارتها فى قنوات تصب فى القناة الكبرى للمعدة ، وتخرج منها لتصب فى الأمعاء فينهضم الطعام بها فى الأمعاء . والنوع الثانى خلايا صغيرة توجد فى مجموعات متفردة ، كالجزائر ، لهذا سميت بالخلايا الجزائرية ، أو خلايا لنجرهانس باسم مكتشفها . أما وظيفة هذه الخلايا فغير واضحة لاسيما وأنها لا قناة لها تصب فيها . ويقرأ بنتنج فيعلم أن بحاثا نزع بنكرياس كلب فعاش بعد نزعه أياما ، ولكنه أصيب بداء السكر بسبب ذلك . ويقرأ فيعلم أن بحاثا آخر فحص بنكرياسات موتى بداء السكر فوجد تلك الخلايا الجزائرية مريضة ضامرة . إذا فهذه الخلايا الجزائرية صلتها بالداء وثيقة . أتفرز هذه الخلايا إذا مادة غريبة مجهولة ، وهرمونا ، يساعد فى الصحة على حرق السكر فى الدم ، فيولد لنا الحركة والطاقة ، فلا يعود السكر يتراكم فى دمائنا وبولنا ؟ ربما والآن نقرأ :
هذا (( بنتنج )) قائم ساهر ، فى ليلة من ليالى أكتوبر عام ١٩٢٠ ، يقرأ عن عشرات من البحاث كيف قضوا السنوات يبحثون عن تلك المادة العجيبة المجهولة فلا يجدونها . وهذا هو قد فرغ من عمل يوم آخر ونفض منه اليدين أو كاد . وهذا درسه حاضر ينتظر الصباح الطالع ليلقى على تلاميذه . وهذا داء السكر منتشر فى أوربا وأمريكا أى انتشار ، عابث بالناس أى عبث -
ملايين به مرضى ، وألوف منه تموت ، فمن أطفال يصيبهم الداء بغتة ، فيقف نموهم ، وبذهب بلحمهم ، ثم يأتيهم الموت أقزاما ضارين ناحتين . ومن رجال ونساء ، فى أول شبابهم ، وجديد إهابهم ، يجيئهم الداء فتراهم عطاشا ، بشربون الماء ولا يرتوون ، وجوعى ، يأكلون فلا يشبعون ، يهبطون إلى خاتمتهم المحتومة ، بخطى أبطأ وفى فسحة أوسع - قد افسح لهم فى زمانهم ليشهدوا أجسامهم تذوب فتتحل سكرا فى ماء ، ثم يموتون .
ألا ما أمل هؤلاء من صاحبنا ؟ لا شئ . وكيف يؤملون منه شيئا ، وهو نفسه ثم يخطر له فى بال أن أملا كبيرا سيتحقق على يديه . وسيهدأ تحققه فى غضون ساعة ... ...
نعم . فقد وقر فى نفسه فى ختام تلك الليلة أن تلك الخلايا الجزائرية هى هى التى تفسد بطريقة خفية فتطيح بأرواح تلك الألوف من الضحايا . وأخذ بيدى فى هذه الفكرة ويعيد لتزيد نفسه بها اقتناعا ، ولتزداد فى ذهنه وضوحا ، حتى إذا ألقاها على طلبته فى الصباح الطالع تراءت لهم مقنعة واضحة مشرقة ... ... ولكن هب هذا صحيحا ، هب أن فساد تلك الخلايا هو سبب تلك البلايا ، فكيف يكون إصلاحها ؟ كان فى مقدور الطب أن يطيل فى أعمار المرزوثين من الأطفال الأيام والليالى . وكان فى مقدوره أن يطيل أعمار الشبان الناشئين ، والشابات الناهدات ، الأشهر قليلة أو كثيرة . أفتعرف بأية طريقة ؟ بطريقة الدكتورين جوليا وآلن Goelpa. allen . أفتعرف أى طريقة هذه ؟ هى طريقة النزول بالتغذية إلى ما دون الكفاية . هى طريقة لقبوها بهذا الاسم المبهم المؤدب ، ولو أنهم أعطوها اسمها الصريح لكان - التجويع الذى غايته المقابر .
شاب الليل وفات موعد الرقاد . وكاد (( بنتنج )) أن
يهم للنوم . فإذا بنظره يقع على نسخة من مجلة طبية وصلته فى ذلك اليوم . واسمها (( فن الجراحة والتوليد وعلم أمراض النساء )) Surgery,Gynnecology and Obstetrics .
فيمد يده متراخية إليها . ويفتحها ويتصفحها وفكره حاضر شارد . وبغتة يحضر ما شرد من فكره ، ويسترد ما أخذ التثاؤب من نشاطه ، فقد وقع بصره على مقال جديد عن داء السكر والبنكرياس . مصادفة غريبة أن يقع بصره على هذا المقال فى تلك الليلة . ولكنها الأقدار . ولمن هذا المقال ؟ إنه لرجل يدعى موسى بارون Moses Baron . ومن بارون هذا ؟ ولكن دعنا من هذا ، وصبرا ... ...
ويكب (( بنتنج )) على تلك الصفحات مستقرة ، فيتوه فيها عن نفسه . وينسى محاضرته ، وينسى تلاميذه ، وينسى عيادته التى أخذت تنتعش انتعاشا بطيئا ، ينسى كل ذلك ، فكأنه غير كائن ، كأنه لم يكن . فلا وجود إلا لهذه الصفحات ، أنظر ، أنظر ! هذا شىء خطير يقوله بارون : يصاب الناس بحصوة فى قناتهم الصفراوية ، فتنسد من جراء ذلك قناة بنكرياسهم ، فتحبس بذلك إفرازات البنكرياس الهاضمة فلا تنصب إلى أمعائهم ، وإذا ماتوا ، ونزعت بنكرياسهم وشرحته ، وجدت خلاياه ذات العصارات الهاضمة قد انضمرت وتخاذلت وساءت مظهرا ، أما تلك الخلايا الأخرى ، تلك الخلايا الجزائرية ، خلايا لنجرهنس Langerhans ، فتجدها سليمة كل السلامة .
ويوغل (( بنتنج )) فى هذا المقال إيغالا . ألا ما أغرب هذا وما أعجب ! فهؤلاء المرضى ، أو هؤلاء الموتى ، لم يمسهم داء السكر أبدا . ثم ماذا يقول بارون ؟ !
إنه يقول إن الحال هكذا فى الكلاب : أربط على قناتها البنكرياسية بخيط لتسدها ، ثم دع الكلاب تعش . ثم عاودها ، وافتح بطونها مرة أخرى ، وانظر ما حدث لبنكرياسها ، تجد خلاياه الهاضمة قد انضمرت ، أما الخلايا
الجزائرية ففى سلامة أى سلامة . والكلاب ليس بها من داء السكر أثر أبدا .
من تلك الساعة ودع (( بنتنج )) حياة الطبيب الذى يجاهد للعيش فلا يجده ، وحياة معيد الجامعة الذى ينال عن نصف وقته نصف أجره ، هو أجر المدرس ، أى أجر حقير مهين . وذهب إلى فراشه لينام فى الساعة الثانية بعد انتصاف الليل . ولكن فكره بأبى النوم ، فهو كالنحلة حوام طنان دنان . ويظل راقدا ... ويظل فكره جاهدا نعم جاهدا حتى يصبيه الألم ويعييه الجهاد فى محاولة ما أسماه بعد ذلك : (( عبر ما بين فكرتين ، كالجبلين يفصلهما واد سحيق )) . ويظل يتقلب . ويظل فكره يتلفف الرأى بعد الرأى ، ويتمدد ويتمطط ، كما يفعل إذا هو أراد أن يمسك بشىء يتأرجح على هامش الذكر ، أو أن يسترجع لحنا موسيقيا قديما لا يكاد يبين فى الوعى حتى يختفى .
وأقضه جواب هذا السؤال : أليس من سبيل إلى استخدام تلك الخلايا الجزائرية الصحيحة فى بنكرياس كلب ربطت فسدت قناته البنكرياسية حتى انضمرت خلايا هذا البنكرياس الهضمية ؛ أليس من سبيل إلى استخدام تلك الخلايا الصحيحة السليمة لإطالة حياة كلب نزع بنكرياسه نزعا فأشرف على الموت .
وفى الساعة الثانية من تلك الليلة جاءه الوحى ، فألهم جواب سؤاله ، فقام عن سريره ، وأنار الحجرة فجهرت عينه الناعسة بنورها ، ثم اخذ يخطط هذه الكلمات فى كناشته : (( أربط قناة الكلب البنكرياسية ربطا محكما . واصبر ستة أسابيع أو ثمانية حتى تتقلص الخلايا الهاضمة . ثم انزع البنكرياس . ثم استخلص ما بقى فيه )) .
ثم نام : وأصبح الصباح فأدرك فى نوره أن المقادير لم تشأ له أن يكون جراحا ، بل باحثا عالما .
بعد ذلك نرى (( بنتنج )) فى مكتب الأستاذ الشهير ، الأستاذ مكلود Macleod ، بقسم الفسلجة ، أى علم وظائف الأعضاء ، بمدرسة الطب بجامعة طورنطو . ويتقدم إلى الأستاذ ، ويحاول اللفظ الجميل الذى يؤثر به فى الأستاذ فيعوزه اللفظ الجميل ، ولا يجد فى وعيه غير تلك الجمل الثلاث الذى خطها فى كناشته . نعم كانت جملا ثلاثا قصيرة ، ولكنها حوت فكرة من إلهام ، وخطة العمل ، نعم للعمل ، فالكلمات البارعة لم يكن له فيها نصيب .
لقد كان هذا اللقاء مثلا من أمثلة التناقض غريبا . هذا (( بنتنج )) جراح فلاح من بطن الريف بسيط . وهذا (( مكلود )) أكبر عالم فى أمريكا الشمالية يستطيع أن يحدثك عن ثقة كيف تحرق أجسامنا سكرها فتخرج منه لنا الطاقة والحركة . تناقض تكاد تحس فيه شيئا من سخافة . وما الذى أعده (( بنتنج )) لهذا الأستاذ العظيم من حجة ؟ إنه جاءه وكل زاده فكرة ، كالرجل المخترع يأتيك ليكسب عطفك وعونك على اختراعه وليس فى يده حتى النموذج الذى يشرح لك عليه اختراعه .
كان (( مكلود )) رجلا نابها حقا ، وكان إلى جانب هذا رجلا كثير العمل قليل الفراغ ، حريصا على وقته ؟ فماذا يريد أن يقول له الدكتور ((( بنتنج )) ؟ إلى أى شىء بالذات يرمى ؟ وما خطته بالتمام ؟
ويبحث (( بنتنج )) فى ذهنه عن مصطلحات علمية .. إنك إذا ربطت القناة البنكرياسية لكلب فسددتها سدا ، انضمرت فى البنكرياس خلايا ذات الإفراز الهاضم ... أما الخلايا الجزائرية فتظل سليمة صحيحة ، وعندئذ ..
ولكن الأستاذ الكبير أراد أن يعرف من الزائر الصغير : أحقا قد ثبت فى العلم ثبوتا لا مرية فيه أن تلك الخلايا تنضمر بسد تلك القناة . وأراد أن يعرف : ألا يحتاج (( بنتنج )) ، والعلم ليس صناعته ، إلى سنوات يتعلم فيها علم البنكرياس ، تشريحه ووظائفه . وأراد أن يعرف :
كم علمه عن كيمياء السكر فى دم الإنسان ، وكم علمه عن مظاهر الداء الأكلينيكية .
ويعود إلى (( بنتنج )) عناده القديم يوم أرادوا بتر ساعده فقال ((لا)) بملء فيه :
... ما هذا ! ألا يفهم الأستاذ ما أقول . إنه قول واضح . إنك تنزع البنكرياس بعد سد قناته فلا تجد فيه من عصارته الهاضمة شيئا . فقد ذهبت العصارة بذهاب خلاياها . أما الخلايا الجزائرية فتجدها حيث هى ، وكما كانت سليمة لم يمسها السوء . ومن أين يجيئها السوء وتلك العصارة الهاضمة قد ذهبت من البنكرياس كله . وإذن تستخرج من تلك الخلايا الحزائرية ذلك السر ، ذلك الهرمون ، تلك المادة التى تفرزها تلك الخلايا إفرازا داخليا ينصب فى الدم مباشرة بغير قناة ، تلك المادة التى يستعين بها الجسم على حرق سكره . هذا كلام بين واضح كيف لا يفهمه الأستاذ .
ولكن الأستاذ بصر على أن يعرف كيف عرف (( بنتنج )) أن البنكرياس يفرز إفرازا داخليا ؟ كيف عرف أن البنكرياس ليس لديه وسيلة أخرى غير هذه لدفع هذا الداء عن الأجسام ؟ ألا يجوز أن تكون وسيلته تغيير الدم إذ يمر فيه ، كأن يمتص منه مادة سامة هى التى تعيق الدم فلا ينتفع بسكره ؟ وإذن لا تكون حاجة إلى فرض وجود تلك المادة المجهولة ، هذا السر ، هذا الهرمون ...!
وكان (( مكلود )) قد سجل على نفسه هذا التفسير لداء السكر قبل هذا بفترة وجيزة . سجله فى مقال علمى منشور فقام هذا التفسير يصغر من نظرية صاحبنا هذه المأمولة الملهة حتى جعلها سخافة مأفون .
وكان (( مكلود )) كما قدمنا رجلا مشغولا يعتز بوقته أن يضيع سدى ، ولكنه صبر على (( بنتنج )) وعلى بلبلته وفأفأنه ، وميله عليه بصدره توكيدت لفكرته . وصبر عليه لأنه أبى أن ينخذل .
[ البقية فى أسفل الصفحة التالية ]
ثم يعود الأستاذ فيسأله كيف عرف أن إفراز البنكرياس الهاضم ذو أثر سئ على الخلايا الجزائرية ؟ فإذا لم يكن له أثر سئ ، فإذن ما سد القناة وما نفعه ؛
قال (( بنتنج )) إنه هكذا يحس . وأعاد المرة بعد المرة أنه ليس لديه فى هذا حجة غير إحساسه وكفى به هاديا .
إن (( مكلود )) ليحمد على صبره الطويل على هذا البادئ فى العلم ، يحاول فيه مكابرة كأنه به خبير عليم . ولكنه أخيرا يلقى عليه سؤالا ليس له من جواب : كيف جاز لبنتنج أن يؤمل إنجاح أمر خاب من دونه علماء وظائف
الأعضاء الخبراء فى هذه المعمورة كلها ؟ ولكنه يحس أن ...
(( على كل حال ماذا تريد منى أن أفعله ))
أجاب بنتنج : (( كل ما أريده عشرة كلاب ، ورجل يساعدنى ثمانية أسابيع )) .
ولن ينسى التاريخ لمكلود ، ولن يفتأ يشكر له شكرا جميلا ، أنه أعطى (( بنتنج )) ما أراد ، وأعطاه منه القدر الذى أراد ، بلا زيادة أو نقصان .
( يتبع )
