الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 234الرجوع إلى "الثقافة"

كفاح الموت

Share

داء السكر ، وقصة دوائه المعجزة تتحقق

وصل الفائت : طيب جراح شاب بكندا يدعي بنتنتج وأستاذه بالجامعة يدعي ، مكلود فبعد إلحاح أذن الأستاذ للطبيب الشاب بعشرة كلاب ، وثمانية أسابيع ، ومساعد أيضا ، كل هذا ليمتحن صدق نظريته  ، أما نظريته فهي : البنكرياس ، وهو غدة في الجسم ، نوعان من الخلايا خلايا كبيرة تفرز عصارتها بشناة تصب أخيرا في الأمعاء . فيهضم الطعام بها وهي تسمى العصارة الهضمية ، وخلايا أخرى صغيرة ، تسمى بالجزائريه التربة ، أو خلايا لنجرهنس وهو مكتشفها . فهذه خلايا ظنها صاحبنا سبب البلاء في داء السكر ، وهي ليس لها قناة وإنما تصب إفرازها في الدم مباشرة . وظن أنه إذا ربط قناة البنكرياس ، حبس عصارته الهضمية فأفسد الخلايا الكبرى التي تفرز هذه العصارة ؟ وإذا تنتصر فتموت ، أما الخلايا الصفري فتظن سليمة ، وفي هذه الخلايا السر الحق ، فيها الإفراز المجهول العجيب الذي يبقي الأصحاء من داء السكر . إذا فهو سيستخرج هذا السر من هذه الخلايا ليمتحن اثره في الكلاب المريضة بالسكر والآن اقرا :

وأراد " بنستنج " أن يغلق عبادته ، وأن يترك التدريس في الجامعة ، وأن يحرق سفنه حتى لا يكون إلا البحر من ورائه فلا يستطيع ان يعود ولو سولت نفسه إليه العودة . أراد ان يتفرغ  لبحثه ، ولبحثه  وحده ، فلا يشغله عنه شاغل . هكذا قال للجراح الكبير " استار ! starr ولكن " استار " ، وصديقية " جالي Gallie وروبرتسن ؟ Robertson، والأستاذ الكريم " هندرسن " كل أولئك ظنوا به مسا من حبل لتضيمه مستقبلا في الجراحة كان قد بدأ يزدهر أو هو كاد

وتصحوه بالعودة إلي عبادته ، إلي مدينة لندن بأنتاريو ، وبأن بقضي بها بقية العام ، فعندئذ تبوخ فكرته في داء السكر والبنكرياس ، وعندئذ تنطفئ جذوته ونهبط حماسته . قال " بنتنج " : " فمن أجل ذلك رجعت إلي لندن " .

ولكن فكرته لم تبخ . ولكن جذوته لم تنطفئ . بل على النقيض من ذلك زادت كلتاهما احترارا وزادنا احتداما طول الشتاء الذي امضاه هناك . وامتلأ بالفكر رأسه ، وضاق بالأمل صدره . ولم يكن لديه في تلك البلدة من وسائل التجربة حيوان واحد . ولم تكن لديه حتى أنبوبة اختبار واحدة . ولم يكن لديه معمل كائنا ما كان . فانصرف إلي القراءة ثم القراءة ثم القراءة ، يقرأ عن داء السكر وعن البنكرياس ، وعن خيبة الاكابر من البحاث فيما حاولوه من تغذية مرضاهم بمادة هذه الغدة ، أو حقنهم بها ، وقد أشرفوا على الموت إشرافا . لم ينفع أولئك المرضى أكل البنكرياس ، ولا حقنة البنكرياس ، فكان مجهود هؤلاء السادة عبئا . ومجهود صاحبنا كان لا يزال يبذله في التفكير في هذا الأمر ، وفيه وحده . أما عبادته فلم يكن به من رغبة في إحيائها . وتعبت عيناه من القراءة فقام بطلب الرسم والتصوير بالزيت ليروح عن نفسه بين القراءة والقراءة . ولم يكن يعرف عن هذا الرسم شيئا ولم يكن إلي جانبه أحد يرشده . فأخذ يصور بالزيت ريشة لم تصنع إلا للتصوير بالماء   أعذروه ، فهو لم يكن يعرف فرق ما بينهما . ولم يكن من يهديه . ومع هذا ظل يرسم .

وتطلع شمس اليوم السادس عشر من مايو عامة١٩٢١ فتجد " بنتنج قائما يطلب ما يطلب العلماء من علم . تجده  قائما  في حجرة صغيرة حقيرة قذرة مكنونة في المبني الطبي بطورنطو وقد نصب نفسه للبحث العلمي ، دون لقب ودون اجر . وكان باع ما احتوته عبادته من اثاث ، وما احتوته من أجهزة وادوات ، فضمن من هذا البيع رزقه

إلي أن يقضي الله أمرا كان مفعولا كان منظرا مغربا مضحكا حقا . هذا " بنتنج " قائم إلي منضدة معمل يحاول إجراء التجارب وهو لم يتمس بدء قط في تجربة ، ومع هذا كان يؤمن إيمان العجائز  ان تحت ذاك السقف ستتحل حتما عقدة من عقد الطب الكبرى ، عقدة داء السكر . ولم يكن معمله غير ما شغلته تلك المنضدة من كل مكان ، فسائر المعمل - سائر هذه الحجرة الصغيرة الحقيرة - كان يشغله كيميائيون يعملون عمل اليوم الراتب . وكان لديه كل ما وعده " مكلود " : عشرة كلاب وثمانية أسابيع يحل فيها تلك العقدة الطبية الكبرى ، ومساعد واحد يعينه على حلها . ولم يكن هذا المساعد طبيبا ، ولكن طالب طب ، شابا في الحادية والعشرين من عمره .

وكان اسم هذا المساعد شارلس بستM. Charles  Best ، روعي في اختياره أنه يحذ في تقدير السكر ، بالطرق الكيميائية ، في بول ما قد يصاب من كلابه بداء السكر ، أو في دمائها . وكان " بست " يعرف عن كيمياء الدم وكيمياء البول ) كثر مما عرف " بنتنج " وما عرف " ينتنج " غير الزر القليل . كان " بست " ذا شعر اشقر ، وكانت له عينان واسعتان زرقاوان في وجه متورد اللون بسام ، لا كوجه صاحبنا " بنتح " مقطب عبوس . ولعل مما أهل " بست " لما اعتزما من امر جلل ، انه كان كينتنج قليل الإدراك لسخف ما اعتزماء ، وخيبة ما ارتجياء بتلك العشرة الكلاب وتلك الثمانية الأسابيع .

وبدا مسعاهما بأن خابا . نزلا في الميدان . فكان أول ما صنعاء ان ربطا قناه البنكرياس في بضعة كلاب أخذاها من العشرة حينما اتفق . وكان " بنتنج " قد حذق الجراحه بعد سنوات أربع قضاها في التلمذة للجراح الأكبر ،

استار Starr ، فشق الكلب بعد الكلب ، وأجري اصابعه في بطنه إجراء خبير ، ثم خاط البطون . ونجحت العمليات نجاحا كان في ظاهره بإهرا . وشفيت الكلاب وعادت إلي الحياة . وجاء اليوم السادس من يوليو، وقد مضي سبعة من الأسابيع الثمانية . فلا بد أن تكون بنكرباسات هذه الكلاب قد انضمرت يربط قنواتها . لابد ان تكون خلاياها ذات الإفراز الهاضم قد تقلصت ، قد مات ، ولا بد أن تكون خلاياها الجزائرية ، خلايا لنجر هنس ، تلك الخلايا التي زعم " بنتنتج " انها تفرز في الدم هرمونا بعين الجسم على حرق سكره ، لابد أن تكون هذه الخلايا ظلت سليمة صحيحة لم يمسها سوء .

وإذن لم يبق إلا أن يستخرج تلك الخلايا الصحيحة السليمة فيحقنها في كلاب مريضة بالسكر ، امرضا هو اصطناعا بنزع بنكرياسها . وكانت تلك الكلاب الآخري حاضرة متهيئة للحقن .

ولكن  وا اسفاء ! شق " بنتنج " بطن كلبين من تلك التى ربط قنواتها ، وانتظر انضمار بنكرياسها ، فوجد البنكرياس في كلايهما على حجمه الأول ، لم يصبه أي انتقاص . خيبة مؤلمة ! ولم يبق من الأسابيع الثمانية غير اسبوع

كان بنتنج " رجلا من أولئك الرجال الذين لا تزيدهم الآزمات إلا إقداما . فما وجد ما وجد حتى أخذ المشرط يقع  بين أصابعه الحاذقة وهو يحول به ذهابا وجيئة في بطن أحد الكلبين ، ومن فوق مشرطه عينه تشرف قريبة على مواضع القطع ، وهو يقطع ثم يقطع ثم يقطع حول تلك القناة البنكرياسية التي ظن أنه ربطها فأحكم ربطها .

ألا ما أغفله وما أعماه ؛ لقد كشف عن تلك القناة فوجد أنه ربطها فوق ما كان يجب ! وإذن تغنغرت . ثم تحلب المصل منها ثم أخذت الطبيعة تصنع قناة جديدة

إلي جانب الآخري القديمة . . ولم يبق من الوقت غير أسبوع .

وأخذ الرجلان يصعدان ثم يعاودان الصعود من معملهما الصغير على سلم طويل لفاف إلي غرفة صغيرة اخري أجريا فيها العمليات للكلاب ، ولم يكن لهذه الغرفة من نافذة ، ولم يكن لها منفذ للضياء غير منور في السقف قذر مهيب ، زاد ما نفذ من حر إلي الغرفة على ما نفذ من ضيائه . ففي هذه الغرفة ، وفي اثيرها العابق ، وعلى العرق الجاري فوق وجهيهما ، فتحا بعد هذين الكلبين يعلون ما بقي من الكلاب . وبرق له بارق من امل . نعم إن أكثر هذه الكلاب لم يصغر بنكرياسه. ولكن بعضها صغر بنكرياسه حتى عز على الجراح إيجاده . إذن فهو انضمر حقا ، ولكن لا بد لهم من التأكد هذه المرة وإذن فقد أعادا ربط القنوات من جديد ، وربطاها في ثلاثة مواضع ، على درجات من الشد ثلاث متفاوتة ، فكل رباط أرخي من أخيه . ثم خاطا الكلاب . وعادا ينتظران من جديد . والحر قائم غير راحم .

وأخيرا حانت الفرصة الكبرى لاختيار فكرته . الساعة العاشرة من صبيحة السابع والعشرين من مايو . وبالطبع كانت الثمانية الأسابيع التي طلبها " بنتنج " قد مضت وتولت من زمن بعيد . وتوقف بالطبع الاجر الذي كان يؤجر " بست ( عن ايامه ، فلم يكن له طريق للعيش إلا ان يقترض من " بنتنج " ودفع بنتنج عن رضا ، فلم يكن في وسع شيء أو مقدور ضائقة ان تحول بينه الآن وبين مرماء . وكان الأستاذ " مكلود " قد سافر إلي أوروبا منذ أسابيع ، سافر بعد أن بدأ هذه التجارب بقليل . ومما يشكر لكلود أنه لم يكتب فيأمر " بنتنج " ان يتوقف وقد فرغت أسابيعه الثمانية ، بل تركه يجاهد وحده . وعلم الله وحده  كيف جاهد

ففي صبيحة هذا اليوم كان كلب مسكين ، قليل اللحم بين العظم ، راقدا علي منضدة العمل ، وقد أشرف على الهلاك وهو كلب كان " بينتج " قد نزع بنكرياسه منذ تسعة أيام ، فأخذ الكلب مهبط إلي منهاء سريعا . وفي تلك الأيام التسعة كان "بنتنج" يقوم بإستخراج شئ من دم هذا الكلب ، وإلى جانبه " بست " يقدر بجهازه الكيميائي كم من السكر في هذا الدم ، ثم يعاود الاستخراج ويعاود التقدير ، ومقدار السكر في الدم يرتفع يوما بعد يوم ، حتى صار الكلب غير قادر ان يتنصب قائما  . ولم يعد بقدر على البصبصة بذنبه عندما جاءه هذا اليوم ، وكان به عطش شديد ، وكان جوع كافر . كان تماما كالرجل اصيب بداء السكر إصابة بالغة . كان لا بنكرياس له ، فلم يكن في جسمه ما يحرق سكر طعامه . وأعطياء في اليوم السابق سكر عنب في ماء ، ولكن شيئا من هذا السكر لم يستقر في أنسجته وهي أحوج ما تكون إلي ما بينها ، بل جري كله في بوله أنهارا .

ففي صبيحة هذا اليوم كان هذا الكلب يوشك ان يموت ، ولعت عينه فكانت كالزجاج . واراد رفع رأسه وهو راقد على المنضدة ، فما كاد ان يرفعها . وكان إلي جانبه كلب آخر فيه الحياة ، وفيه الحركة والنشاط . فهذا الكلب الثاني أحد الكلاب الذي كان ربط " بنتنج " قناة بنكرياسها ، واشتقت منذ أسابيع . والآن .

نعم والآن يقوم " بنتنج " إلي هذا الكلب الصحيح السليم ، فينتجه . وتعبق ريحه البنج في المكان فتموع النفس لها . ثم هو يفتح بطن هذا الكلب الصحيح السليم ثم يضع يده في بطنه ، يبحث عن بنكرياسه ، فيجده . فيظهره ، ثم يدور بالشرط خفيفا لطيفا حوله ، أو حول ما بقي منه ، فيخلصه من الجسم تخليصا

أي والله  لقد اضمر هذا البنكرباس حقا ، وتقلص لقد صغر حتى صار كالإبهام او اقل حجما . وعندئذ لا تسمع

لا أنفاس الكلب الأول ، الكلب المريض الذي أوشك أن يقتله داء السكر ، وإلا صوت " بنتنج " وصوت " بست " ينطقان الكلم القصير في إبهام واقتضاب ، وإلا مس الفولاذ للفولاذ . وأخيرا تجد تلك القطعة الصغيرة المتقلصة المنضمرة ، تلك القطعة التى كانت تدعي من قبل بنكرياسا ، نجدها في هاون ، قد بردت واثلجت حتى صارت جليدا .

وبقوم " بست " بقطعها وبهشمها ، ويصب عليها قليلا من ماء  بملح ، ويصبه باردا ، ثم يدهكها فيه ويسحقها حتى تصير حساءا ، ثم هو يرشح هذا الحساء من ورقة للترشيح ، ثم يد في السائل الراشح حتى يكون في درجة حرارة الجسم ، ثم يأتي يمحقن فيمتص هذا السائل فيه .

وتلمح بريق الأدوات من معدنية وزجاجية في ايدي الرجلين ، ثم ثري " بنتنج " وقد اكب على رقبة الكلب المريض الذي قتله السكر او كاد ، وبيده المحقن به السائل الذي حوي ذلك السر المرجو ، ثم إذا انه يفرغ هذا السائل في وريد برقبة هذا الكلب ، وقد تعلق بين الموت والحياة .

وتمر ساعة وكلها دقيقة ، و " بست " قائم على جهازه الكيميائى يمتحن  دم هذا الكلب انا بعد أن . ثم هو يرفع عينه المتعبة من الجهاز ، ويقوم من ظهره وقد جمده طول الانحناء ، ثم هو ينادي : " بننتج بنتج إن سكر هذا الكلب قد هبط هبوطا كبيرا . إنه هبط إلى صفر ، شرطة ، واحد . . ومعنى هذا انه بلغ حد السكر في الكلاب الصحيحة ، أوكاد

وكان " بنتيح " في الغرفة العليا ، مع الكلب في حجرة التشريح . وما كان به حاجة إلى نداء " بسنت " وإلى خير ما جرى للسكر في دم هذا الكلب . فالكلب هذا أمامه يشهد له بالذي وقع . فهذا الكلب الذي عجز

من ساعة عن رفع رأسه ليبلغ به الماء ليسلل به حلقه الذي جف حتي مجلد ، هذا الكلب يرفع الآن رأسه ، وينظر إلي " بنتنج " وبتنج " يستقيم في جلسته ليحدني فيه ثم يحدق . ومضت ساعة ، فوقف الكاب علي أرجله - ساعة مضت كلمح البصر فلم يحس بمرورها صاحبنا ، فقد كان في ذهلة مما جري . كان في شبه غيبوبة ، كان في شبه انتشاء من سعادة غريبة . والكلب بنظر إليه وكان حقه أن يكون قد مات . ولكنه ينظر ، ويبصبص بذنبه ، ويمشي . نعم يمشي ولو في غير اثران كامل

وعلى السلم اللفاف تري " بست " صاعدا هابطا بين حجرة التشريع والمعمل ، يحمل بول هذا الكاب الذي جاء بالعجب ليقدر السكر فيه ، وقد جري عرقه صبيبا ، وهو لا يحس بهذا العرق ولا بتصببه فماذا وجد " بست " من تحليله ؟ وجد أن هذا الكلب الذي كان يشرب بالأمس غذاء من السكر في الماء ، فيجري في جسمه حيث يجري الغداء ، ثم يخرج منه إلى البول كما هو سكرا في ماء ، هذا الكلب بشرب الآن السكر فيحبسه جسمه لينتفع به فلا يعود يجري في بوله . حدث لا يكاد يصدق . تمضي  خمس ساعات على تعاطيه السكر فينعدم السكر في بول الكلب أو يكاد . نقص السكر خمسا وسبعين مرة عن مقداره بالأمس في مثل تلك الساعة من تعاطيه . كل هذا و " يتنتج " قائم في الغرفة العليا إلى جانب الكلب يتأملة والكلب في دوره ينظر إليه بعين منتعشة ، وهو ببصبص له بذنبه يريد أن يقول له : شكرا يا سيدي شكرا .

تحققت المعجزة أخيرا . ولكن مهلا . فقد انطوي اليوم وهل صباح عده ، فاذا بالكلب قد مات ! وكيف مات ؟ علم هذا موعده المقال الآتي .

) يتبع

اشترك في نشرتنا البريدية