داء السكر ، وقصة دوائه ذبابة في الحساء
وصل الثالث : طبيب جراح يدعي " بنتنج " في مدرسة الطب بجامعة طور لطو بكندا ، له نظرية في داء السكر يطلع أستاذه مكلود عليها . وبعد تعب يأذن له الأستاذ بتحقيق هذه النظرية عمليا ويعطيه مساعدا شابا اسمه " بنت " وعشرة كلاب وثمانية أسابيع . أما نظريته فهي : بالبطن غدة تسمى البنكرياس . فيها نوعان من الخلايا ، خلايا كبيرة تفرز إفرزا هاضما ينصب في فتاة للبنكرياس ، نصب بدورها في الأمعاء ، فإذا بلغ إفرازها الأمعاء هضم الطعام الذي بها . ثم خلايا اخري صغيرة ، واسمها الجزائرية ، نصب بإفرازا مجهولا في الدم مباشرة . فهذا الإفراز هو مدار البحث ، إذ يري " بنتنج " ان فيه مادة مجهولة هي التي تعين الجسم على حرق سكره ، فإذا فسدت تلك الخلايا امتلأ الدم والبول سكرا فمرض الحيوان فمات . وهو لتحقيق نظريته بقسم كلابه قسمين : فسما يربط فتاة بنكرياسه ليمنع خلاياه من الإفراز الهضمى ، وإذن تفسد هذه الخلايا ، وإذن يتضمر البنكرياس . أما خلاياه الجزائرية ذات الإفراز المجهول المطلوب فتسلم . وإذن يسحق هذا البنكرياس ويصنع منه حساء يحقنه في كلب مريض بداء السكر ليري هل يشفي من سكره . وإفساد تلك الخلايا الكبيرة ذات الإفراز الهاضم ضروري ، لأن بإفرازها بعد الإفراز المجهول المطلوب إذا اختلط به عند عمل الحساء أما القسم الثاني من الكلاب ، فهو الذي يمرضه بداء السكر اصطناعا ، وذلك بنزع بنكرياسها وخياطة بطنها ، فتحيا أياما ثم تشرف على الهلاك من كثرة السكر في دمها وبولها . وتأتي الساعة الرهبية ساعة الامتحان . فبطن حماه بنكرياس جاء به من كلب من كلاب القسم الأول ، في كلب جاء به من كلاب القسم الثاني وقد أشرف على الموت ؛ فيعش هذا الكلب ، ويقوم ، ويمشى من جديد ، ينبعث جنا جديدا ، خلقت المعجزة على التحقيق . ولكن يطلع الصباح فإذا الكلب قد مات ، وكيف ؛ والان اقرأ :
لعمر الحق كيف جاز لهما أن يؤملا أن معجزة
كهذه تدوم طويلا . إن الذي حقنوه في هذا الكلب الذي لا بنكرياس له ، وقد أوشك من داء السكر على الهلاك ، إنما هي قطعة صغيرة ضئيلة قليلة حقيرة ، هي ينكرياس ضامر لكلب آخر ، وضمروا بنكرياسه بربط قناته
ونظر " بنتنج " إلي " بست " وهو كاره أن يقول له ما يجول في خاطره . كاره ان يساله : ثم من الكلاب إذن لا بد من تضحيته لإحياء كلب واحد يصاب بداء السكر ، ثم كم تطول حياة هذا الكلب الواحد وكل يوم بحياء معناء خسران كلب صحيح ؟ لا . لا . إنه عبث . إنه غير جائز ، ولا هو بممكن
ولكن ما هذا التعجل ؟ أليس من الجائر أن انتعاش هذا الكلب الهالك بعد حقنه ، كان لسبب عارض غير هذه الحقنة ، كان محض مصادفة لا تعرف لها أسباب ؟ ونظر " بنتنج " إلي " بست " وعينه تسائله . وكان جواب هذا التسأل صعودهما جميعا من جديد على هذا السلم اللفاف إلي غرفة التشريح مرة أخري ، ثم العمل من حيث بدأ أولا ، لا ، لا ، لا مصادفة ، ولا شبه مصادفة ، بل هي النتيجة ترتبط بأسبابها ارتباطا وثيقا . فهذا الرابع من أغسطس . وهذا كلب جديد ، بلغ به داء السكر حدود ما بين الحياة والموت ، واجتاز الحدود إلا بقية منه ، فردا إليه الحياة وقد ضاع الأمل فيها أو كاد . ردا إليه الحياة كما ردها المسيح ابن مريم .
ولكن نعم ولكن . ففي كل حساء ذبابة . وهذا الحساء فيه ذبابتان : أولاهما أن الحياة التي ردت حياة قصيرة لا يلبث أن يعقبها الموت ؛ حياة يبتسم فيها الأمل قليلا ، ثم يعيش طويلا ؛ حياة لاتدوم إلا ساعات . أما الذبابة الثانية فهي أنك إذا طلبت للكلب النافق حياة أطول ، وجب عليك ان تظل تحقن في دمه أحسية من ينكرياسات ضمرتها في كلاب أخري . وهذا
في العقل غير جائز ، ولا هو بممكن . وإذن فما إضاعة الوقت في عمل خائب لا يجوز ولا يمكن .
حفظا الحياة لكلب مريض هالك ، أمرضاه بالسكر . حفظاها له ثلاثة أيام . فهل تدري كم كلفهما هذا ؟ كلفهما كلبين سليمين ينعمان بالصحة وبتذوقان مرح الفتوة لذيذا سائغا . تطلبت هذه الثلاثة الأيام بنكرياسي هذين الكلبين كليهما . فهل هذا في العقول مقبول ؟
كانت ثلاثة أيام ثقيلة لم تغمض فيها لبنتنج عين . كان قد جرب في هذا الكلب الهالك كل ما خطر على باله . فانا حساء من كبد ، وأنا حساء من طحال . وحقن تلك الأحسية في الكلب فلم تنفعه شيئا . فعاد إلي حساء البنكرياس . ومضي اليوم الأول ، وجاء اليوم الثاني والحساء العزيز - إسير الحياة - آخذ في النقصان . وأمل الرجلين يتأرجح بين الزيادة والنقصان ، وهما صاعدان هابطان بين منضدة العمل السوداء وغرفة التشريح الكريهة بأعلي الدار ، وانتصف ليل اليوم الثالث فأخذ الكلب يحتضر . وعندئذ حقناه الحقنة بعد الحقنة ، عند انتصاب الليل ، ففي الساعة الواحدة ، ففي الساعة الثانية ، ففي الثالثة ، وكلها في وريد رقبته . فأخذ الكلب تعود إليه الحياة ، وأخذ يزداد قوه فقوة . وفي الساعة الرابعة ، والطيور تستيقظ في أوكارها ، أعطوء حقنة أخيرة هي آخر ما بقي من الحساء . وفي الساعة السابعة نظر الرجلان بأعين حمراء من السهر في جهاز " بست " الكيميائي لتقدير السكر ، فلم يجدا أثرا للسكر في بول هذا الكلب .
ويضحي النهار ، وترتفع الشمس ، حتى إذا توسطت السماء ، مات الكلب
فرغت الكلاب العشر التي ظن لا ينتنج " أنها كافية لإثبات نظريته . فرغت من زمن بعيد . وكان استاذه ، الأستاذ " مكاود " ، إذ ذاك في أوربا . وليس لديه علم مطلقا بما صنع " بنتنج " او ما هو صانع ، ولم يخطر في
باله أن في تلك الساعة ، في قسمه هو خاصة من الجامعة ، كانت تجري احداث من امتع ما عرف العلم ، ومن أخطر ما سجل التاريخ ، يجريها رجلان ، احدهما فلاح سابق وجراح سابق ، والأخر طالب طب في السنة الرابعة من دراسته فرغت تلك الكلاب العشر الأولى التي أذن بها لهما الأستاذ " مكاود " فهل يسألانه كلابا أخري ؟ لا . لا فقد عرفا سبيلهما إلي مصادر يفتلها البحاث ذو العزم الشديد . قال بنتنج : " لسنا في حاجة ، فلدينا الان من الكلاب كفاية " .
ويأتي اليوم التاسع عشر من اغسطس ، فتجد بنتنج في الساعة الثالثة ، قبيل فجر ذلك اليوم ، قاعدا وحده في غرفة التشريح العليا . قال " بننتج " : " كنت جالسا أرصد الأعراض الأخيرة للكلبة التي رقمها ٩٢ " . والكلبة التي رقمها ٩٢ ، كانت كلبتهما هما ، وكانت عزيزة عليهما . وكانت تجري من المعمل حيث تشاء ، واليوم هي رافدة تستحضر فقد كانا نزعا بنكرياسها ، ثم حفظا حياتها ثمانية أيام صحت فيها ، وسكر دمها قليل كما في الأصحاء ، ولا يكاد يوجد سكر في بولها . وهي في أثناء ذلك تلهو وتلعب غافلة عما خبأت لها الآيام . واليوم هي راقدة تحتضر .
قال بنتنج " لشد ما احببت هذه الكلبة " . ولإبقائها حية هذه الثمانية الأيام ، حقنوا فيها بنكرياسات ما لا يقل عن خمسة كلاب . خمسة كلاب تموت لتحيى كلبة واحدة . عمل سخيف فضلا عن فظاعته ولكن هذه الكلبة أفادتهم فوائد كبري ، وكانت صديقة مهاودة ، كانت تنط إلي المنضدة ، وترقد فوقها على جانبها في هدوء طوعا ، ليستخرج " بنتنح " منها بعض دمها ليأخذه " بست " فيقدر سكره ، خاطرت هذه الكلبة بحياتها لتعلم " بنتننج " انه لا فائدة من حقن البنكرياس إذا لم يسبق ذلك تضميره ، إذا لم يسبق ذلك ربط قناته لتتقلص خلايا التي تفرز عصارته الهاضمة . وعلمته شيئا آخر ، أن حساء البنكرياس أفعل إذا هو استخلص في
ماء حامضي لا قلوي . وكان يترك هذه الكلبة حتى تكاد تتردي في قبرها ، ثم يردها عنه بحقنته . وكرر هذا مرارا . وعندئذ وتبق وقوفا لا شبهة فيه أنه أخيرا وقع على كبيره الذي طلب . وقع على هذا الإكسير في تلك الخلايا الجزائرية الصغيرة بالبنكرياس ، والحزيرة الصغيرة بالأفرنجية لفظها بإزلت litle فسمى هذا الإكسير إزليتين . سماه وهو لم يره ، وهو لم يحسه ، ولكنه أحس اثره ، فوثق بوجوده وآمن به حتى كأنه رآه . وهكذا يعرف ويمجد الله .
وكان واجبا أن يبني هذا الاسم الذي اختاره " بنتنج " ولكن هذا الاسم بالطبع تغير ، والناس تعرف ذلك
عادت الكلبة رقم ٩٢ ، إلى احتضارها . عادت بعد أن فرغ بحساء البنكرياس كله ، فلم تبق منه قطرة . عادت تحتضر وقد عرف " بنتنج ما داء السكر ، وعرف ما دواؤه . واخذ ينظر إلي كلبته وهي تموت ، فهمه ما رأي . وأخذ يداور الأمر في رأسه . إن الإزليتين قد ثبت وجوده ، فلم يعد خيالا ، فما الداعي لمواصلة هذه التجارب وهي أليمة قاسية . إن الإزليتين يجعل السكر يحترق في دم هذه الحيوانات إذا أصابها داء السكر ، فهو يشفيها من هذا الداء ، ولكنه كالجوهر عزيز نادر . وفي الدنيا ملايين من الناس تفتقده وتحتاجه ، وبها مئات الألوف يموتون من عوزه .
قال بنتنج : " وعندئذ خطر لي أن " . ويصبح الصباح فتراه يسرع إلي كلب سليم لم يمسسه مشرط قط ، فينسجه ، ويجري المشرط فيه سريعا . وهذا " بست " يعالج أمعاء هذا الكلب ليستخلص منها مادة اسمها سسكريتين secretin تصنعها الأمعاء في أغشيها فيمتصها الدم فتدور فيه ، حتى إذا أتت البنكرباس حملت خلاياه ذات الإفراز الهاضم على صب إفرازها . وهذا الإفراز هو الذي يتلف الخلايا
الجزائرية فيفسد إكسيرها . فلا بد للمرء أن يتخلص من هذا الإفرار لينقى إكسير تلك الخلايا صالحا ، وظل بنتنج " في ذلك الصباح قائما علي رجليه أربع ساعات يحقن في هذا الكلب ما استخلص من أمعائه ، والكلب يتنفس تحت البنج تنفسا هادئا منتظها . حتى إذا أعلن " بست " خلو القناة البنكرياسية من عصارة البنكرياس الهاضمة ، فلم بعد يجري فيها من تلك العصارة قطرة ، نزع " بنتنج " من هذا الكلب بنكرياسه ، ثم يرده حتى أثلجه وجلده ثم هرسه ليصنع منه حساء
ويصعد بالحساء إلي كلبته ، كلبة رقم ٩٢ ، وهي راقدة في قفصها ، تتنفس أضعف أنفاسها ولا شئ غير هذا . فيحقنا بالحساء
وتنحدر الشمس إلي عقبيها ، فيجد هذه الكلبة قد راق بصرها ، وأخذت تتنسم روائح العيش طيبة من جديد . ويفتح بنتنج " باب قفصها ، فتنط وتخرج منه ، وتجري في الغرفة ، وترفع يديها إلي سيدها ، إلي هذا السيد الجنون الذي قتلها مرارا وأحياها مرارا . قال بنتنج : ) لا أنسي أبدا ما ملأتي من الفرح إنما فتحت قفصها . .
ولكن تعود المسألة إلى قديمها . وإنها غير جائزة . إنها غير ممكنة . فإنك لن تستطيع أن تطهر البنكرباس من عصارته الهضمية في آلاف الكلاب او آلاف البقر أو الخنازير بهذه العملية الدقيقة لتشفى ملايين المرضى من الناس فتمتنع أجسامهم أن تتحل فتجري في أبوالهم سكرا . إن الذي آناه " بنتج " إلي الآن جميل في أعين العلم ، ولكنه من الوجهة العملية زحرف غير نافع .
ومع هذا ثم يفقد صاحبنا امله . وظل يضرب في طريقه ، بحدوه رجاء لا يعرف كيف يخيب . ولم لا يرجو ؟ وكيف يخيب له أمل ؟ لقد كفاه تشجيعا ، وكفاه إغراء برجائه ، رؤيته هذه الكلبة ،
كلبة رقم ٩٢ ، لا تزال قائمة حية تتنفس الأنفاس عشرون يوما عاشتها وهي لا بنكرياس فيها . فهذا أول حديث من جنسه في تاريخ الحيوان والناس . وماتت الكلية أخيرا . ماتت بعد كل هذه النتائج ، ومع هذا غضب " بنتنج " لموتها . لم يكن فيه غرام بالحقيقة النظرية إذا هي لم تؤد به إلي غايته العملية . لقد احتال لإبقاء هذه الكلبة حية ، واخترع وافتن الفنون الغريبة المستحيلة ليحفظ لصباح هذه الحياة نوره ، وعند شعلته ان يطفها الريح . وتأزم به الازمات ، في كل الاوقات ، في ضحي النهار أو في سحر من الليل ، فلا يعوزه الخاطر والخواطر لحلها : نعم هنا فرجة يكون منها الإفلات . نعم وراء هذا الركن يكون الزوغان والدوران . نعم نعم . . ثم هو يندفع إلى المخلص بقوة ، فكانما يد الله من ورائه تدفعه . ومن ذا الذي يضف رجلا تدفعه من ورائه يد الله ؟
) يتبع (
