لاداء السكر ، وقصة ن وائده مولد الإنسولين
وصل الغائب : الأشخاص . "بنتنج " طبيب شاب بجامعة طورنطو بكندا . و "بست"مساعده وهو طالب طب ، وكيميائي . ثم استاذهما الأستاذ ،" مكلود " ، أستاذ علم وظائف الأعضاء بالجامعة ، ثم "جلكرست " وهو طبيب ، وزميل ، في الدراسة وميزته أنه مريض بداء السكر .
الموضوع : نجح"بنتنج " و " بست " في استخلاص "الإزليتين " بنكرياس الأبقار . أما البنكرياس فهو غدة في بطن الإنسان والحيوان . وأما "الإزليتين " فهو اسم الجوهر الذي تصور"بنتنج " أن البنكرياس يفرزه في الدم فتستعين به الأجسام الصحيحة على حرق سكرها ، فلا يجري في دمائها ، ولا يخرج إلى أبوالها أنهاراً وبعد نجاحهما في استخلاص "الإزليتين " حقناه في كلاب أمرضاها بداء السكر ، فانتفعت به وهبطت نسبة السكر في دمها للدرجة التي هي عليها في الأصحاء . وتطوع صديقهما الدكتور ""جلكرست " وهو مريض أشد المرض بالسكر ، ليجربا فيه "الأزليتين" فأعطاه "بانتج " بمقدار من السكر ، وجعله يتنفس أنفاسه في كيس يسمي كيس " دجلاس "وأخذ " بست " هذه الأنفاس ليحللها ليعرف من تحليلها مقدار ما يحرق الجسم من السكر الذي تعاطاه فوجد أن جسمة لا يحرق من السكر إلاقليلا . عندئذ حقنه " بانتنج "حقنة " الإزليتين " وجلس ثلاثتهم ينتظرون . والآن اقرأ :
وأخذ جلكرست " آناً فآنًا يتنفس في كيس دجلاس . ويأخذ "بست " هذه الأنفاس ليمتحنها ليرى
مقدار ما زفر صاحبه من أكسيد الكربون بالنسبة لما استنشق من أكسجين الهواء . . ومضت ساعة ، ومضت ساعتان ، ومقدار أ كسيد الكربون لا يرتفع في أنفاسه . يا للخيبة ! إن جسمه لا يحرق ما تعاطاه من السكر ،
واغتم "بنتنج " لهذا غما ًكبيراً ، وخرج يلحق بالقطار ليذهب شمالا ليري أهله ، ويفرج برؤيتهم عن نفسه . ولم يستطع أن يحدق في وجه صديقه ومريضه " جلكرست " . إنه خاب وكفي ، إنها المأساة الأليمة القديمة أن الذي يصح في الكلاب ليس من الضروري أن يصح في الآدميين .
ولكن " بنتنج " تعجل الرحيل وأراد " جلكرست " أن يرحل هو أيضاً ، ولكن " يست " أغراه بالبقاء . قال له : " صبراً ، وهيا نجرب مرة أخرى " وأعطاه حقنة أخري من الإزليتين ، وجاء له بالكيس يتنفس فيه . شئ غريب ! إنه يتنفس أحسن وأروح . إنه يحس الآن أن له رئتين حقاً ، وأنه يستطيع أن يتنفس بقوة حقاً . ونفخ في الكيس بقوة كما ينفخ رواد الملاهي في حدائق الألعاب في مكنات تسجل قوة صدورهم . قال لبست : " أي شارلي ! ما هذا الذي حقنت أخاك إياه " ؟
وبغتة ، ولأول مرة في أشهر عدة ، أحس برأسه تروق كالماء المصفي ، وأحس برجليه تخفان من ثقل أليم .
وأسرع " جلكرست " إلي بيته ، ومن بيته طلب بيت " بنتنج " بالتلفون البعيد . ولما اتصل بأهله وصف لهم ما حدث له ، واستحلفهم أن يخبروه الخبر بمجرد وصول قطاره . وفي تلك الليلة تعشي أول عشاء لسنوات مضت ، أول عشاء جدير باسمه . وبعد العشاء خرج بصغيرين من أبناء أعمامه يتروضون . قال جلكرست :" لن أنسي تلك الليلة ما حييت أبدا " .
وقال : " كل الناس كانت تنظر إلي . كنت أسير مفتوح واسعه ، بابتسامة عريضة تملأ الدنيا . وكنت أجرجر ، لا رجلي هذه المرة ، بل الطفلين من ورائي " .
وقال : " كان كل من مر بي يلوي رقبته ليحدق في . كنت أحس من خفة جسمى أني أسبح في الهواء سبحاً وقد كانت فارقتني تلك الخفة خمسة أعوام كاملة "
ولكن يصبح الصباح فيعود " جلكرست " إلي جر رجليه . ولكنه لا يبالي ، فما عليه إلا أن يذهب فيأخذ حقنة أخري من الإزليتين . ويذهب فيجد الإزليتين لم تبق منه بقية .
كانت تلك الأيام علي " بنتنج " شديدة عسيرة ، وكان الظن أن تتسهل له بعد الذي حدث الأمور . ثم أدرك أستاذه الأستاذ " مكلود " أن هذا الشاب قد بلغ بخطته الفجة ما عجز عن بلوغه أضخم العلماء في علم وظائف الأعضاء . وبالطبع زها مكلود " أنه الذي أعطي " بنتنج " أول الأمر تلك العشرة الكلاب ، وأنه أقرضه مساعده " بست " لثمانية أسابيع . وأسقط " مكلود " ما بين يديه من أبحاث الآنكسيميا ، وحشد مساعديه أجمعين للعمل في هذا الجوهر الجديد الذي به تكتسب الحياة بعد ضياعها . وأصر أولا علي تغيير اسمه ، من إزليتين إلي إنسولين ، لأنه أصح لا تينية ، أو شئ كهذا . وعمل هو ومساعدوه بقوة فيما كشف " بست " و " بنتنج " وكان بالطبع كشفاً غير مهذب الأسلوب ، غير مشذب النتائج . فعملوا علي تهذيب أسلوبه ، وتشذيب نتائجه ، وعلى تقويمه وتثقيفه . وعلي الجملة بدأ " مكلود " يصنع من هذا البحث الخام بحثاَ علمياَ حقيقياَ .
وكان " بنتنج " قد فرغ من هذه التفاصيل ، فلم يعد له هم بها . وإنما الذي همه أن يبذل ما يستطيع من معونة للجمهور الذي بدأ عندئذ يتدفق على طورونطو ، على
نقالات ، يطلب النجاة من داء أهلكة . وكل يصيح بالإزليتين . وكان خطاب " بنتنج " الذي ألقاه في أساطين الطب بمدينة نيوهافن ، وتلعثم فيه ، أول باب خرج منه خبر الأزليتين إلي الناس ، ولكن ذاعت بعد ذلك عنه الأحاديث ، وشاعت الشاعات ، فجاء الناس إليه في جموعهم تتري . وكان يحز في نفسه إذا جاءته أم يحمل طفلة نحيلة هامدة ، قد جف جلدها ، وخف شعر رأسها ، تسأله الخلاص ، أن يقول لها ! إنى لبلواك يا سيدتي آسف حزين ، ولكن ... " .
وهاجت الدنيا وماجت بالإنسولين ، وتكاثر البحاث من كل صوب ، هرج مرج ، على الإنسولين فكل باحث لم يشأ أن يبحث إلا في الإنسولين . ومن هؤلاء البحاث الدكتور "كوليب " أخذ إجازة عاجلة من جامعة البرت Alberta , وجاء لبنتنج فعلمه كيف يستخليص الإنسولين من البنكرياس بالكحول المخفف ، ثم كيف ينقيه بعد ذلك بكحول مركز وغلق " كوليب " بعد ذلك على نفسه الأبواب ، ومن تلقاء نفسه وعلى حسابها ، حاسباً أنه وقع على طريقة يحصل بها على الإنسولين نقيا لا يضر أجسام الناس .
علم الله ما كان أشد حاجة الناس الآن إلي الإنسولين . إنهم يهرعون إلي حيث ظنوا أنهم واجدوه ، حتى إذا بلغوا مظنة الرجاء ومعقد الآمال ، تبين لهم أنها قشة أخرى يتمسك بها الغريق الهالك .
ثم كلف " مكلود " " كوليب " باستنباط طريقة صناعية يحضر بها الإنسولين بمقادير وفيرة .
ولم ينجح " كوليب " في استنباطه ، فقد وجد أن الطريقة التي تنجح في تحضير المقادير القليلة في الأنابيب والقوارير الصغيرة تخيب إذا اتبعها المرء لتحضير المقادير الكبيرة في الأوعية الكبرى . وكان " بنتنج " و " بست " قد تاها في هذه الجلية
وهذا الاختلاط ، فما عرف أحد ما صنعا أو يصنعان .
كانت هذه الأيام لبنتنج بئست من أيام . لم يكن له عمل . وكان مفلساً والدين يركبه . والناس أخذت تذهب عن مدينة طورنطو مطأطأة الرأس كاسفة البال خائبة الآمال ، وجلكرست المسكين كانت حياته معلقة بشعرة .
ثم يظهر الأستاذ " مكلود " في اجتماع لجمعية الأطباء الأمريكية ، وهي أكبر جمعية للطب في أمريكا ، وقد بلغ من علميتها انك لا تتصورها حتى تتصور وجها قاسيا عابساً . نقول هذا ، ولا نقصد به النيل من حرمتها . ففي هذه الجمعية الخطيرة وقف مكلود ينبئهم نبأه الأعظم - نبأ الإنسولين . فكانت ضربة ضربها إياهم في الصميم ، هزت نفوسهم وأثارت إعجابهم .
ووقف الدكتور وديات Woodjatt، وهو من شيكاجو ، يقول : " إني أعرض على الجمعية أن تظهر تقديرها لما صنع الدكتور " مكلود " وما صنع مساعدوه بالتصويت على شكرهم وقوفا " .
ووقف الدكتور ألين Allen يقول : " إننا كلنا مجمعون على تهنئة الدكتور " مكلود " وأصحابه على هذا الفوز العظيم " . وألن هذا هو الدكتور الذي تناول بالتحسين تدبير التغذية الذي ألفه الدكتور " جولبا " Guelpa لمرضي السكر ، وهو بتدبير إجاعة أحق تسمية منه بتدبير تغذية . وأجري تجاربه في سبيل هذا التحسين على الكلاب ، فأثبت أن الدكتور "جولبا " كان مصيبا في تدبيره . وأثبت أن الإجاعة تزيد في أعمار مرضي السكر قليلا . . وأين أثبت كل هذا ؟ أثبته في معهد ركفلر Rockefeller. اثبته في تلك المعامل الجميلة بذلك المعهد النابه . وهي خير معامل الدنيا وأغناها . ففيها لا يبالي الباحث كم من الكلاب استهلك . وفيها لا يبالي الباحث كم من أجهزة الزجاج كسر . وقد يكسر الباحث الواحد في الأسبوع الواحد ما يساوي كل الزجاج الذي احتاجه
" بنتنج " و " بست " لاستنباط كشفهما كله . واليوم يجيء " ألن " فيهنيء الدكتور مكلود " وتلك رجولة منه لاشك فيها ، وقد كان الدكتور " ألن " نفسه نجح في تخفيض مقدار السكر في دم المرضي من الحيوانات يمستخلصات من البنكرياس . قال : " ولكن هذه التجارب لم تنجح في إثبات شئ . والسبب البين لهذا الإخفاق أن هذه المستخلصات كانت سامة فأضرت بالحيوان ولم تنفعه شيئا " .
وأجاب "مكلود " على هذه التحيات ، قال : أود أن أشكر الجمعية شكرا جزيلا باسمي واسم زملائي " .
وفي هذه الأثناء كان " بنتنج " و " بست " يبحثان كالمجانين عن الإنسولين . و " جلكرست " كان ينظر إلي تلك الشعرة التي علقته بالحياة ويسائل نفسه متى تنقطع . ومرضى السكر كانت تجر أرجلها لتعود بعد بأس إلى منازلها لتموت فيها . في هذا الوقت نهض " بست " ليري " بنتنج " أي معوان هو في الحاجات وعند الازمات ، وكان رجال معامل كونوت Coanaught Laboratories أعطت " بنتنج " و " بست " مالا يشتريان به ما يشاءان من كلاب وأرانب وكيميائيات ، وعددا لا حصر له من البنكرياسات ، وشمر كلاهما عن سواعدهما ، وأخذا يعملان بتلك الحرارة القديمة التي بوختها الحوادث ، وبدأا من حيث لحلب كوليب . قال جلكرست ؛ " وقمت عندئذ مقام الأرنب لــــــ " بست " و " بنتنج " كنت أرنبهما الآدمي . كنت أرنبهما الأول والأخطر " .
واستخرجا الإنسولين دفعة بعد دفعة ، وكل دفعة تخرج بالتدريج أقل سما من سالفتها ، وأفعل من سابقتها . وكل دفعة يجربانها أولا في " جلكرست " . وكل يوم يمضي يزيد " بست " إمتلاكا لطريقة استخراجه وتحسينا لها . لم يكن هذا عملا هينا . ففي يناير كان " كوليب " قد
وجد أن الإنسولين سيف ذو حدين ، وأنه نفاع ضرار على السواء ، وأنه يضر من لا يعرف أي حد يقف به عنده . فابتدع " كوليب " طريقة سريعة بارعة يقيس بها مقدار إضراره ، ويعرف بها الحد الذي عنده يجب الوقوف . فكان يحقن الإنسولين في أرانب صحيحة سليمة ، ليس بها داء السكر ولا غيره من الأدواء ، فيجد السكر بدماء هذه الأرانب قد احترق ثم احترق ، حتى إذا هبط دون غاية معلومة ، أصابتها نوبة من التشنج أليمة ، ثم تدخل في غيبوية لا تفيق منها ابدا . وشغل حسابه في تقدير كم يؤذن به من الإنسولين حتى لا نبلغ هذه الغاية . وصارت هذه الطريقة هي المعتمدة إلي اليوم في تقدير قوة الإنسولين حتى لا تبلغ به هذه الغاية . ولكن هذه الغاية كانت غاية الأرانب ، فأين منها غاية الإنسان ؟ لابد إذن من أرنب آدمي . فكان جلكرست لبنتنج هذا الأرب الآدمي .
وذهب " بنتنج " و " جلكرست " إلي مستشفى شارع " كرستى " Christic ، حيث يعالج المرضي من الجند بطورنطو . وفي هذا المستشفى أتيا بالمعجزات بهذا الإنسولين . وكانوا لا يعطوبه إلا المرضى اليائسين . وأخذ هؤلاء الجند القدماء يجاهدون الموت مصابرة كانهم في
الميدان وكانوا ينادون جلكرست " بحضرة الضابط " لا حضرة الدكتور .
وذات مرة حقن " جلكرست " نفسه بنفسه من دفعة جديدة حضروها من خلاصة الإنسولين ، وذلك ليقدر كم منه فيها . وبعد الحقنة أخذ يحس العرق يتصبب من جسمه . وكانت الحجرة التي هو فيها باردة . ووقف فما كادت تحمله ركبتاه . وأراد أن يذكر ما صنع فخانته ذاكرته . وأراد أن يفكر ، وطلب الألفاظ فخانته الألفاظ . عندئذ دخله الخوف . قال " جلكرست " : " وعندئذ أحسست كما يحس ذلك الأرنب الذي يحقق مقدارا من الإنسولين فوق الذي يحتمله ، فيجري خائفاً هائجا مجنونا ، يدق في الحائط ويختبط بالمناضد " وتشاء إرادة الله أن ينجو " جلكرست " من مخالب الموت ، فقد ذكر في ورطته حيلة يحتالها الأستاذ " هندرسن " للخلاص من هذا المأزق : ذكر أن " هندرسن " علم بنتنج " أن حقنة من سكر العلب ترد الروح في الأرنب الذي كادت تزهق روحه من قلة السكر في دمه . ذكر هذا فهرع إلي السكر فتعاطى جرعة كبيرة منه ، فكان الخلاص .
(يتبع)
