داء السكر ، وقصة دوائه إحياء الموتي
وصل الفائت : الأشخاص : " بنتج " طبيب شاب بجامعة طورنطو بكندا . و " بست " مساعده ، وهو طالب طب ، وكيميائي ، ثم " جنكر ست " وهو طبيب ، وزميل بنتج في الدراسة ، وميزته أنه مريض بداء السكر الموضوع : بعد استخراج الإنسولين ، انصرف " بنتج ، إلى تجربته في المرضى . وانصرف ، بست ، إلى إستنباط الطرق لتحضير الإنسولين نقيا ، حتى لا يؤذي المرضى . وسلم جنكرست " جسمه لهذين الصديقين يجربان فيه كما يجربان في الأرانب ، وانتقل ثلاثتهم إلى مستشفى شارع ، كرستي " حيث الجند مرضى بداء السكر أشد المرض . فاتخذا من هؤلاء الجند أرانب آدمية ، يجربان فيها أيضا . والآن اقرأ :
قام " جيلكبيرست " وقام هؤلاء الجند الأبطال بمستشفي شارع كرستي ، مقام ارانب التجريب ليتننج ، في تلك الآيام الشديدة الأولى ، في مايو ويونيو عام ١٩٢٢ ، أيام كان الإنسولين خاما ، غير نقي ، غير مأمون العاقبة وحقنهم " بنتح " في أذرعهم ، وحقنهم في ارجلهم ، وحقنهم في أفخاذهم ، فأصابتهم تلك الحقن بقروح من بعد قروح ، وخلفت تلك القروح اثارها في اجسامهم ، فلم يكد يبقي عليها موضع لإبرة . ولكنهم برغم هذه الأوجاع عاشوا ، وهذا بيت القصيد . وشبعوا بعد أن تذوقوا مرارة الجوع أئمة طويلة . وشاعت في أبدانهم القوة من بعد ضعف . والقوة فيها القدرة على العمل ، والقدرة علي الرزق ، فالخروج من ريقة الإحسان .
وكان المرض والعجز صبر هؤلاء الجند الكرام عالة على الحكومة ، وفي العيلة الذلة لقوم عجزوا من بعد قدرة .
وصاحوا " بينتنتج " : " صحتنا كالمحب اليوم بإ حضرة الضابط " ، وقد أرادوا بإ حضرة الدكتور .
وتراءت لهم فرص العمل ، وفرص الحياة ، وفرص المستقبل ، ممكنة زاهرة . وابتسموا لهذا الأمل العامر . وضحكوا كلما عضهم ألم هذه الحقن الأولى ، في تلك الأيام الأولى ، التى قضاها " بست " في تحسين هذا الإنسولين ، وتنقيته ليقل به ألمهم ، ولتقل مخاطره عليهم قال جلكرست : " لا تظنوا البطولة فينا بما احتملنا من آلام . وأي بطولة تعزي لقوم عرفوا أمهم إلي الموت صائرون ، فصيروا ما صبروا رغبة في الحياة "
ولقد عاش كل هؤلاء الجند من بعد هذه الآلام عاشوا جميعا إلى اليوم ، إلا نفرا قليلا . ولكن ليس من هذا النفر رجل واحد مات بداء السكر .
كذلك عاش " جلكرست " . ألا ما كان أغرب إحساسي عندما جلست أتحدث إليه بعد تسع سنوات من تلك الحوادث الشديدة الأولى . في عام ١٩٢١ كان شيخا صيره الجوع زكبة من جلد حشوها عظام . وفي عام ١٩٢٢ كنا نحسب انا مواروه التراب ، ثم هذا انا اجلس إليه في تلك الليلة ، وقد مضي أكثرها . أجلس إلي " جلكرست " السليم الصحيح ، إلي " جلكرسست " الطبيب النشيط الناجح الضاحك ، وكله أمل في الحياة وطولها لا يقل عن امل اي رجل سواه . وكل هذا بسبب حقنتين صغيرتين ضئيلتين تنفذان إلي دمه كل يوم . . كان حديثي إليه كمحديثي إلي رجل قام من بين القبور .
هذا مايو عام ١٩٢٢ ، ولم تكد تمضى سنة كاملة منذ بدأ " بنتج " و " بست " تلك التجارب العشواء الأولى
على تلك المنضدة السوداء في معملهما ، أو بتلك الغرفة الحارة بأعلى ذلك المبني الطبي . واليوم يأخذ " بنتنح " و "كمبل" و افليئر " وغير هؤلاء من أطباء طورنطو ، يأخذون جميعا يبثون الحياة في اقوام فقدوا الأمل في الحياة ، يبثونها حقنا من إنسولين قضي " بست " الليل والنهار ليمدهم بها . وكان إلي هذا الزمان يموت من مرضي السكر كثر من ستين في المائة ، يموتون بغيبوبة هذا الداء القائلة . وكان يموت بها كل الأطفال تقريبا ، تطويهم في ظلامها تلك الغيبوية من حيث لا يحسبون . وهي تأتيهم بما تجمع في دمائهم من هذا السم الحامض التي نتج من احتراق شحمهم لما أعوز النار بأجسامهم وقود السكر الصالح
وحتي بهذه الأطفال تغير اليوم الحال ، كما تغير بالكلبة الشهيرة كلبة رقم ٩٢ - تغير تغيرا مدهشا لا يكاد يصدق .
نعم هكذا كان الناس كهولا وأطفالا ، كانوا يفقدون من أجسامهم ألفي سعر ، أو أكثر من ألفين ، يفقدونها سكرا وأحماضا تجري في أبوالهم . وكانوا يطلبون الهواء فلا يسعفهم الهواء . وكانوا جوعي يطلبون الطعام فلا يشبعهم طعام ، لأنهم إذا أكلوا ردوا ما أكلوه . وكانوا عطشي بطلبون الماء فلا يرويهم الماء ، لأنه لم يكن يستقر في أمعدتهم سائل . وكانوا محسون البرد وما في الجو من برودة . فبنكرياساتهم كانت قد تحطمت ، فلم يعد في مقدورها ان تصنع من الطعام اجليكوجين - وهو في أجسام الحيوانات نظير النشا في أجسام النباتات - لتصنع منه الكبد ويصنع منه العضل سكرا يحرقه الجسم طلبا للطاقة والاستدفاء . فلما أعوز هذا الوقود هذه الأجسام طلبته من أنسجتها ، فقامت بحرق بعضها بعضا . وكرة العين يلين جامدها فتصبح رخوة كالفالوذج . والجلد يذهب
ماؤه فيصبح جافا كالورق . والعضلات تتصاغر أحجامها سريعا فكأنهما قطع الجليد تذوب . وأخيرا تأتيهم الغيبوية خلاصا ورحمة . ولم يدخل هذه الغيبوبة أحد قبل هذا المايو ، مايو عام ١٩٢٢ ، وعاد إلى هذه الدنيا يحدثنا بالذي وجد .
حتى إذا جاء هذا الشهر من هذا العام ، جاء بنتنتج " واعوانه يبعثون الحياة في هؤلاء ، الموتى ، أو فيمن هم في سبيل الموت ، فكنت تري " بنتنج " واعوانه يبحثون على الواحد من هؤلاء ، وقد دخل الغيبوبة ويجهز الموت فيبثون فيه سر الحياة - يحقنونه بالإنسولين . فإذا بالجفن يطرف ، وإذا باللسان المعقود ينحل ، وإذا بالوعي الذاهب يعود ، وإذا بالصوت الذي انحبس يصبت في خفوت : " أين أنا ". ورجع " بننتج " واعوانه من تلك الغيبوبة بثمانية رجال من انثى عشر ، عادوا بهم لا إلي الحياة كائنة ما كانت ، بل إلي الحياة سليمة صحيحة قوية عاملة
فأي دواء في تاريخ الطب كهذا الدواء ! أي دواء يجمل الوثوق من الحياة في آخرها وأولها سواء ! واليوم في مقدور كل احد الا يموت بهذه الغيبوبة أبدأ ومن شواهد ذلك الدكتور جسلين Joslin ، في بسين Bosion ، فقد عالج ١٢٤١ مريض بالسكر ، لم يمت منهم غير ٤٣ ، مانوا بغير هذا الداء ، وبغير هذه الغيبوية .
ومما فعله هذا الإنسولين ، إنسولين " بنتنج " أنه عكس مجري الداء فقلبه رأسا على عقب . ففي الأزمان الماضية ، قبل مجيء " بنتنتج " كان الداء اخطر ما يكون على ابن آدم وهو طفل . ويقل خطر الداء بطول الأعمار وهذا قانون في قوانين الطبيعة معكوس . واليوم بالإنسولين ، صار الاطفال في مأمن أي مأمن من هذا الداء . قال جسلين : " إن الطفل المريض بالسكر يستطيع أن يمد في عمره ما شاء ، في حدود الأعمار الجارية في الناس
نعم إن كثيرا من الناس لا تزال تموت بداء السكر تموت بتلك الغيبوية التي تأتي في ختامه . ولكن ليس الذنب في هذا ذنب " بنتتح " إما الذنب ذنب القصور في الأطباء . قال جسلين : " إني أعتقد أن الموت بداء السكر سببه الأكبر هذا القصور ، قصور الأطباء ".
إن الأطباء الكفاة لا يموت بين يديهم مريض بالسكر اليوم أبدا ، إن الناس لا تموت بالسكر اليوم ، وإنما هم يموتون من تصلب الشرابين ، داء الشيخوخة العضال وأذكر هذا الداء لأن " جسلين " يري في حل العقدة بداء السكر ، حلا لها بداء الشرايين . فهو يري ان داء السكر يبدأ بزيادة الشحم بالأجسام ، وهو ينتهي بمرضاء إذ يموتون بزيادة في الشحم ايضا - لان الشحم إذا أكل الآكل مقدارا كبيرا منه تراكم في الدم فذهب إلي الشرابين . هذا ما يراه " جسلين " في علة الموت بهذا الداء
فإذا استطاع " جسلين " أن يمنع مرضي السكر من الموت بتصلب الشرايين ، بتغذيتهم بغذاء قليل الشحم . فأي درس يعطاه الناس من هذا ؟ ! ولا اقصد بالناس مرضي السكر والمهددين بدائه ، ولكن اقصد غير المرضى ممن يهددهم أكبر مهدد للكهولة والشيخوخة ، داء تصلب الشرايين
فهذا ما قد تفضي إليه جهود " بتنتج " وتجاربة إن داء السكر يمكن امتلا كله بالإنسولين ، وبتدبير الغذاء ، معا . فقد نتعلم من هذا طريقة جديدة لمط أعمارنا . إني أتصور " بنتح " قد ابتسم ابتسامته الريفية البطيئة وقد قيل له إن السر الذي اطلع عليه في البنكرياس صار لا يشفي من داء السكر فحسب ، وإنما صار يزيد في متوسط أعمار المرضى ، ممن عالج للأجلين " ، عشر سنوات فوق متوسط الأعمار فيمن حوله من الناس .
بالطبع ليس الإنسولين دواء شافيا ، لأن المريض لابد له من تعاطيه ، وموازنته بما يأكل من طعام . ولكن كثيرا من مرضي السكر مجد نفسها على الزمن تحتاج من الإنسولين مقدارا أقل فأقل . ومغزي هذا أنه بتخفيف حمل الطعام عن البنكرياس تقوي هذه الغدة شيئا فشيئا ، ويصلح ما فسد منها .
وغير هذا يقول " جسلين " عما استقاه من تجاربه ، ومن خبرته في مرضاه : " إن الحقنة تضايق الطفل الصغير بأقل من الولد الكبير ، وتضايق الولد أقل من الرجل " . ليتك أيها القارئ رأيت بنية صغيرة من مرضاء ، لم تعد العاشرة من عمرها ، نضرب الإبرة في جسمها وهي ناظرة تبتسم لك
إن الذكري تحملني مرة أخري إلي والدي في أيامه الأخيرة ، وهو يموت في مايو ، في مثل هذا الشهر الذي أكتب فيه ، وعلى مثل غناء هذا الطير الذي أسمعه . إن والذي ما كان يتأذى من حقنتين اثنتين يعطاهما كل يوم في سبيل الحياة .
لقد جلست إلي " بنتنج " ، إلي هذا الرجل الساذج البسيط ، إلى هذا الرجل الصادق الصدوق ، فوجدت عليه من سيما الفلاح أكثر مما رأيت من سيما العلماء . ومع هذا فقد أتي هذا الرجل بالعجب العجاب . قال " جسلين " مقتبسا من الإنجيل : إن " بتنج " أجاب سؤال الرب لحرقبال :
" قال الله لتلك العظام ؛ اشهدي ، فسأنفخ فيك الأنفاس ، وستحيين الحياة . وسأربطك بالأوتار ، وسأكسوك لحما ، وسأكسو اللحم جلدا ، وسأنفخ فيك الأنفاس ، وستحبين الحياة"
" . . وجاءتهم الأنفاس وجاءتهم الحياة ، ووقفوا على أرجلهم فكانوا جيشا عر صرما "
إن مئات الآلوف الذين أحياهم " بنتنج " يخفف في نفسي الأسف على أن ولادته جاءت متأخرة ، فلم يلحق بأبي فيحييه كما أحيا سواه .
منذ قليل تشرفت بصحبة جمع تأبه من العلماء الأجلاء جلسنا جميعا في تلك الليلة نسمر في غير حيطة أو مبالاة . وكان حديثنا حديث العلم . فلما ذكر " بنتنج " ابتسم رجلان في الحاضرين ابتسامة خفيفة لها معناها .
وكان سبب هذه الابتسامة أني كنت ممتلئا بأعماله . ممتلئا بمجهوده ،متحمسا له معجبا به ولعلي تحدث عنه فأفضت قليلا . فقالا : " إنه لم يكن عمل بننج بالذات عندئذ حملت عليهم حملة شعواء ، فأعطيت لها الحقائق عارية ، وكشفت لهما عما جهلا ، فتراجعا أمامي حتى التصق بالحائط ظهراهما . عندئذ قالا : " إذا كان هذا عمل بنتنج حقا ، فهي صفقة من صففقات الحظ ، ولن يكون له كشف كهذا الكشف أبدا " . وقد صدقا ، فأي الرجال يكون له هذا .
( نهاية داء السكر وقصة دوائه )
